شهد وادي غالوان الواقع في القطاع الغربي من خط السيطرة الفعلية أعنف مواجهةٍ عسكرية بين القوات الصينية والهندية في أيار/مايو الماضي بعد التوتر الذي أثارته الهند بتعبيد عدة مئات من الكيلومترات إلى قاعدةٍ جوية أعيد بناؤها عام 2008 في إقليم لاداخ المتنازع عليه مع الصين، وإعلانها تبعية المنطقة للإتحاد الهندي بما يعنيه ذلك عسكرياً من رفع لكفاءة انتشار القوات الهندية وبالتالي تغيير حاد في القواعد المعمول بها، عبّرت الصين عن اعتراضها عليه بتقديم شكاوى للجانب الهندي قوبلت بالتجاهل لاعتبار الهند ان انشاء قواعد وبنى تحتية في المنطقة حق مشروع حتى لو كانت منطقةً متنازعاً عليها خصوصاً أن الصين تراكم تحصيناتها في ثلاث مواقع على الأقل بمحاذاة خط السيطرة، وفي حادثة مشابهة لم تتراجع عن بناها التحتية قرب الحدود مع بوتان عام 2017 رغم حصول تماس عسكري.

نشرت الهند عقب ذلك في حزيران/يونيو الماضي منظومات دفاع جوي متطورة من طراز آكاش ومروحيات شينوك ودبابات T90 وسارعت وزارة الدفاع الهندية لطلب توريد مقاتلات وأنظمة دفاع جوي S400 من روسيا لتدارك فشلها العسكري والاستخباراتي ورفع جاهزية القوات وتطوير قدراتها على التحرك السريع في المنطقة، ووجه رئيس الوزراء الهندي نيراندا مودي رسالةً واضحة إلى الصين والباكستان في عيد الاستقلال في آب/أغسطس الماضي بالقول أن قوات بلاده تتعامل مع "الإرهاب والتوسعية" ملاقياً في ذلك قرار اللجنة العسكرية في بلاده بتحويل مركز التهديد الاستراتيجي الأول من الباكستان إلى الصين. علماً أن الاستفزازات الحدودية وصدامات الدوريات بدأت تنحو منحىً خطيراً منذ وصول حزب بهارتيا جافاتا اليميني المتطرف إلى السلطة في الهند عام  2014، ورغم أن الصين أملت أن تحافظ تفاهمات مودي وشي عام 2018 على علاقات مستقرة مع الجار الهندي تتيح لها التفرغ للمزيد من التعملق الإقتصادي الهادئ إلا أن التوجس الهندي من مبادرة حزام وطريق في الدول المجاورة جعل مصير تلك التفاهمات يسلك طريق اتفاقية "المبادئ الخمسة للتعايش السلمي" قبيل الحرب الصينية الهندية.

كما كل النزاعات في العالم يرتبط النزاع الصيني الهندي بتركة الاستعمار الأوروبي ومخططات الدول العظمى التي رسمت خريطة العالم بحدودٍ مصطنعة مليئة بالأفخاخ تحمل بذور التفجير التلقائي في أصل تركيبتها بما يخلق سلسلة لا تنتهي من من الصراعات الإثنية والقومية والعرقية والطائفية، وحيث أن النزاع معرض الحديث بالغ الأهمية لوقوعه بين قوتين نوويتين تملكان أكبر جيشين في العالم وكثافة سكانية وموارد هائلة فإنه من المفيد إلقاء الضوء على أبرز النقاط التي أفرزت التوتر الحالي لاستشراف مستقبل الأزمة التي قد تحدد مصير البشرية ككل، وهي التالي:

