قد يُرى الانقسام اللبناني، من زاوية نفسية، بين "ألأنا" Ego  من جهة ، وبين "الأنا الأعلى" Super-Ego  من جهة أخرى. وقد يكون لكل اصطفافٍ سياسيٍ تفسيراتٌ عدة: تاريخية، إثنية، دينية، حزبية أو غيرها؛ كلٌ منها تُظهِرُ واقعاً وحقيقةً من زاويةٍ معينة. وقد يكون الانقاسم السياسي في بلدٍ ما انقاسماً معقداً، لا بسيطاً، مثل الانقسام اللبناني. وقد بدأت بعد أحداث 17 تشرين، تتشكل زاوية جديدة للانقسام، قد يراها القريب ويدرسها من زاوية مختلفة، هي الزاوية النفسية، وإن كانت كل الزوايا الأُخرى كلها لا تقل أهمية وعمقاً. هذا التقسيم لا يشمل كل أفراد الشعب اللبناني، وليس شاملاً، ولا ظاهراً جلياً بعد، ولكنه جديرٌ بالبحث والاهتمام.

لا شك أن نفس الانسان هي المحرك الأساسي لمعظم أفعاله، حتى لو وجد أسباباً عقلية ومنطقية لتفسيرها، ولكن عمق محركه وأهدافه عادةً تكون باطنية نفسيةً. ومن يدقق في تباين الآراء والاصطفافات الحديثة، يرى وراء الجدال السياسي والتعبير والمصطلحات أسباباً تعود للبنية النفسية للأفراد. و قد يُرى الانقسام اللبناني الجديد، من زاوية نفسية، بين "ألأنا" Ego  من جهة، وبين "الأنا الأعلى" Super-Ego  من جهة أخرى.

لكلٍ منهما منطلقاته ومسلّماته وأهدافه، وهما أشد البعد من فهم بعضهم البعض. لا أبالغ إذا قلت أنه لا توجد أرضية مشتركة حقيقيةُ للحوار والتفاهم بين الطرفين. وما هذه المصطلحات السياسية التي يتم تباداها إلا مصطلحاتٌ لا قيمة لها إلا للتراشق ولتبادل الاتهمام والاتهام المضاد. الكلا م ليس حقيقة باطن المرء حقاً. لهذا الانقسام، أسبابٌ باطنيةُ أُخرى قد لا يُعبر عنها حقيقةً ولا تُفهم إلا لمن يسترق النظر ويدقق فيها بعمق:

تتكون فئةٌ، بغالبيتها ممن ينطلق من "الأنا" Ego   في رؤيته لكل شيء. من يقول "أريد..، أشعر بـ..، أرغب بـ..، مصلحتي في ..، غناي في..، راحتي الاقتصادية في...، رأيي هو ..، أنا لا أرى إلا... وغير ذلك.." هذه الفئة تتألف من فئات عدة: عائلاتٌ معروفةٌ، أثرياء جدد، خريجو أو طلاب جامعات الدرجة الأولى AUB، LAU ، USJ، من حصلوا على حرف "د" أو "م" (محامي - مهندس) قبل اسمهم، العائلات الثرية، وسلالتها التي تتوارث التضخم في الأنا حتى لو لم تتوارث المال والسلطة كالجيل السابق، العائلات المعروفة الي تسمي نفسها بالـ"عريقة" المتطبعة بحب الظهور و ادعاء الثقافة والتفوق الفكري و"التنور الفكري"، فئاتٌ لبنانية تشكل أقليةً في البلاد العريبة صنعت لنفسها وهم التفوق والتميز، تتوارث هذه الوهم وبعض الغرور معه جيلاً عن جيل.
تشكل هذه الفئة رؤيتها وسياستها من زاوية مصلحتها الخاصة، آنياً ومستقبلاً. لا تكترث كثيراً لقضايا الحق والباطل، الخير والشر، المصلحة العليا للأمة، مصالح الشعوب الجارة أو الشعوب "الصديقة". همٌ واحدٌ يسيطر: هم التفوق، التميز، إبقاء "الأنا" متضخمةً للبقاء في الوهم الجميل. لا تستطيع هذه الفئات بسهولة الانخراط في الأحزاب الكبرى، الأحزاب والجماعات تذيب "الأنا"، يجب الطاعة والخضوع أحياناً، "الأنا" تؤلمها الطاعة، ينسحبون بسرعةٍ بحجة بناء رأي خاص، أو أن الحزب ابتعد عن المبادئ الأساسية التي شُكل على أساسها، أو بسبب قمع حرية الفمر أو أي حجة/ كذبة.
يجد أصحاب هذه الفئة صعوبةً شديدةً في تأييد مقاومةٍ قائدها "فقير" مثل السيد حسن نصر الله، ذو أصولٍ متواضعة، دون ثروة أو زينةٍ أو قصورٍ. لعله لو كان ذو ثراءٍ شديدٍ، بحق أو غير حق، أو لو كان ابن عائلةٍ اقطاعية، أو ابن "بيك" يقرف من ملامسة يد البشر بالسلام، لكان الأمر أهون عليهم.
عادةً تكون هذه الفئات بعيدة ً كل البعد عن اتباع التراث الديني،  أو "يصنعون تفسيرهم الخاص للدين"، عادةً يكون سطحياً وساذجاً لكنه يتوافق مع ما يحبون فعله، إذ يرى أتباعها أنفسهم "أرقى وأذكى ، أكثر عمقاً وفهماً" من "العامة"، هم أعلى من الرضوخ لدينٍ أومبادئ أوقائدٍ أو أي شيء آخر. "إن كان همالك حقيقة" فسيكتشفونها حقاً، اليسوا هم الأذكى والأعلم؟ّ! يببرون ذلك بالحرية و"الانعتاق" من الخرافات والأوهام الدينية. هم "يفهمون عمق الأمور"، بعكس "العامة" الذين يسيرون "على عماهم". يستحضرني قول فتاةٍ أنهت سنتها الثالة في جامعةٍ متوسطة المستوى الاكاديمي في اختصاصٍ لا استطيع القول أنه للأشد ذكاءً أو مثابرةً: "أنا أحلل وأصنع رأيي الخاص. بماذا يتميز عني حسن نصر الله (تقصد الأمين العام لحزب لله السيد نصر الله)، أنا درست وهو قد درس، أنا لدي عقلٌ وهو لديه عقل. " ومن هذا القبيل.

