في تاريخ 13 شباط 2008، ظهرت إلى العلن صورةُ قائد عسكري لم تعرف عنه دوائر الإستخبارات العالمية سوى أنه مُتقن لفن الاختفاء. كان وقعُ الصورة ثقيلاً على الجميع، صديقاً كان أم عدواً. المحبّون أيقنوا بوجود بطلهم الذي رسموه بمخيّلتهم فوجدوه بطلاً حقيقياً أنجز لهم أكثر مما كانوا يحلُمون. أما العدوّ الذي بذل جهوداً كبيرة على مدى 25 عاماً في التقصّي وغدق الأموال للحصول على دليل يُشير إليه، وقف مذهولاً أمام صورته التي أعلنت موت "الشبح" وولادة "أسطورة" فيها من الخفاء والسرّ أكثر بكثير من العلن والحقيقة. كان روبرت باير (Robert Baer) الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية واحداً منهم. لم يصدّق باير ما رأته عيناه، إنها المرة الأولى التي يُشاهد فيها من فشل بمطاردته طيلة عقد من الزمن بتكليف من الـ CIA في صورة تُوثق وجوده في زمانٍ ومكانٍ محددين: "عماد مغنية يعرض نفسه للكاميرا! هذا لا يُشبه أبداً عماد الذي أعرفه".

هي حقاً لحظة معجزة في علم المنطق، إنها لحظة اجتماع النقيضين: الصورة وعماد. الصورة أساسُ تحققها الضوء. وعماد شرط حضوره الخفاء. أن يلتقي الضوء بالخفاء في لحظة إعجازية هو تحدٍ لنا جميعاً، للصديق والعدو، لكي نعرف من هو عماد مغنية.

بعد مرور 5 سنوات على استشهاد مغنية، أصدر باير كتابه تحت عنوان The perfect kill: 21 laws for assassins. خرجت الرواية إلى العلن بعد مرورها بفيلتر الـCIA، وعليه "حُوّرت بعض الأسماء وعُدّلت التفاصيل الشخصية والسياقات الزمنية وحُذفت الخطة الرئيسية لاستهداف الحاج رضوان واستبدلت بخطط ثانوية". بحسب باير، هذا لا يهمّ كونه لا يكتب تاريخاً يستوجب منه ذكر الحقائق كما هي، إنما يسعى إلى تأليف دليل قوانين "العنف السياسي" التي أتقنها عماد مغنية وذلك عبر سرد قصة مطاردته له على مدى عقد من الزمن. اللّافت، أنّ باير لم يكن بطل روايته الذّاتية إنّما كان الطريق المختصر لسرد القصة على أن يكون بطلها الحاج رضوان. ولطالما اعترف باير في صفحات كتابه الأولى ثم كرّرها في أكثر من موضع في الرواية بأنه لم يعرف يوماً الحاج رضوان، يبدو من الشيّق أن نتعرّف إلى آليات باير في صنع صورة بطل روايته والتي بدورها تعكس الصورة الذهنية لعماد في فكر وكالة الاستخبارات الأمريكية التي تُشكّل أحد أهم اللاّعبين الأساسيين في صنع العدوّ وشرعنة استخدام القوة ضدّه.

عماد: العدو بين الحقيقة والمتخيّل

عندما يسرد الرّاوي محطّات من حياته، تتشكّل في نصّه معالم هويته ووعيه لذاته وللآخر، مما يسمح، بحسب تعبير المفكّر بول ريكور في كتابه "الذات عينها كآخر"، بـ"إظهار الغائية وراء أفعاله وإخراج الحدث من زمنيته الضيّقة الى لحظة التاريخ الرّحبة والدائمة"، بمعنى آخر وعي الذات لأهمية أفعالها وإعطائها معنىَ مما قد يضعها أمام خيارين: إما النّدم وإما الإفتخار. 

في رواية باير طرفان: الأنا هو باير، والآخر هو عماد "عدو الأنا" . ماذا يعني أن تكون عدواً، وكيف ينعكس ذلك في خطاب الأنا؟

بحسب علماء الاجتماع السياسي، العدوّ هو جزء من مُتخيّل جمعي خاص بالجماعة، يؤدي دوراً اجتماعياً وسياسياً في تمتين الهوية القومية للمجتمعات المعاصرة، انطلاقاً من مسألة أنّ الهوية تُبنى ضد "آخر".  يخضع العدوّ لعملية "الغَيرَنَة"  أي جعله مختلفاً وإحاطته باللّون الأسود وإنطاقه بلغة التّهديد القاتل. وعليه، يُقدَّم العدوّ في خطاب الدول كمنتج صناعي، فيه من مُكوّنات التخيّل أكثر من مكوّنات الواقعية والحقيقة. 