خط السيطرة الفعلية LAC الذي أفرزته حرب عام 1962 على أنقاض خط مكماهون السابق يشكل عاملاً مزعزعاً للاستقرار تارةً بسبب المناورات العسكرية المفاجئة وطوراً بسبب أعمال البنى التحتية وربما توغلات ينفيها الطرفان، فالحدود الصينية الهندية هي أطول حدودٍ غير مرسمةٍ في العالم (3488 كلم) تخترق منطقة جليدية بالغة التعقيد وشديدة الوعورة والتداخل على ارتفاع 4300 متر عن سطح البحر وبالتالي يمكننا القول أن جذور التوتر تعود إلى عقودٍ سبعةٍ خلت حيث تُظهر الخرائط الصينية أن الهند تحتلُ قرابةَ 90 ألف كيلومترٍ مربع مزعوم من أراضيها (ذات أغلبية بوذية) فيما ترفض عرضاً صينياً لتسوية النزاع بتبادل الأراضي وتدعي أن الصين تحتل 38 ألف كيلومترٍ مربعٍ من أراضيها ومن ضمنها أراضٍ في إقليم لاداخ ، وقد عرفت المنطقة سابقاً تشدداً في عدم استعمال الأسلحة النارية إذ ان سقوط قتلى سابقاً حصل خلال اشتباكات محدودة بالأيدي والهراوات والدبابيس المعدنية، لكن الحادث الأخير شهد تطوراً لافتاً باستعمال الأسلحة النارية وعدهبعض المحللين فخاً صينياً استُدرجت أليه الهند.

فشل الانتفاضة في التبت عام 1959 يُشكل علامةً فارقة في تاريخ العلاقات الصينية الهندية فالهند التي افتتحت أول سفارة لدولة غير يسارية في بكين، دعمت انتفاضة التبت وبعد فشلها سمحت للدلاي لاما الرابع عشر وحاشيته بالإقامة في الهند وتشكيل حكومة منفى على أراضيها بشكلٍ سبب إزعاجاً دائماً لبكين، كما شكل قيام الصين بانشاء طريق يربط التبت بأقليم شينجيانج عبر إكساي تشين –الذي تدعي الهند تبعيته لكشمير- سبباً رئيساً لاندلاع حرب عام 1962 التي انتهت بهزيمة كبيرة للجيش الهندي.

التحالف الصيني الباكستاني يُنظر إليه في الهند على أنه مصدر تهديد جدي خصوصاً لجهة تدفق الصينيين إلى الباكستان واستيطانهم فيها لبناء مشاريع عملاقة أهمها في ميناء جوادر،  ولهذه النقطة أيضاً جذور تاريخية لا تعود إلى العداء التاريخي بين الهند والباكستان بل إلى تنازل الباكستان للصين عن مقاطعة شاكسجام في الجزء الباكستاني الشمالي من كشمير عام 1965 وهو سمح للصين بإنشاء الممر الاقتصادي المشترك الذي يضمن 3000 كلم من الطرق، وسككاً للحديد وأنابيب نفط وغاز ومحطات ذرية لتوليد الكهرباء وقاعدةً عسكريةً في جيواني (بقيمة 46 مليار دولار)، ما يحقق للصين فائدتين أساسيتين هما ربط إقليم شينجيانغ بميناء جوادر الباكستاني باعتباره أقرب من الموانئ الصينية ووصول الصين إلى بحر العرب دون المرور بالممرات المائية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والهند كمضيق ملقا، ما دفع نيودلهي لإعلان تحفظها عليه علانيةً عبر وزيرة خارجيتها ولتصنيفه ضمن سلسلة التهديدات الاقتصادية والأمنية، بل ودعم الانفصاليين المتطرفين البلوش في إقليم بلوشستان الباكستاني لعرقلته عبر العمليات الإرهابية، بحسب الاتهام الباكستاني.

الخلاف حول جامو وكشمير، أدانت الصين بشكل منفرد خطوات الهند في إلغاء المادة 370 من الدستور التي تعطي حكماً ذاتياً لجامو وكشمير ذي الغالبية المسلمة منذ عقود، وقيامها بمشاريع تغيير المنطقة ديمغرافياً عبر توطين الهندوس فيها، لذلك دعت لثلاث اجتماعات لمجلس الأمن الدولي لبحث الخطوة الهندية لكن روسيا وأمريكا وفرنسا أحبطت المساعي الصينية، تماماً كما سبق للصين أن أحبطت مراراً مسعى الهند لإدراج "جيش محمد" على قوائم الإرهاب خصوصاً أن الصين تلحظ تحوّل كشمير إلى ورقة تُضاف إلى هونغ كونغ وتايوان في مسعى واشنطن لتطويقها، وهو ما يجد له تأكيداً في خطاب وزير الداخلية الهندي "آميت شاه" أمام البرلمان في آب/اغسطس 2019  الذي شكل الشرارة الحقيقية للتوتر الأخير فخلال إعلان الغاء الوضع الخاص لكشمير تعمّد الاشارة إلى أنه "عندما اتحدث عن جامو وكشمير فإنني أعني بذلك كشمير الباكستانية المحتلة واكساي تشين التي تسيطر عليهما الصين، هاتان المنطقتان ملكٌ لنا، ونحن مستعدون للتضحية بأرواحنا من أجل ذلك".

