السعار الاعلامي المستجدّ ضد بيئة المقاومة أصبح بحاجة لقراءة نفسية قبل أي معالجة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو مالية.

أولاً، ولتنظيم التحليل، لنستبعد من يكتب ويشتم لقاء بدل ماديّ سخيّ، لأن الحاجة للمال في هذا الزمن هي حاجة قذرة ومذلة للكرامة في كثير من الأحيان، وبعض المساهمين في هذا السعار امتهنوا هذه التجارة منذ زمن، ولا جدال مع هؤلاء ان كان مصدر رزقهم مرتبط بالكذب والشتم والتحريض.

ليس سهلاً أن تولد وتنشأ في بيت "تقليدي" لبناني على مفاهيم واعتبارات وأفكار تتشربها من أهلك وأقاربك وأصدقائك، مبنيّة على خرافات وطنية وأساطير رومنسية عن الكيان اللبناني بحدود ال10452 كلم مربع. وليس سهلاً أيضاً أن تترافق سردية الانتماء الوطني اللبناني مع ربط تاريخي يعود إلى عدّة آلاف من الأعوام في الماضي السحيق، تحديدا عند الحضارة الفينيقية وكيفية استعمال خشب أرز الربّ لبناء السفن المبحرة في المتوسط حاملة معها الصباغ الارجواني من شواطئ لبنان.

هذه الثقافة المنزلية لم تكن حكراً على طائفة أو مذهب معيّن، وان كانت طاغية في نفوس ورثة المتصرفيّة، لكنّها كانت شاملة لكل من وجد في الكيان اللبناني وطنا مثاليّاً ومميّزاً. أن تكون مميزاً، يعني أن تكون مميزاً عن شيء ما لأن الوصف هنا نسبي. الوطن كان مميّزا عن محيطه السوري والفلسطيني والعراقي والمصري، بالنسبة لهؤلاء طبعاً. أقول هنا ان الثقافة كانت منزلية، لأن الفقاعة التي خلقوها لأنفسهم كانت حدودها غرفة الجلوس أو المطبخ أو عتبة الباب على ابعد تقدير.

دعونا نتخيّل معاً سيناريو عودة الأولاد من المدرسة واجتماع العائلة على طاولة الطعام، والأب يسأل أولاده عن محتوى درس التاريخ الذي شرحته المادام الفلانية في الصف. تخيّل البريق في عينيّ "الأب اللبناني المثالي" وهو يسمع ابنه وهو يحدّثه عن بشير الشهابي وفخر الدين المعني الكبير او "معركة" الاستقلال في رشيا.

لكن التمايز اللبناني لم يكن تمايزاً جغرافياً عن المحيط العربي فقط، بل تمايزٌ داخلي بين الجزر والمدن اللبنانية أيضاً. ليس كل من يحمل الجنسية اللبنانية سواء، واللبنانيون ليسوا أصحاب مكانة واحدة في هذا الوطن. لم يضحّ جميع أجدادنا بشكل متكافئ في معارك الاستقلال العظيمة في جبل لبنان والساحل وراشيا ولم تساهم أيدي الجميع في رسم العلم اللبناني الأول. التمايز هنا يأخذ أطباعاً طائفية وطبقية ومناطقية تبدأ بحصريّة التعلّم، وتعلم اللغات الاجنبية خاصة، وامتيازات الوظيفة والعمل وحرية التنقل والسفر ولا تنتهي بنسج العلاقات مع الخارج.

لكن لتعس هؤلاء جميعاً، كان للتاريخ قولٌ آخر. والتاريخ لا يمشي حسب أهواء الحمقى والمقامرين والمراهنين والحاقدين والتنابل. التاريخ لا يتبع أصحاب امتيازات بائدة منذ زمن البيك والباشا، ولا يداري الحساسيات الرخوة للعائلات والقبائل هنا وهناك، والتاريخ لا يتوقف عند خاطر "رفيق" سابق لم يتخطّ بعد فكرة أن غيره نجح ببراعة حيث فشل هو وأقرانه. والأهم من ذلك أن التاريخ لن يلحق مارك سايكس وفرانسوا بيكو إلى قبريهما للمحافظة على ما رسماه في يوم ما منذ مئة عام.

ما يجري اليوم هو أشبه بتحطّم الوهم الذي يعيشه الطفل الصغير واعتقاده لبرهة من الزمن أن سانتا كلوز حقيقي وهو من كان ينزل من المدخنة ويضع الهدايا تحت الشجرة. لكن أوهام هؤلاء، بسبب رصيد العقد النفسية والاستعلاء والحقد والعنصرية، كانت أوهاماً كبيرة ومدهشة في خطورتها، أوهام بحجم وطن وأرض وشعب. الطفل تأخذه أيام عديدة حتى يتخطّى فكرة أن سانتا كلوز كائن خرافي، ما بالك بتحطّم خرافات على شاكلة "مثالية الكيان اللبناني" و"حصرية التعلم والشهادات الجامعية" و"لبنان القوي بضعفه" ؟ حالهم كحال من استثمر كل مدخراته في عدة أسهم، وجلس يشاهد اشتعال سوق البورصة كاملة!

الإفلاس في المنطق بلغ الحضيض إلى درجة ان التعيير وصل إلى تعداد من يمتلك الكتب والمكتبات، ناهيك عن رائحة الورق والكتب والحبر والدفاتر غير المنسجمة مع محيطها، أضف إلى ذلك انتقاد قطع بث أحد التلفزيونات المنحطّة في بعض المناطق. لا شك أن الأذى المعنوي بسبب هذه الحملات الشعواء كبير ويؤثر في ضعاف النفوس، لكن مفعولها المباشر لن يكون أقوى من القنابل الذكيّة التي سحقت المباني الخالية من الكتب، ولن يكون مفعولها أقوى من دويّ السيارات المفخخة في الأزقة الفقيرة المارقة البعيدة عن الحضارة والثقافة. ماذا تنتظر أساسا ممّن امتهن تعداد نعوش الابطال القادمة من ساحات الشرف في سوريا أو ممّن كتب في فراغ القرى من شبابها أثناء المعارك الطاحنة؟ ماذا تنتظر ممن هاله مشهد صهر حديد الميركافا -"عربة الإله"- في وادي الحجير؟ ماذا تنتظر ممّن يدعي الليبرالية ونعى عبد الباسط الساروت؟ أي اضطراب عقلي وذهني أصاب هؤلاء وأي منطق في المحاججة تبتغي منهم؟

على العموم، هذه البيئة ليست بحاجة لتبرير أي شيء لأي أحد على الاطلاق، لا في الثقافة ولا الفنّ ولا الشعر ولا العلم ولا الكرم ولا الأخلاق ولا الاخلاص ولا العنفوان ولا التضحية ولا الوفاء ولا المعروف ولا ردّ الجميل ولا إباء الضيم ولا الصبر ولا الانتماء ولا الحريّة، ولا المقاومة.

عالجوا عقدكم بعيداً.