هندَسَ باير صورة "عدوه الحميم" في مسار لم يَزِغْ عنه في كامل صفحات الكتاب. وهو مسار يتّجه ضمن آليتين متوازيتين- سنأتي على تفصيلهما لاحقاً - لتحقيق غاية واحدة أشار إليها باير في معرض إيثاره بعض الحوادث التاريخية التي اتُّهم عماد في التخطيط لها بالقول: "أولاً كي أريكم قبضة الحاج رضوان علينا في بيروت، وثانياً كي أوضّح لكم لماذا اعتبرنا أنّه يستحقّ القتل". غايةُ باير تُحيلُنا سريعاً إلى عنوان كتاب "صنع العدو أو كيف تقتل عدوك بضمير مرتاح". هو كتاب فرنسي يعود للدّيبلوماسي الفرنسي بيار كونيسا الذي حاول أن يكشف لنا آليات الدّول في تشكيل صورة العدوّ كمقّدمة للحروب وشرعنة استخدام القوة ضدّه وتحويل مفهوم "استخدام القوة" الى مفهوم آخر يحوز على موافقة الرأي العام: "الحرب العادلة".

بحسب كونيسا، "صُنع العدو" هو بناء اجتماعي تقوم بتشييده مراكز التفكير الاستراتيجية سواء الرّسمية منها (وكالة الإستخبارات الأميركية مثالاً) وغير الرسمية (صنّاع رأي عام من كاتبين وإعلاميين وسينمائيين ونخبويين). وهذا البناء هو بناءٌ أسطوري يختلط فيه الواقع مع المتخيَّل وفق صيغ مركّبة ومختلفة، من خلال إعادة تدوير مواضيع تاريخية قديمة، وإنتاج ميثولوجيا جديدة. والمقصود بالميثولوجيا هو نظام معتقدات متماسك وتام يرتكز على قواعد ايديولوجية وتركيبة قاطعة، ونسبية ثقافية تُشَرْعِن المعيار المزدوج في سياسات الدول بين شرعنة استراتيجية الحليف وبين شيطنة أفعال العدوّ وصولاً إلى حدّ اختلاقها وتقديمها في خطاب يتضمّن تحليلات تصوريّة يشوبُها الغموض حول التهديدات والمخاطر.

وفي حالة روبرت باير الذي يجمع في فكره ذهنية وكالة الاستخبارات الأمريكية، وفي خطابه سردية الأدب البوليسي، وفي محاكاته الصحافيين الاستقصائيين، نحن أمام خطاب ذي أبعاد متعدّدة، بُنيَت فيه صورة عماد مغنية بإحكام ضمن إطار يقوم على تثبيت عماد بوصفه عدوا عبقرياً، واغتياله تحقيقٌ للعدالة.

عماد: المُحارب غير الشرعي

يصف عالم النفس الألماني- الأميركي إيريك إيركسون (Erik Erikson) الحرب بأنّها "تمييز جنسي مزيّف بين البشر، بحيث تعتبر جماعة أفراد مجموعة أخرى كأنها تنتمي الى جنس آخر يجب صيده وتدميره من دون رادع". عمل باير في كتابه على إبراز الفروقات بينه وبين عدوّه عماد مغنية وذلك عبر اعتماد أسلوبين، وهما يُدرجان ضمن الآليات الكلاسيكية في صناعة العدو التي ورد ذكرها في كتاب كونيسا:

. الاقصاء اللغوي: بمعنى الحطّ من قدر مغنية عبر استخدام توصيفات سلبية، نذكر منها: " العدو الحميم، أسوء القاتلين، الوغد، محور الفوضى، المتوحّش اللعين، صانع الخراب، مُنغمساً في الدماء حتّى رموشه". وهي مصطلحات تتشابه مع أدبيات الوكالة ذاتها التي توصّف مغنية بأنّه " المسؤول عن مقتل أكبر عددٍ من الأمريكيين، العدو رقم واحد، الأول على قائمة الـFBI لأبرز المطلوبين حول العالم، أسوء العقول المدبِّرة للإرهاب في حزب الله، العقل المدبر للجناح الارهابي وليس الفدائي، أكثر المسلّحين المطلوبين حول العالم".

"حول العالم؟" عبارة تضليلية يقف عندها المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي وقفة نقدية في كتابه "من يحكم العالم؟ ويسأل عن أي عالم يتحدث أهل السياسة والصحافة ووكالات الاستخبارية العالمية؟ هل قاموا باستطلاع رأي دولي وعلموا اذا كان العالم يعتبرُ إرهابياً إقدامَ مغنية على "تفجير قاعدة عسكرية أجنبية التي كانت في الأصل تستهدف المدنيين في لبنان ولا تكفّ عن دعم الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 الذي تسبّب بمقتل نحو 20 ألف شخصٍ ودمّر الجنوب بالإضافة إلى معظم مناطق بيروت"؟ تشومسكي يزيل الالتباس عن المفهوم التضليلي ويوضّح بأن المعنى الحقيقي له هو "عالم الطبقة السياسية في واشنطن ولندن" التي توظّف، بحسب أدبيات كونيسا، خطابها القائم على فكرة التهديد والإرهاب كمقدّمة للحروب لإحكام سيطرتها على الدول تحقيقاً لمصالحها الاستراتيجية الخاصة.

