رسخ إسم مأرب في الوجدان العربي والإسلامي وارتبط بالقصص الأسطورية التي رافقت المخيال العربي لقرون كقصص ألفُ ليلةٍ وليلة، لا لأنّ اليمن ككل بلدُ الأساطير والغموض الموغل في القدم بل لارتباطها بالممالك الغابرة وخصوصاً مملكةُ سبأ الشهيرة التي راسلت ملكتُها سليمانَ الحكيم وذُكر سدها التاريخي في الآية الثانية عشرة من السورة القرآنية التي حملت إسم سبأ: ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم جنتان عن يمينٍ وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾.

حمَل عام 2020 بشرى خير لليمنيين بفيضان السد للمرة الأولى منذ ترميمه أي منذ 34 عاماً، ثم حمل عام 2021 بشرى التحرير، فقد شكل سقوط سد مأرب بيد قوات التحالف العربي عام 2015 ضربةً معنويةً قاسيةً لعنفوان اليمنيين وترك ندوباً غائرةً في الوجدان اليمني لم يشفها سوى المشاهد المسربة لطواقم عسكرية من قوات صنعاء على ضفاف السد ترفع العلم الوطني اليمني بعد ست سنوات على حفلةِ رفعِ الأعلام الخليجية وتراقص أبناء أمراء الخليج على أنقاض الإعجاز الهندسي المبني قبل ثمانية قرون من الميلاد، معلنين "كسر شوكة المشروع الإيراني" والانتقال نحو إسقاط العاصمة صنعاء في احتفاليات تفاخرت بها وسائل إعلام التحالف لأسابيع مانحةً رمزيةً كبيرةً لسقوط السد أثرت سلباً بشكل كبير على الشعب اليمني حينها لتُحسب اليوم قيمةً معنوية تُضاف إلى القيمة العسكرية لاستعادة المدينة الاستراتيجية الغنية بالموارد الطبيعية والواقعة على مسافة 170 كيلومتراً إلى الشرق من صنعاء والتي تعد محميةً سعودية  وآخر مدينةٍ شمالية تسيطر عليها الميليشيات الموالية للسعودية.

تجاوز الجيش واللجان الخط الأحمر السعودي وتخطوا السد باتجاه المدينة وسط اشتباكات عنيفة بدأت تتلردد أصواتها داخل المدينة ما أحبط معنويات المرتزقة وخلق حالةً من الرعب، لكن المتحدث باسم حركة أنصار الله (الحوثيين) وجه رسالة طمأنةٍ إلى قبائل مأرب بأن أي أذىً لن يطال سوى المنخرطين عسكرياً إلى جانب العدو الأجنبي، بالتزامن مع إجتماعات "فريق المصالحة الوطنية الشاملة والحل السياسي" مع قيادات الدولة السياسية والعسكرية والأمنية في صنعاء و"هيئة شؤون القبائل" لمناقشة الأوضاع في "ما تبقى من مديريات محافظة مأرب المحتلة"، ما يضعنا مجدداً أمام مشهد صنعاء عام 2017 حين استطاع رئيس المخابرات العسكرية اليمنية اللواء أبو علي الحاكم بسحر ساحرٍ أن يفشل انقلاب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح بعد اجتماعه بشيوخ قبائل طوق العاصمة، وهو ما قد يتكرر إذا ما أُخذ بالحسبان السخط الشعبي على التجمع اليمني للإصلاح لإمعانه طوال 6 سنوات من حكم المدينة في نهبها وإذلال شيوخها وإهانة مواطنيها.