تصاعد النزعة القومية في البلدين يُسهم بشكل واضح في إذكاء حالة التوتر ويدفع نحو مزيد من العسكرة فعلى الجانب الصيني تتصاعد المشاعر القومية بشكل كبير، لا سيما قومية الهان، مدفوعةً بالنجاحات الهائلة للبلاد على كافة الصعد لا سيما العسكرية منها -وحتى الصحية فيما خص مواجهة كورونا- منها فتدعم الحزب الحاكم في ترسيخ مفهوم "الصين العظمى"، كما لا تختلف الأمور على الجانب الهندي حيث تصدرت إجراءات الحكومة ذات الصبغة القومية المتطرفة، كقائمة المواطنة في اقليم أسام ، واستثناء المهجرين المسلمين من عرض الجنسية الهندية - رغم أنهم الأكثر عرضةً للتهجير كالروهينغا مثلاً - وغيرها من الاجراءات في سياق تأكيد تفوق الهندوس وإقامة أمة هندوسية على نمط مشاريع الحركة الصهيونية التي لا يخفي مودي إعجابه بها والتي تربطها علاقات قديمة جداً بحزب بهارتيا جافاتا قبل قيام الكيان عام 1948. وقد أظهر نمو الأيديولوجيا القومية المتسارع والمترافق مع المواجهات العسكرية على الحدود المزيد من التناقضات بين البلدين ووجه العداء تجاه الآخر بما يبرر للسلطة المزيد من العسكرة والإنفاق العسكري وهو ما نشهده بوضوح في الزيادة الهائلة للإنفاق العسكري الصيني والهندي الذين يحتلان المراكز الأولى. (مع ميل الكفة بشكل كبير جداً لصالح الصين).

اختلال توازن القوى، أعطت مبادرة حزام وطريق البحرية الصينية، الموازية للمر الإقتصادي المشترك، الأفضلية للبحرية الصينية في المحيط الهندي، عبر نسج علاقات وروابط منسقة مع الدول المطلة (بنغلادش، سيرلانكا، المالديف..) بإعفاءات جمركية وبناء موانئ وعقد معاهدات تجارية وتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء التجاريين ضمن ما يُطلق عليه استراتيجية عقد اللؤلؤ التي اعتبرتها الهند محاولةً لاحتوائها وتهديداً لمكانتها البحرية ولتحكمها بممرات إمدادات الطاقة إلى الصين بما يعرض موقعها على خريطة التوازنات الجيوسياسية في آسيا للإهتزاز، لذلك تسعى لمزيد من المباحثات الرباعية إلى جانب أستراليا واليابان والولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الجيوسياسي المتزايد للصين في جنوب آسيا.

 