تتكون فئةٌ ثانيةٌ ممن يقول "يجب أن..، الواجب أن..، الحق أن...،  الضمير يقول أن...، مصلحة إخواننا في البلد كذا أن...،  الدين يقول...، الله يرضى أن نفعل...، مصلحة الأمة أن نفعل.. " ومثل ذلك. أقول معظمها وأتوقع أن تصبح كلها لا معظمها مستقبلاً، اذ يتنافر أصحاب التفكير المغاير تلقائياً ويجدون الأسباب المنطقية مع الوقت. هذه الفئة تتألف من فئات عدة: الفقراء ومتوسطو الحال بنسبةً كبيرةً. (هل يهذب الفقر النفس ويجعلها تخضع لما يجب أن يكون؟)، إضافةً لطلاب الجامعة اللبنانية وبعض جامعات الدرجة الثانية، متوسطو الحال، المتدينون الذين ليس في تاريخ عائلاتهم علامةٌ ولا مرجعٌ كبيرٌ ولا بطريرك ولا مفتي. ومكمن رأيهم غيريٌّ لا أناني، كأن يكون في خدمة القيم أو الدين أو المصلحة العليا للشعوب كلها، حتى لو كانت في أميركا اللاتينية. هذه الفئة أشد صبراً على الفقر والمصائب وحتى الموت. يعيشون حالة إنكارٍ للذات ورغَباتها، وحتى ألمها أحياناً. المهم هو ما تراه "الأنا العليا". المهم هو ما يجب أن يكون، لا ما أريد "أنا"، أو أكره "أنا". تستطيع هذه الفئات بسهولة الانخراط في الأحزاب الكبرى، فهي لا تواجه مشلكة إذا ما ذابت "الأنا" في الجمع، فهي من الأصل شبه مسحوقة أو مقموعة.
يتناسى أفراد هذه الفئة أنفسهم ومصالحهم حينما يطرحون أفكارهم ورؤاهم. وهم محقون في أن هذا الرأي فيه مصلحةٌ للقيم العليا، للأخلاق والمُثل والدين الإلهي، ومصلحة الشعوب والمظلومين. حتى ولو تضارب مع مصلحتهم الخاصة أو أدى الى فقرهم وبؤسهم. هم الأشد قدرةً على تقديم التضحيات، والصبر وكظم الغيظ والانتظار. يتناسى أفراد هذه الفئة أنانيتهم في معظم الطريق، قبل الحصول على لذة السلطة، عندها ينفجر رغماً عنهم، الشعور بالأنا فيهم، وقد يُردي  بعضهم بلذته ونشوته.
رأينا كثيراً ينتقل من الفئة هذه الى الفئة الأخرى عند دخوله الى جامعة عريقة، أو عند بدء حصوله على لقبه العلمي ("د" أو "م" أو ...)، تضخمت الأنا، لم يعد بوسعها الطاعة والصبر.

قد ثبت لدينا، من القراءات والتجارب العملية، أن أساس البشر وحقيقتهم هو في عمقهم النفسي، لا في ما يطرحون من كلمات قد تكون جوفاء أحياناً، وهذا العمق النفسي قد يكون موروثاً أو حادثاً، ولكن المؤكد أن له أكبر الأثر في خيارات المرء واصطفافه وموقفه، علم ذلك أو لم يعلم. وهذه محاولةُ بسيطةٌ لفهم ذلك العمق النفسي وبعض أسبابه... على عجل.