منذ العام 2017 يحاول محمد بن سلمان (ولي العهد السعودي الحالي) تلميع صورته في العالم، وخاصة في القارة الاوروبية. بن سلمان يبدو انه "يغار" من الإماراتيين والقطريين، وهو يرى في استثماراتهم سبيلاً مهماً لدخول القارة الأوروبية من أوسع أبوابها، ألا وهو كرة القدم. ولي العهد يحاول، ولكنه مرفوض بشكل كبير في إنكلترا، وكذلك في فرنسا التي وجهت له صفعة كبيرة أخيراً.

مليارات الدولارات يدفعها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضمن ما يسمى "رؤية 2030" الاقتصاديّة. بن سلمان يتصرف بجنون. هو اشترى قصر لويس الرابع عشر في فرنسا بمبلغ 300 مليون دولار، واعتبر حينها أغلى منزل في العالم، كما اشترى يختاً بقيمة نصف مليار دولار، ولوحة للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي بقيمة 450 مليون دولار. على الصعيد الرياضي تارة يحاول السير على طريق الاماراتيين، وتارة أخرى يحاول تقليد القطريين، الا ايا من خياراته لم تنجح حتى اليوم. ينظر محمد بن سلمان بعين الحسد الى الاستثمارات القطرية والاماراتية في كرة القدم الاوروبية. الامارات اشترت عبر منصور بن زايد في العام 2008 نادي مانشستر سيتي الانكليزي مقابل 241 مليون دولار، وحولته الى واحد من أقوى الفرق الانكليزية والاوروبية. الاستثمارات القطرية بدأت في باريس بعد ان اشترى صندوق قطر للإستثمار نادي باريس سان جيرمان، ليترأسه ناصر الخليفي، وهو رئيس مجموعة "بي إن سبورت" الرياضية، وجعله يحتكر البطولات محلياً، وينافس بقوة أوروبياً.

بن سلمان دخل على الخط قبل حوالي 4 سنوات من بوابة مدينة مانشستر الانكليزية. في ذلك الوقت كان نادي مانشستر يونايتد يعاني من مشاكل مالية كبيرة، وتحدثت العديد من المصادر وقتها ان ملاك النادي كان يريدون طرح أسهم بقيمة 750 مليون جنيه استرليني. جاء القطريون ودفعوا حوالي 1.5 مليون جنيه استرليني، ثم رفعوا العرض الى 1.8 مليون، ولكنهم لم ينجحوا بالحصول على الاسهم. بعدها لجأ محمد بن سلمان الى PCP Capital Group لتقود المفاوضات، وهي الشركة التي ساعت بن زايد على شراء السيتي، ودفع ما قيمته 4.9 مليون دولار ليشتري كل الاسهم، الا ان العائلة التي تملك النادي العريق " آل غلايزر" رفضوا العرض السعودي، وعزوا ذلك الى الانتهاكات التي ترتكبها السعودية في موضوع حقوق الانسان. وفي تلك المرحلة رفضت العائلة حضور مؤتمر «دافوس الصحراء» في السعودية، الذي كان على هامشه ستناقش الصفقة، معترضين على مقتل الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في اسطنبول، واتهام محمد بن سلمان بالأمر. ضربة قوية للأمير السعودي "الطموح"، والذي وضع رؤية الأمل السعودية للعام 2030، وكان أولها "عاصفة الامل" السعودية التي راح ضحيتها مئات آلاف اليمنيين الأبرياء.

خسارة صفقة مانشستر يونايتد جعلت ولي العهد السعودي يتحول الى مدينة أخرى، الا وهي نيوكاسل. ناد يلعب في الدرجة الممتازة الانكليزية، الا ان تكاليفه أقل بكثير من نادي مانشستر يونايتد. بن سلمان يريد الاستثمار لجعل الجميع يحبوه عندما يجلب الألقاب والانجازات الى المدينة. لم يلتفت بن سلمان الى ان الرياضة هناك جزء من ثقافة المدينة وثقافة البلد. دفع ولي العهد ما قيمته 445 مليون دولار للحصول على 80% من الاسهم، الا انه لم ينجح بإقناع ملاك النادي مايك آشلي. وما زاد من رفض الانكليز بيع أنديتهم للسعودية، تحذير منظمة العفو الدوليّة من أن الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم "يغامر بخسارة سمعته" اذا ما اقدمت أنديته على بيع اسهمها للسعودية. وقالت مديرة المنظمة في إنكلترا كيث الين إن "البريميرليغ" يغامر بسمعته لمصلحة الساعين لاستخدام بريقه للتغطية على تصرفاتهم غير الأخلاقية والمخالفة للقوانين الدولية.