أما القطبة الأهم في كل ما يجري فهي الصراع الخفي بين الخليجيين على الأراضي اليمنية فقد رفع التجمع اليمني للإصلاح صوته مستنجداً بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً ومحذراً من خطورة سقوط المحافظة التي تزيد مساحتها عن 17 ألف كيلومتر مربع، وبالتالي فتح الطريق أمام حكومة صنعاء باتجاه المحافظات الجنوبية والشرقية الواقعة تحت سيطرة  ميليشيات المجلس (ومعسكرات القاعدة وداعش) بل وربما باتجاه منطقة الشرورة السعودية (يمنية محتلة)، لكن الجنوبي يبدو أكثر حذراً ويرفض القتال نيابةً عن الإخوانوالتضحية بمقاتليه في الشمال خشية تمدد قوات حزب الإصلاح في الجنوب والوسط لذلك طالب الجنوبي قيادة حزب الاصلاح بسحب ألويتها العسكرية الثلاثين من أبين وشبوة واليمن ووادي حضرموت للدفاع عن مأرب، أما السعودية فهي أكثر تشدداً فيما خص مأرب التي تستثمر فيها المملكة بملايين الدولارات لذلك تحركت الدبلوماسية السعودية باتجاه المبعوث الأممي مارتن غريفيث والجامعة العربية التي استفاقت فجأة من سباتها العميق لا لترى مجازر العدوان اليومية بل لمحاولة وقف التقدم باتجاه مأرب بالتزامن مع حمّى الغارات الجوية السعودية على محاور القتال.

كالعادة تهرب المملكة إلى الأمام باختراعِ عدوٍّ غير موجودٍ على الأرض لتسقيط القدرة اليمنية الذاتية وإرضاء العنجهية الخليجية، حيث يُفضل الإعلام العربي والغربي القول أن الحرب في اليمن تدور بين الحوثيين "المدعومين من إيران" وقوات "الشرعية"، وفي ذلك مجانبةٌ للواقع الذي يؤكد أن الحرب تدور بين قوات الجيش اليمني التابع لحكومة العاصمة صنعاء مدعومةً بمقاتلين من حركة أنصار الله (الحوثيين) من جهة، وميليشيات حزب التجمع اليمني للإصلاح (الذراع اليمني لحركة الإخوان المسلمين)، مدعومةً بميليشيات القاعدة وداعش والطيران السعودي الإماراتي من جهةٍ أخرى، في دلالةٍ واضحة على التعاون بين السعودية وحركة الإخوان في اليمن، ومع لحاظ أن الحدود البرية الوحيدة التي تسيطر عليها حركة أنصار الله هي مع السعودية نفسها وأن الحصار البري والبحري والجوي المطبق المفروض على اليمن منذ عام 2015 لا يتيح لأيّ دولةٍ في العالم، بما فيها إيران، أن توصل أي أعتدةٍ أو ذخائر إليه فإن التدخل الخارجي الفعلي المعتد به على الأراضي اليمنية هو تدخل دول التحالف العربي والقوات الأمريكية والبريطانية المشاركة معها، وليس الإيرانية بطبيعة الحال. أما  واشنطن فرغم حذفها لحركة أنصار الله عن قائمة المنظمات الإرهابية (وإبقاء قادتها على القائمة!) وإعلانها وقف الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية للدفع باتجاه "حل سلمي"، إلا أن تأثير ذلك لم يُلحظ على الأرض فبينما سارعت الخارجية الأمريكية للدعوة إلى وقف التقدم في مأرب كانت القوات البريطانية تسد الفراغ عبر خبرائها العسكريين والفنيين المشاركين في الحرب والذين يزيد عددهم عن الـ6000 ينسقون مختلف العمليات العسكرية والأمنية بما يوحي أن الدور الأمريكي أُنيط بالقوات البريطانية نظراً لعدم قدرة واشنطن على تجاوز قصف الحوثيين للمنشآت النفطية السعودية وتهديداتهم المتزايدة لـ"إسرائيل" عبر الصواريخ أو عبر الإشراف على البحر الأحمر، وذلك يؤكد مجدداً إتهام الحوثيين بأن الحرب كانت في الأصل "عدواناً أمريكياً".

تقترب أصوات المدافع ومحركات الدبابات بسرعة وتفرض القوات المحرِرة سيطرةً نارية على المدينة فتنفذ عمليات جراحية آخرها إختراق أحد سجون "الإخوان" فيها وتحرير معتقليه، والأمل معقود على مفاوضات اللحظات الأخيرة لتجنيب المدينة معركة لا رابح فيها إلا الخراب، فيسقط رهان الحرب بتحرير المدينة ويُفتح الباب أمام الغريب ليخطو خطوته المتأخرة إلى الخلف.