أعاد الجيش السوداني حضوره إلى الحدود مع إثيوبيا بعد غياب استمر ثلاثة عقود وانتهى سقوط نظام الرئيس البشير أواخر عام 2018، ما رفع منسوب التوتر بين البلدين في منطقةٍ متفجرةٍ أصلاً، والحدود السودانية الإثيوبية ككل الحدود بين دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي متنازع عليها بشدة وخيضت من أجلها حروب كحرب أوغادين عام 1972 والحرب الإثيوبية الإريترية عام 1998، كما أن العلاقات السودانية الإثيوبية البينية لم تشذ عن العلاقات الأفريقية التقليدية إذ اتسمت ا-كأي علاقةٍ بين قوتين متجاورتين- بالتمدد العسكري لكل طرفً على حساب الطرف الآخر في فترات ضعفه، وقد شهدت سنوات الثمانينات دعم الحكم الشيوعي الإثيوبي للمتمردين السودانيين قابله دعمٌ سوداني لجبهة تحرير التيغراي، كما شهدت التسعينات دعم السودان الجماعات الإسلامية في إثيوبيا مقابل دعم إثيوبيا للمعارضة السودانية، مع الإشارة إلىى أن ثلاثة ملايين إثيوبي يسكنون السودان وهو عدد تزايد بلا شك بفعل النزوح القسري من معارك إقليم التيغراي.

لا يمكن النظر إلى النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا بمعزلٍ عن ملفين أساسيين شديدي الأهمية، سد النهضة والنزاع في إقليم تيغراي، كما لا يمكن تجاوز الجذور التاريخية للمشكلة أي إلى عام 1867 حين وجهت حكومة الهند الإنكليزية إلى الحبشة جيشاً قوامه 14000 جندياً عبر ميناء "زيلع" (المصري حينها) على البحر الأحمر، وقد قدمت مصر بقيادة الخديوي اسماعيل كل ما يلزم لإنجاح الحملة الإنكليزية، لكن انكلترا لم تعترف بالدور المصري في انتصار حملتها، أما الأحباش فقد حفظوا هذا الدور جيداً إلى جانب الكثير من الحقد ونفذوا عقب الحملة عشرات الغارات على حكمدارية السودان حتى عام 1882 حين صارت مصر تحت الاحتلال البريطاني وشجعت إيطاليا على التمركز في إثيوبيا في خطوة استفزت الأحباش وفتحت المجال أمام فرنسا التي سرعان ما اصطدمت بالجيش المصري –بقيادة انكليزية- وأُجبرت على توقيع معاهدة عام 1894 التي وضعت حداً لأطماعها في وادي النيل، ثم استغل الإنكليز بعض أخطائها فألبوا عليها ملك الحبشة "منليك الثاني" وأعطوه 3600 كلم من الأراضي المصرية –جنوب شرقي السودان- ليوقع معاهدة الحدود المصرية الإثيوبية عام 1902 التي تنص على منع أي إنشاءات تمنع جريان المياه إلى النيل، وترسم الحدود إلى الشرق من منطقة "الفشقة" موضع النزاع الحالي.

نتيجة المفاوضات عام 2008 تم الاتفاق ضمنياً على ما يسمى بالحدود المرنة بحيث أبقت أثيوبيا على اعترافها بتبعية "الفشقة" القانونية للسودان وفق معاهدة عام 1902 مقابل سماح السودان للإثيوبيين من عرقية الإمهرة بالبقاء وممارسة حياتهم الطبيعية، لكن الطرف المفاوض من الجانب الإثيوبي كان "جبهة تحرير التيغراي" التي أطيح بحكمها عام 2018 وتسبب باهتزاز الاتفاق، رغم التقدم الذي أثمرته مساعي الترسيم عام 2013 وإنشاء اللجنة المشتركة للمتابعة عام 2013 التي كانت ستفضي إلى اعادة ترسيم 265 كلم من الحدود بين إقليمي التيغراي والأمهرة الإثيوبيين وولايات القضارف والنيل الأزرق وكسلا وسنار السودانية.

استعاد السودان ما يزيد عن 90% من أراضيها في جولته الأخيرة للرد على تحركات ميلشيا"الشفتة" الإثيوبية،  رغم تصاعد حدة التصريحات الإثيوبية المنددة حيث وجه السفير الإثيوبي لدى السودان إنتقاداً للحكومة السودانية متهماً إياها بارتكاب "خطأ تاريخي وأخلاقي" بتخطيط وتمويل من طرفٍ ثالث، عبر التوغل في ما سماها الأراضي الإثيوبية مهدداً بـ"الخيارات المناسبة"، وتزامن ذلك مع إختراق طائرة عسكرية أثيوبية للمجال الجوي السوداني وحشد قوات وأسلحة على الجانب الأثيوبي من الحدود في خطوة تصعيدية واضحة. ما جعل مسار الأحداث يتعدى مشكلةً حدوديةً عرضية تفتعلها ميليشيا "الشفتة" إلى تحركٍ عسكري منسق تديره حكومة أبي أحمد من أديس أبابا ضمنياً وتستغله للضغط على السودان في ملف سد النهضة من جهة ولتمرير خطط الإستيطان في المنطقة وتحويلها إلى درعٍ لسد النهضة المجاور القائم على أراضي إقليم "بني شنقول" الذي ضُم إلى أثيوبيا بداية القرن الماضي، وهو ما شبهه عضو مجلس السيادة السوداني الفريق"الكباشي" بالاستيطان الإسرائيلي.

يبدو من سياق الأحداث على الحدود السودانية الأثيوبية خلال فترة حكم البشير ومن سبقه لاسيما التغافل عن توغل "الشفتة" عام 1995 مضافاً إلى إعلان الطرفين قبولهما بالوساطات لتسوية النزاع، وبالنظر إلى ما لدى السودان من أزمات داخلية كثيرة ومعقدة وما لدى إثيوبيا مما يفوقها كثرةً وتعقيداً كالنزاع في إقليم التيغراي والخلاف مع عرقية الأرومو الكبرى، فإن أياً من البلدين غير معنيٍ بحرب كلاسيكية لا يمكن التنبوء برقعتها وآثارها. وبقدر ما يشكل هذا مانعاً أمام الحرب من الناحية المنطقية فإنه يشكل أيضاً بوابةً للقادة ذوي النظرة المصلحية الضيقة للهروب إلى الأمام لا سيما عرقية الأمهرة المسيحية ذات الأطماع التاريخية في شرق السودان والتي استفادت من التحالف مع آبي أحمد لتبوء مناصب رفيعة في الحكم على حساب التيغراي ووضعته في موقفٍ لا يقدر فيه على التنازل كي لا تفسر كرسالة ضعف الى الداخل، تماماً كالجنرالات السودانيين الذين لا يرغبون في إعطاء أي رسالة مشابهة إلى "شركائهم" المدنيين ويعرضوا مكانتهم لمزيد من النقاش، خصوصاً أن ابي أحمد يتمتع بشعبية مقبولة لدى المدنيين السودانيين لدوره ضمن الاتحاد الأفريقي في الاتفاق السياسي بعد "ثورة" 2018 وأزمة فض الاعتصام، ولا يُكنُ له العسكريون أي ودّ، بل قد يرون في المعركة الحالية رافعةً سياسية وشعبيةً لهم ودليلاً على صواب مسارهم، فهل تكون "القشفة" مجدداً صاعق تفجير شرق أفريقيا؟ أم الأزمة مرتبطة بأسبابٍ غير ظاهرية وكلا الطرفين يخوضان نزاعا بالوكالة لكسب الوقت؟