الأسبوع الماضي، نشر البيت الأبيض تقريراً استخباراتياً بقي لفترة طويلة ضمن الملفات السرية. هذا التقرير الذي يلقي باللوم على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بشكل غير مباشر، في قضية مقتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي عام 2018، جاء قبيل فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على عدد كبير من الشخصيات رفيعة المستوى من المرتبطين بعملية قتل خاشقجي.

فكرة أن الرياض يجب أن تدفع نوعاً من الثمن لقتل خاشقجي ليست مستغربة. في الواقع، هي النتيجة الحتمية لما يزيد على سنتين من الضخ الإعلامي والضغط السياسي من الديمقراطيين على إدارة ترامب. لكن السؤال سيبقى: ماذا بعد؟ وهو ما سيكون حاسماً في الأيام المقبلة. التقرير لناحية نصه، قد لا يتعدى كونه رسالة شديدة اللهجة. ومع ذلك ينبغي للمراقبين أن يراجعوا منهج واشنطن الأوسع تجاه المملكة بلحاظ التغييرات التي قد يُقدم عليها بايدن في الفترة القادمة.

"منذ العام 2017، كانت السيطرة المطلقة لولي العهد على على أجهزة الأمن والإستخبارات في المملكة، لذلك يستبعد أن يقوم بعض المسؤولين السعوديين بعملية كهذه دون تفويض مباشر من ولي العهد". كانت هذه العبارة الأهم في التقرير الأخير والتي تشير بشكل مباشر لمحمد بن سلمان. رغم ذلك اختار البيت الأبيض عدم فرض عقوبات مباشرة على ولي العهد، في الوقت الذي تصدى فيه وزير الخارجية أنتوني بلينكن لتبرير هذه النقطة قائلاً: "العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أكبر من أي فرد". لذلك نرى اكتفاء الإدارة الجديدة بفرض عقوبات على بعض الشخصيات البارزة التي سبق وتمت محاكمتها لدى القضاء السعودي، ليتم الحكم على ثمانية أشخاص بالسجن لمدد تتراوح بين سبعة إلى عشرين عاماً بتهمة قتل خاشقجي.

نهاية عام 2019، وقف بايدن في إحد المناظرات وتعهد بأن يجعل السعودية مملكة منبوذة إذا تم انتخابه رئيساً، آنذاك، انقسم الخبراء والدبلوماسيون الأميركيون السابقين حول سؤال واحد ما لبث أن عاد مراوداً اليوم: هل علاقة الولايات المتحدة بالسعودية وولي عهدها الحالي، الموسوم بالتهور وعدم الاستقرار، محمد بن سلمان، تستحق الانقاذ؟

ليست الرسالة الأولى!

منذ طرحها في عام 2016، أثّرت رؤية 2030، خطة محمد بن سلمان الرسمية لإعادة تشكيل اقتصاد الدولة والمجتمع، على كل قطاعات الحياة في المملكة تقريباً. في غضون خمس سنوات، بدأت الخطة في إعادة توجيه اقتصاد البلاد بعيداً عن اعتمادها التقليدي على النفط، كذلك عملت الخطة على تخفيف حدة الصورة المتشددة التي وسمت السعودية لفترة طويلة. حاول بن سلمان زيادة النشاطات الترفيهية وإخفاء التوجه السلفي المتشدد في البلاد متأملاً اللحاق بركب الحداثة. في زيارته للولايات المتحدة ظهر بن سلمان بهيئتين مختلفتين، إحداهما بلباسه ذي الصورة العربية النمطية وهو يوقع عقود شراء الأسلحة في البيت الأبيض، والثانية ببدلة زرقاء أثناء لقاءه أصحاب شركات التقانة والتكنولوجيا في وادي السيليكون، ظناً منه أنه قد يكسب شركات التقانة العالية ذات الهوى الديمقراطي عبر بعض الاستثمار في مدينة نيوم. المفارقة أن تلك الشركات نفسها قامت بإيقاف حساب رئيس الولايات المتحدة على تويتر قبيل خسارته في الإنتخابات. كانت رسالة الإيقاف هذه الأولى من نوعها، ويبدو أنها وصلت إلى الرياض قبل وصولها لترامب نفسه.

تعتبر حرب اليمن "الخطوة الأغبى" لمحمد بن سلمان ويجب وضع حد لها برأي بايدن. ست سنوات من القصف والحصار دون جدوى. على العكس، ازداد النفوذ الإيراني بفعل هذه الحرب في اليمن وتعاظمت قوة حلفائها. القصف اليمني صار يطال اليوم معظم الجغرافيا السعودية بدقة عالية وبشكل شبه يومي. لقد أعاد الحوثيون السيطرة على أجزاء كبيرة من مأرب وغيرها، ناهيك عن بعض المناوشات البرية داخل الحدود السعودية. بلحاظ الدور والموقف الأميركي كان إلغاء تصنيف الحوثيين من لائحة الجماعات الإرهابية مطلع العام الجديد أولى قرارات بايدن، والرسالة الأكثر قسوة بحق محمد بن سلمان.

سياسة الوقت المناسب والمكان المناسب

تحاول التصريحات السعودية تشتيت الرأي العام والتقليل من أهمية التقرير عبر التركيز على بعض العبارات الواردة فيه، كونه يستند إلى ما "كان يمكن أن يكون، أو ما كان ينبغي أن يكون، ولن يرتقي إلى أي مكان قريب من إثبات الاتهام بما لا يدع مجالا للشك"، وهو الذي أشار له السفير السعودي في الأمم المتحدة في تغريدة له على تويتر، متسائلاً: "إذا كانت هذه حجة صحيحة، فلماذا لم يكن الرئيس الأمريكي ونائب الرئيس ووزير الدفاع مسؤولين عن جرائم أبو غريب؟، عام 2004، والتي تظهر الجنود الأمريكيين يسيئون معاملة المعتقلين؟

قد يستدعي هذا الأسلوب السعودي زيادة في مستوى الضغط على ولي العهد تحديداً، حيث أن خروجه بمظهر البريء من هذه الجريمة قد يزعج بعض الجماعات في الداخل المريكي، ويساهم باستمرار الضغط على إدارة بايدن لتحقيق إنجاز ملحوظ في هذه القضية.

ظهر ذلك قبل بضعة أيام، حين تعرضت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين بساكي خلال مؤتمر صحفي للضغط طلباً لتوضيح سبب معاقبة مسؤول في المخابرات السعودية وفي قوة التدخل السريع في الحرس الملكي السعودي، لمشاركتهما في قمع المعارضين.

أجابت باسكي أن فريق الأمن القومي "يعتقد أن ملاحقة الشبكة المسؤولة عن هذه الأعمال هي أفضل طريقة لمنع حدوث جريمة كهذه مرة أخرى"، وهذا هو هدف الإدارة الجديدة. "إن الولايات المتحدة لا تعاقب قادة الحكومات الأجنبية التي تقيم معها علاقات دبلوماسية" قالت باسكي، "بالطبع، نحن نحتفظ بالحق في اتخاذ أي إجراء في الوقت وبالطريقة التي نختارها".