ومن الصفعات التي تلقاها محمد بن سلمان كانت من قطر نفسها، التي بعثت بأكثر من رسالة لجهات رياضية انكليزية تحثها على عدم بيع أسهم في أندية للسعودية، بسبب مسؤوليتها عن قناة "“BEOUT Q التي كانت تبث مباريات الدوري الانكليزي عن طريق السرقة ومن دون حقوق محفوظة، وهو ما اضر "BEIN" القطرية بصورة كبيرة. كما ان السعودية سعت خلال الفترة الماضية للظفر بحقوق البث للدوري الانكليزي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وبالتالي منافسة القناة القطرية عليها.

فرنسا "تطرد" السعوديين

أقفلت انكلترا جميع المنافذ بوجه ولي العهد السعودي، لذلك لجأ الى فرنسا. هناك حاول الدخول بأسلوب جديد. هو عرف نفسه مرفوضاً من قبل المجتمع، لذلك حاول الالتفاف للوصول الى نادي مارسيليا الجنوبي، وهو النادي صاحب الشعبية الجارفة في فرنسا وشمال افريقيا. قبل أشهر قليلة أعلن رجل الأعمال الفرنسي مراد بوجلال رغبته شراء نادي مارسيليا بالشراكة مع أشخاص قال انهم من الشرق الاوسط. بوجلال معروف بعلاقاته الرياضية الكبيرة في فرنسا، وهو كان رئيسا لنادي تولون. بعد فترة تبين ان أحد الشركاء الكبار هو عياشي العجرودي، وهو رجل اعمال تونسي لديه مصالح كبيرة جداً في السعودية.

فشلت الصفقة بعد محاولات عدة، لتخرج تقارير خلال الأيام الماضية تتحدث عن رغبة الوليد بن طلال شراء النادي. هنا ذكرت العديد من التقارير الفرنسية والإيطالية ان هذا الامر يعتبر التفافاً من محمد بن سلمان من أجل شراء النادي. الضجة الاعلامية الكبيرة جعلت الجميع يتريث. ان ان مقربون من الوليد بن طلال تحدثوا الاسبوع الماضي ان هذه الاخبار غير صحيحة، فيما نفى الملاك الحالي لمارسيليا، الامريكي فرانك ماكروت هذه الاخبار أيضاً. كل هذا الاخذ والرد يبقى في سياق وحد، وهو رغبة السعوديين بالاستثمار الرياضي في أوروبا، الا ان سمعتهم تمنعهم من ذلك، كما لعب الاماراتيين والقطريين ضدهم تحت الطاولة هناك، نظراً لنفوذهم الرياضي  الكبير.

لن تتوقف هذه المحاولات السعودية، ولن يكتفي محمد بن سلمان بالعروض الرياضية التي ينظمها في الرياض او جدة، وحتى الحفلات الموسيقية التي يريد من خلالها تقديم نفسه بغير صورة "القاتل" التي طُبعت بأذهان الكثيرين في الشرق والغرب، خاصة بعد حرب اليمن ومقتل جمال خاشقجي.

صفعة تلو الأخرى يتلقاها ولي العهد، والاكيد انه اذا ما فشل في فرنسا بعد انكلترا، فإنه يمكن ان يلجأ ليحاول في بلد آخر، من دون ان يكون في الواجهة. ولنفترض انه نجح بعد وقت ـ وهو امر ليس مستبعد ـ  فالاكيد ايضاً ان سمعته ستتلطخ أكثر كون هذه الاندية المدعومة خليجياً في اوروبا، ومنها "باريس القطري" و"ومانشستر الاماراتي" يرزحون دائما تحت ضغط تجاوز قوانين اللعب المالي النظيف، والتهرب الضريبي.