التقارب الهندي الأمريكي بدأ يأخذ منحىً تصاعدياً عقب أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وفتح صفحة التعاون مع واشنطن خلال حرب أفغانستان وارتفعت وتيرته في خضم الحرب التجارية بين أمريكا والصين. فرغم أن الهند تاريخياً كانت تتبنى سياسة عدم الإنحياز إلا أنها كانت تميل إلى الإتحاد السوفييتي لا إلى الولايات المتحدة ورغم أنها ترتبط مع روسيا بعلاقات صداقة وطيدة يعززها التوجس من الصين، إلا أن رغبة نيودلهي بعدم الظهور بمظهر الوحيد في مواجهة الصين وإثبات نفسها كطرف استراتيجي فعال في السياسة الاستراتيجية العالمية وسعيها لنيل مقعد دائم في مجلس الأمن ضمن سلسلةِ السياسات التي تنتهجها في إطار "التوجه الجديد نحو نظام محسن ومتعدد الأطراف" NORMS.، جعلتها ترى من مصلحتها تعزيز التقارب مع واشنطن التي تسعى من جانبها للمزيد من تطويق الصين وإحباط صعودها المتنامي ، لذلك شهدت الفترة الأخيرة لا سيما مع تولي ترامب الرئاسة في أمريكا مزيداً من التقارب وتم توقيع عقد مدته 20 عاماً لتوريد الغاز الأمريكي المسال الى الهند لمواجهة خط الغاز الروسي الهندي الذي يمر بإيران وباكستان، كما أعربت واشنطن عن تأييدها للهند ورفضها لـ"السلوك الاستفزازي المطلق" للصين وانضمت الى المباحثات الرباعية لمواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهندي، وهو ما شكل مبعث قلق لدى بكين التي تتوجس من الغرب وتفضل حل المشاكل البينية دون فسح المجال أمام الاستثمار السياسي الخارجي.

دعوات المقاطعة الاقتصادية أخذت صدىً واسعاً في الهند بفعل المشاعر القومية التي حفزتها حوادث الحدود من جهة ورغبة نيودلهي في الرد إقتصادياً على ما عجزت عنه عسكرياً خصوصاً أن الصين هي أكبر شريك تجاري للهند بحجم تبادل يفوق التسعين مليار دولار تميل كفته لصالح الصين بواقع 53 ملياراً وبالتالي هي اهي المتضرر الأول من هكذا خطوة. فتم حظر 43 تطبيقاً صينياً للهواتف الذكية بذريعة حماية الأمن القومي، ما رفع عدد التطبيقات المحظورة إلى مئتين من بينها تطبيق TIKTOK الأكثر شيوعاً واستخداماً في الهند، ولوحت بمقاطعة شركة هواوي وسوق الهواتف الذكية الصينية الهام جداً بالنسبة للصين باعتبار السوق الهندية هي الأكبر بالنسبة إليها والأهم بالنسبة للمواطنين الهنود الذين لن يتمكنوا بسهولة أن يستغنوا عن الهواتف الصينية الرخيصة الثمن، لكن المقاطعة تواجه بعقبات عديدة منها اعتماد الهند على الصين في مجالات عدة كصناعة السيارات والأدوية والصناعات التحويلية والالكترونيات الاستهلاكية.  فحظر شركة هواوي عن شبكة الجيل الخامس الهندية يواجه صعوبةً لدى شركات التكنولوجيا الهندية الكبرى التي تربطها بهواوي روابط استراتيجية، ومبادرة "صنع في الهند" قد تصبح سلاحاً ذا حدين لأن تأثيرها الواضح على الصين لا ينفي ضررها الكبير على كبريات الشركات الهندية الناشئة التي تستثمر فيها الصين مبالغ هائلة وستتكبد خسائر كبيرة فيما لو تحققت دعوات المقاطعة فعلياً.

إحتمالات العودة إلى النقطة السابقة محدودة جداً ولا يزال الوضع محفوفاً بالمخاطر فالخلافات أعمق بكثير مما تبدو ظاهرياً، لكن الحرب العسكرية غير حتميةٍ أبداً فقنوات الإتصال والدبلوماسية ما تزال مفتوحةً والبلدان الجاران أمام اختبارٍ خطير يرتبط بموازنة الطموحات الكبرى مع الإدراك التام لحجم الخطر وما يفرضه ذلك من العمل بشكلٍ واعٍ لتغليب التعاون على المجازفات غير المحسومة النتائج، وحيثُ أن كلفة التراخي بالنسبة للهند كبيرة وكلفة المواجهة أكبر وبما أن الطموح الصيني أكبر من أن يُحد فإن احتمالات سيناريو شبيه بالحرب الباردة واردٌ جداً لكن مسرح المعركة الجيوسياسية الكبرى هذه المرة قد لا يكون على الحدود والممرات المائية ونقاط التماس فحسب بل على امتداد "الجبهات" التكنولوجية.