في الأيام الحماسية التي أعقبت الانقلاب على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أجريت تعديلات دستورية بدت وكأنها استباق لفوز الإخوان الذي كان مضموناً، فحصل الأزهر على درجة من الاستقلالية المؤسسية في شؤونه الخاصة لم يسبق لها مثيل منذ أيام الرئيس عبد الناصر. والجدير ذكره أن شيخ الأزهر أحمد الطيب الذي تولى منصبه في 19 آذار مارس 2010، وقف ضدّ ثورة 25 يناير 2011، وفي خطابه طالب المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم معتبراً أن تواصل التظاهرات "حرام شرعاً". وبعدها وقف مباركاً خلف عبد الفتاح السيسي في خطاب الانقلاب.

لطالما تمتع الأزهر تاريخياً باستقلالية ونوع من الحكم الذاتي على الرغم من المحاولات المتكررة من السلاطين والحكام لوضعه تحت سلطتهم، إلا أنه بقي أداة مؤثرة في تشكيل سياسات الحكومات والترويج لها، إلى أن تم وضع المؤسسة وأوقافها بالكامل ضمن صلاحية وزارة الأوقاف في عهد عبد الناصر، ومن خلال القانون 103 لعام 1961 أصبح تعيين شيخ الأزهر من صلاحيات الرئيس المصري. وقد عملت القيادة السياسية في السنوات اللاحقة على ضمان أن يكون الأزهر بمثابة قوة وازنة في مواجهة التأثير المتنامي للإخوان المسلمون والسلفيون، ولقوى خارجية مثل الوهابية.

أثناء عهد مرسي ورغم الهدوء الذي كان ظاهراً في العلاقة بين الأزهر والرئاسة، إلّا أنّ الأزهر كان شديد التوجس من سيطرة الإخوان على مؤسسته باعتبارها جماعة سياسية وليست دينية، وخاض معارك مكتومة مع ما كان يُعرف وقتها بمحاولات "أخونة" الدولة. إذ يعتبر الأزهر أنّ وسطية الإخوان دعوة سياسية تتعارض مع وسطية الأزهر باعتبارها دعوة دينية، لذلك كان الأزهر حاضراً فيما عُرف بثورة 30 يونيو حيث تم عزل مرسي، واعتبر الإخوان أنّ هذا العزل مرَّ من تحت عمامة شيخ الأزهر أحمد الطيب، الأمر الذي أفقد الأزهر حياديته المدَّعاة. في المقابل، اعتبر الأزهر أنّ هذا تكريسٌ لحياديته إذ كان بين خيارات الضرورة، فاختار الأقل ضرراً.

 وبعد النجاح في عزل مرسي وإنهاء حكم الإخوان، قامت النخبة الحاكمة بالعمل على السيطرة على كل مؤسسات الدولة تشريعياً وقضائياً وإعلامياً، ولم تكن مؤسسة الأزهر بعيدة عن هذا التوجه، وكان أول تباين أو أول ظهور لخلاف علني هو بعد فضّ اعتصام رابعة، حيث استنكر الأزهر ذلك، ولكن الشيخ أحمد الطيب أبقى العلاقات هادئة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الأزهر، للحفاظ على مكتسابته الاستقلالية. كان هذا واضحاً في موافقة الأزهر على اعتقال حوالي 100 من الإيغور في عام 2015، العديد منهم طلاب في الأزهر، والذين تم ترحيلهم بناءً على طلب الصين إلى الجمهورية الشعبية.

هذا الهدوء النسبي عاد ليتعكّر عام 2017، عندما طرح الرئيس السيسي مسألة الطلاق الشفهي التي رفضها الأزهر بالكلية وبشكلٍ حاد. ثم عاد السيسي ليطرح مسألة التجديد الديني، ليدخل الاثنان في صراع علني حول مسألة الإصلاح، فالسيسي وبدعم من حلفائه الخليجيين يرون أن الإصلاح الديني هو المفتاح الوحيد لمواجهة التهديدات الأمنية والتطرّف المتصوّر، ولا يحصل ذلك إلا من خلال تنقيح وإعادة تفسير وفهم الحديث النبوي، في حين يري الطيب أن الإصلاح "لا يمكن أن ينطوي على التخلي عن النصوص القرآنية الواضحة أو الأحاديث النبوية".

الواقع أنّ مؤسسة الأزهر وضعت ذلك في إطارالعدوان السياسي على الدين، حيث لا صفة للرئاسة للولاية على دين الأمة، وهي المهمة التي يعتبرها الأزهر منوطة به، وهو ما يبدو صراعاً من أحد جوانبه على الوصاية الأخلاقية على المجتمع. وجه السيسي في أحد خطاباته كلاماً لشيخ الأزهر الذي كان يجلس في الصف الأمامي قائلاً "تعبتني يا فضيلة الإمام"، وهو ما اعتبر تأنيباً علنياً، ثم بدأ صراع مكتوم وطويل بلغ الزبى، حين بدأ السيسي بتدريب الأئمة من الذكور والإناث في وزارة الأوقاف الملحقة برئاسة الجمهورية، بدلاً من الأزهر.

وفي محاولة أخرى للحدّ من نشاط الأزهر، قرر الرئيس السيسي أن كبار المسؤولين الأزهريين بمن فيهم السيد الطيب سيحتاجون إلى الحصول على موافقة مسبقة من الرئيس أو رئيس الوزراء قبل السفر إلى الخارج، وأصدر تعليماته لوزارة الشؤون الدينية بكتابة خطب موحدة لجميع الخطباء في المساجد.

