عند الحديث عن جائحة كورونا، يتبادر إلى الذهن مجموعة من العناوين التي تشكّل حقلها المعجمي الخاص (كمّامة، حجر، تباعد اجتماعي، تعليم أونلاين...). مصطلح التباعد الاجتماعي وإن بدا غير مألوفٍ لعامة الناس قبل الجائحة، إلا أنه ليس كذلك عند المهتمين بأبحاث عالِم الأنثروبولوجيا الأميركي الراحل إدوارد هول، أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا في القرن العشرين والذي وثّق في أعماله "القوانين غير المكتوبة" التي تحكم سلوك البشر. من ضمن هذه القوانين مسافة التباعد التي يشعر الإنسان بالحاجة للإلتزام بها تبعاً لعلاقته بالشخص المقابل، وكيف تختلف المسافة بين مجتمع وآخر. في الولايات المتحدة مثلاً، يفترض الشخصان المتحاوران ضرورة وجود مسافة تتراوح بين متر ومترين، أما في بعض بلاد أوروبا، فالمسافة المتوقعة هي نصف تلك التي في الولايات المتحدة، وهذا ما يدفع الأمريكي المتواجد في أوروبا إلى التراجع أثناء الحوار لشعوره بأن الشخص المقابل إقترب أكثر من اللازم وتخطى الحد المقبول. 
كم عدد المسافات الموجودة لدى البشر وكيف نميّزها؟ ما الذي يميّز مسافة عن أخرى؟
تتدرج المسافات عند الإنسان من الحميمية إلى الشخصية إلى الإجتماعية وصولاً إلى العامة. الإنسان يشعر بالمسافة-الحيّز كما تفعل باقي الحيوانات، وهذا الشعور ديناميكي لأنه يرتبط بالفعل (ما يمكن عمله في الحيّز المعيّن). يتميز الحيوان عن الإنسان بنوعين من المسافات هما المسافة الحرجة (استشعار الخطر نتيجة إقتراب التهديد، إصدار أصوات لإخافته وإبعاده) ومسافة الهروب (تجنّب المواجهة، فشل في إبعاد الخطر). أما عند البشر، فلا وجود لهاتين المسافتين، لأن المسافات، كما أشرنا، ديناميكية وتقسيمها مبني على نوعية الأفعال التي يمكن القيام بها في كل حيّز.

1- المسافة الحميمية: تتراوح من المسافة صفر حيث الإحتكاك الجسدي أو إحتمالية الإنخراط الجسدي عالية في إدراك كلا الطرفين وصولاً إلى مسافة 50 سنتم حيث لا يتم إتصال الرؤوس والأفخاد والحوض بسهولة لكن يمكن للأيدي أن تمتد وتمسك الأطراف. معظم الإنرعاج الجسدي يحصل عندما يتم إختراق هذه المسافة.
2- المسافة الشخصية: هي المسافة التي تفصل باستمرار بين الأفراد ويمكن التعبير عنها بأنها "الفقاعة" التي يحافظ عليها الإنسان بين نفسه والآخرين وتتراوح بين 50 سنتم والمتر. عند هذه المسافة،  يمكن للمرء أن يمسك أو يتشبث بالشخص الآخر. لذلك، فالإبقاء على مسافة "طول ذراع" عن شخص آخر هو إحدى الطرق للتعبير عن "الفقاعة" الشخصية. بعد هذا الحد، لا يمكن للمرء أن يضع يديه على شخص آخر. إن مواضيع ذات طابع شخصي يمكن أن تتم مناقشتها على هذه المسافة.
3- المسافة الإجتماعية: توصف هذه المسافة بأنها حد الهيمنة، أي المسافة التي لا يلمس فيها شخصٌ شخصاً آخر أو يتوقع أن يلمسه إلا إذا كان هناك جهد خاص. نطاقها يمتد من متر إلى أربعة أمتار وفيها يحدث التواصل الإجتماعي-غير الشخصي. 
4- المسافة العامة: تتعدى الأربعة أمتار ويحدث العديد من التغيرات الحسية عند التحوّل من المسافات الشخصية والإجتماعية إلى هذه المسافة، والتي هي خارج دائرة الإنخراط تماماً. عند هذه المسافة يمكن للشخص أن يتخذ موقف تملّص أو دفاع إذا تعرض لتهديد ويمكن أن تستخدم من قبل أي شخص في المناسبات والأماكن العامة.
إن المسافات المختارة تعتمد على التعامل بين الأفراد، أي كيف يتفاعلون ويشعرون في كل واحدة من المسافات وهي تتفاوت بين مجتمع وآخر. فما هو حميمي في ثقافة ما يمكن أن يكون شخصياً أو إجتماعياً في ثقافة أخرى. ومع تجاهل إيجاد بيئات ملائمة في المدن التي تستوعب سكان متنوعين، تتزايد احتمالات تصادم الثقافات وسوء الفهم التي تفسّر على أنها عدم إحترام من الشخص الآخر.