لم تكن مصادفةً أن تندلع الاضطرابات التي تحولت إلى الحرب المدمرة في سوريا من الجنوب السوري، فمنذ أن بدأ التخطيط لإيجاد الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، كانت الهواجس الأمنية والمائية حاضرة بقوة في الدراسات، ويشكل الجولان المحتل ودرعا والسويداء عناصر أساسية فيها، كما أنها الخاصرة الرخوة للوصول إلى دمشق وإسقاطها، ما يجعلها حاجزاً أمنياً كبيراً يمنع أي تحرك للجيش السوري وحلفائه في اللحظة الإقليمية والدولية المناسبة للإنقضاض على الجولان وفلسطين، كما أنها تؤمن الحماية للأردن الذي لم يخرج عن دوره الوظيفي، وتمنع التواصل البري لسوريا جنوباً بما يتركه من آثار اقتصادية سلبية على الداخل السوري واستمرارالحصار.

اندلعت الاحتجاجات بدءاً من أقصى الجنوب السوري في درعا في منتصف آذار عام 2011، وبدأت معها عمليات الاغتيال والتحول للطور المسلح العسكري ممتدة إلى مناطق القنيطرة في خطوات واضحة المعالم لتدمير القواعد الصاروخية الجوية، والسيطرة على المناطق الاستراتيجية، وحاولت التمدد إلى السويداء استناداً إلى الانقسام المجتمعي الذي حصل كبقية المناطق السورية نتيجةالتباين في مواقفهحول دوافع الاضطرابات، ورغم ذلك بقيت خارج إطار الاضطرابات الحادة رغم البنية العشائرية وامتداد بعض الولاءات إلى لبنان وشمال فلسطين المحتلة.

أحدث التدخل الروسي في الحرب السورية بعدما استطاع قاسم سليماني إقناع الرئيس بوتين انقلاباً في المشهد العسكري والسياسي في الداخل السوري، ثم تطور الأمر بعد احتواء الموقف التركي جزئياً مقابل مكاسب كبرى في الشمال السوري، ما ترك الجنوب السوري وحيداً من مناطق وقف التصعيد الأربعة في سوريا وفقاً لاتفاقات أستانة بين الضامنين الثلاثة"موسكو وأنقرة وطهران"، فكان لابد لها أن تدخل في إطار التسويات، وهذا ما حصل بعد اجتماع هلسنكي بتاريخ 16 تموز/ يوليو 2018 بين الرئيسين بوتين وترامب، والذي بموجبه تم تناول المسألة السورية من زاوية الحفاظ على أمن إسرائيل وفقاً لاتفاق خط الهدنة لعام 1974، وعلى أثر ذلك تم إيجاد تسوية خاصة لدرعا والقنيطرة باتفاق بين موسكو وواشنطن وتل أبيب، وبضمانة موسكو حيث يرحل من يريد إلى الشمال السوري ويبقى من يريد بسلاحه الفردي والمتوسط عملياً، واستتبع ذلك بلقاء القدس بعد عاممن ذلك لرؤساء مجالس الأمن القومي لكل من روسيا والولايات المتحدة و"إسرائيل" "نيكولاي باتروشيف وجون بولتون ومائير بن شبات"، فتحولت درعا وخاصةً المنطقة الغربية منها محرّماً على الجيش السوري دخولها، ولَم تتوقف تل أبيب عند هذا الاتفاق بل دفعت بالخلايا المرتبطة بها عبر المال الخليجي وإدارتها لنشر الاضطرابات الأمنية والقيام بأعمال أمنية واغتيالات، ففي أقل من عام ونصف من شهر حزيران/ يونيو 2019 وحتى شهر تشرين الثاني/ نوڤمبر2020 تم تسجيل أكثر من 758  عملية، سقط نتيجتها 498 ضحية بين مدني وعسكري وقوات رديفة ومسلحي تسوية ووجهاء.

تغير المشهد السياسي في الجنوب السوري بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة المعادية بشدة لموسكو، ما دفعها لإعادة التفكير ببعض التفاهمات التي تمت مع الإدارة السابقة، وبدورها تل أبيب شعرت بالقلق نتيجة طريقة تفكير الإدارة الأمريكية الجديدة التي تسعى للمحاولة من جديد باحتواء إيران بالعودة للاتفاق النووي في إطار صراعها مع روسيا والصين التين تشكل لهما إيران أساس وجودهما في غرب آسيا وشاطئ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وما قد يترتب ذلك من مواقف تجاه تل أبيب تقتضي حمايتها من سياساتها المتهورة وفق نظرها، وبما يخدم أولوية بقائها قوة عظمى وحيدة في سدة العالم.

ضمن هذه الظروف المستجدة اندفعت تل أبيب نحو نشر الاضطرابات في محافظة السويداء اعتماداً على المجموعات المرتبطة بلبنان وفلسطين، وتكثيف عمليات الاغتيال في درعا، ما دفع دمشق لإرسال الفرقة الرابعة إلى المنطقة الجنوبية في محيط طفس، والدخول إلى مناطق كانت محرمة عليها وفقاً للاتفاق الروسي-الأميركي-الإسرائيلي، وباستثمار مميز لتغير الموقف الروسي من صعوبة الاتفاق مع الإدارة الجديدة وحاجتها لإيران في سوريا والعراق وأفغانستان والخليج الفارسي والبحر الأحمر وبحر العرب والقوقاز وآسيا الوسطى، وهذا ما كان له الدور الأكبر بوقوف موسكو مع مطالب دمشق بعودة سيطرتها على كل مناطق غرب درعاباتفاق جديد وبغض الطرف عن أي عمل عسكري تقوم به الفرقة الرابعة في حال لم تستجب اللجنة المركزية للمصالحة في الريف الغربي لدرعا لمطالب دمشق، وهذا ما تم التوصل إليه في النهاية بعد الاتفاق الذي عُقدفي التاسع منشهر شباط الجاري، والذي بموجبه عادت سيطرة دمشق على كامل المنطقة الغربية ووادي اليرموك والحدود الأردنية بتقدم واضح للمحور رغم تعرضه لعشرات عمليات القصف الصاروخي على مدى سنوات الحرب في سوريا.

من الطبيعي أن لا تتوقف عمليات الاغتيال الإسرائيلية في الجنوب السوري، فهي سبق أن استطاعت بناء شبكات واسعة من العملاء المدربين جيداً  بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، خاصةً بعد أن أيقنت بأن محاولاتها بإنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري وبضمانة روسية قد ذهبت مع الريح، وأن الموقف الإقليمي والدولي لا يسير لصالحها، وبنفس الوقت فإن دمشق لن تقف مكتوفة الأيدي مع حلفائها بترك الساحة للإسرائيليين، وضرورة العمل على تفكيك كل الشبكات التي تشكلت في الجنوب، وهذا بدوره يتطلب طريقة مختلفة بالتعاطي مع المنطقة وسكانها وإعادة استقطابهم لمشروع الدولة الوطنية كي يساهموا بالعمل الأمني الذي سيستمر ما بقيت فلسطين والجولان محتلتين.