إلى ذلك، يشير محمد عزام من المعهد الدولي للدراسات الإسلامية في كوالالمبور إلى أن الحكومة الماليزية لم تعد تمول الطلاب الذين يرغبون في الذهاب إلى الأزهر. قال عزام: "إذا ذهبوا (إلى الأزهر) ، فهذا ممول ذاتياً". وأشار كذلك إلى أن المملكة العربية السعودية قد تدخلت لتقديم مئات المنح الدراسية في مؤسسات في المملكة. قال السيد عزام: "بسبب القيود المالية ، يذهب الناس إلى أي بلد يحصل على رعاية".

في الوقت نفسه ، قال عزام إن المزيد من الماليزيين يتجهون إلى الأردن. "هناك تحول. يرسل الآباء الماليزيين الآن أطفالهم إلى الأردن لمواصلة دراستهم إما في الدراسات الإسلامية أو الشريعة أو موضوع واحد محدد أو الأعمال المصرفية والمالية... لديهم منهج مختلف. وقال إن لديهم المنهج الإسلامي والعلماني وهذا أعطى نتيجة مختلفة للخريجين الذين عادوا.

منذ صعود الملك سلمان وابنه محمد، ركزت العربية السعودية على الترويج لسلسلة معينة من السلفية في المنطقة، بما فيها الأزهر، تدعى "المداخِلة". بقيادة الزعيم السلفي السعودي الثمانيني الشيخ ربيع بن هادي عمير المدخلي، العميد السابق لدراسة أفعال النبي محمد وأقواله في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. والتيار المدخلي هو تيار دينى  يقوم أساسه المنهجي على رفض الطائفية والفرقة والتحزب والامتناع عن السياسة، ومذهبه "عدم جواز معارضة الحاكم مطلقاً، وعدم إبداء النصيحة له في العلن".

غالباً ما يكون "المداخلة" قوة خلافية في المجتمعات الإسلامية. فهم في كثير من الأحيان على القائمة السوداء، ويسعون لعزل أو قمع من يتهمونهم بالانحراف عن الإيمان الحقيقي. يعتبر المدخلي وأتباعه المملكة العربية السعودية المكان المثالي لأولئك الذين يسعون إلى إسلام خالص لم تتأثر به الممارسات الثقافية غير الإسلامية والعلمانية.

الواقع أن الترويج لـ"المداخلة" وقع على أرض خصبة في الأزهر. كان ذلك جزءاً مما دفع رجال الدين المحافظين في الأزهر إلى دعوة المصريين إلى عدم الانضمام إلى الاحتجاجات الجماهيرية لعام 2011 على أساس أن الإسلام يأمر المسلمين بطاعة حاكمهم حتى لو كان غير عادل لأنه قد يؤدي إلى فتنة أهلية.

إلى ذلك،ثمة تغول سعودي على الأزهر، حيث تحاول السعودية من خلال تقديم الدعم المالي وإعادة ترميم أبنية الأزهر ومؤسساته، كذلك من خلال دعوة الأزهريين للمناسبات الوطنية السعودية وتكريمهم بجوائز مالية كبيرة، أو من خلال انتدابهم للتدريس في السعودية بمقابل مادي كبير، استطاعوا اختراق الأزهر فكرياً وسياسياً ودينياً. عام 2018 افتتح بن سلمان أعمال الترميم في الأزهر معلناً التبرع بمبلغ 150 مليون دولار لهذا الغرض. ومن جانبٍ آخر تصبّالمحاولات الإماراتية في نفس الاتجاه، ولكن لأغراض تختلف أحياناً وتقاطع غالباً مع الأهداف السعودية، فإّذا كانت السعودية تسعى لتعزيز سطوة الفكر الوهابي القديم والمتجدد، بما يترتب على ذلك من استخدام قيمة الأزهر في العالمين العربي والإسلامي لتمرير أفكار العائلة الحاكمة، تسعى الإمارات لاستخدام ذات القيمة في تعزيز تنافسها مع آل سعود، ولكن كلاهما مثلاً يتفقان على أمر اختراق الأزهر في محاولة تشريع أو على الأقل تسويغ فكرة التطبيع، وقد كان ثمة تجربة ناجحة أيام السادات عندما عمد إلى الأزهر لشرعنة سلامه مع "إسرائيل" إسلامياً، واستخدام الأبحاث العلمية الدينية لإضفاء الشرعية على اتفاقية السلام مع إسرائيل، بهدف تخفيف الاضطراب المعرفي لانتقال المصريين من فكرة الصراع إلى فكرة السلام.

يحظى الأزهر بمكانة عظيمة في الوجدان الشعبي عربياً وإسلامياً، خصوصاً وأن له إرثٌ كبير في مواجهة الاستعمار كما في مواجهة أدواته، ومحاولات ليّ عنق الأزهر من خلال الاختراق الفكري والسطوة المالية والتعتيم الإعلامي، تصب في خانة التطبيع وتطويع العقل الجمعي تجاهه، فإضفاء الطابع الديني على عملية "أسرلة" المجتمعات، ستسهل وستوفر كثيراً من الوقت والجهد على دعاة التطبيع أمرهم.

عالقاً في مرمى نيران اللاعبين الجيوسياسيين الطموحين، يكافح الأزهر لرسم مسار يضمن له قدراً من الاستقلال مع الاحتفاظ بمكانته كحارس للتقاليد الإسلامية.حتى الآن، كان الأزهر قادراً على صد محاولات السيسي لتأكيد سيطرته، لكنه كان أقل نجاحاً في الحد من نفوذ دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة التي تسعى بشكل متزايد إلى تحقيق أجندات منفصلة.