التمييز الثقافي:

رسم باير حدوداً فاصلة تُميّز عالمه عن عالم عماد مغنية على المستويين الاقتصادي - الاجتماعي، والأخلاقي - القيمي، عبر اتباع عدّة أساليب: من جهة عبر نفي عماد عن عالم باير الخاص به "عالم الحاج رضوان لا يمتلك الوقت لقراءة المجلات، ولا لقراءة "دورية نيويورك لمراجعة الكتب" أو التحدّث عن جوائز الأوسكار أو كتابة المدوّنات الإلكترونية عن اضطراباتهم الداخلية أو أخذ إجازةٍ على مدى عامٍ لفهم أنفسهم". ومن جهة أخرى عبر ابراز خصائص ومميزات عالم الحاج رضوان: "عالم إسودّ باطنه من جرّاء القتل والفقر، واحترقت فيه النظريات الجميلة، وذُبحت فيه المبادئ الأخلاقية على يد الحقيقة العنيفة. إنّه عالمٌ يبقى الناس فيه أحياء فقط بفضل غرائزهم الغادرة والتمسّك بما هو ضروري، وحتماً ليس من خلال رمي الأموال على المشكلة"،  فضلاً عن طريق إجراء مقارنة بين عالميهما" بينما ننامُ نحنُ في الغرب ونُفكِّر فيما خسرناه، يبقى فقراء الشيعة في لبنان مُستيقظين ويحلمون بما سوف يحصلون عليه…".

هذه المرحلة الأولية في مراحل صناعة صورة العدو تهدف بشكلٍ أساسي إلى إدراج مغنية تحت فئة "المحارب غير الشرعي"، وهي فئة ابتكرتها وكالة الاستخبارات ومراكز القرار الأميركي لتوصيف المحاربين غير المنضمّين إلى الجيوش النظامية، والذين، بحسبها، "يُمثلون دُمىً بين أيدي دول خارجية تتلاعب بهم". فيوصف عنف المحارب غير الشّرعي تجاه الجيوش النظامية غير شرعي، في حين توصفُ مواجهة الجيوش النظامية له عنفاً شرعياً تُبرر فيه كل أدوات القتل (الاغتيال مثلا)، باعتبار أنّ الحرب الدائرة هي حرب ضد الارهاب، وليست ضد دولة مما يبطل مفاعيل قوانين جنيف حول حماية "حقوق الإنسان".

عماد: المحارب الأسطوري

عند الوكالات الاستخبارية الأمريكية والموساد الاسرائيلي قاعدة مشتركة تقول بأنّ عند العجز عن معرفة العدوّ على مستوى التخطيط والتفكير وحتى في مكان تواجده، تقوم الجهة المعادية له بربط اسمه بتنفيذ مخططات وأفعال ليست مرتبطة به في الواقع، ولكن هذا الفهم يتحوّل الى واقع. يُسمّي الموساد الاسرائيلي هذه العملية بـ "شيطنة التهديد" (جاء ذلك على لسان  رئيس هيئة أركان العدو الاسرائيلي السابق آمون ليبكين في وثائقي "عوفدا") وأما كونيسا يسمّيها بلغته الناقمة على ممارسات وكالات الاستخبارات بـ"ميثولوجيا المعرفة التي تجمع بين الأساطير والأكاذيب والمعلومات المزيّفة". في كتابه، توقّف باير على بعض الإتهامات التي وجّهتها وكالة الاستخبارات إلى مغنية بتخطيطه بعض العمليات، وهي عمليات غالباً ما تكون "مبهرة، ومغيّرة للتاريخ، وتكثر فيها الأسئلة وتندر فيها الإجابات"، متسائلاً عن مدى واقعيتها ما دامت الإتهامات في دائرة "إشاعات سهلة التصديق ولكنها صعبة الاثبات".

يبدو واضحاً لقارئ كتب باير والمتابع لتصريحاته مدى إعجابه بشخصية الحاج رضوان. إلى جانب المصطلحات السلبية التي تعمل على شيطنة العدوّ وتجريده من الأخلاق والإنسانية، اتّجه باير إلى إبراز مهارات عماد في ما يسمّيه بـ"العنف الموجّه والدقيق" باعتبار الكتاب "رحلة شخصية مرّت عبر العنف السياسي وليس التاريخ"، فأطلق على مغنية التوصيفات التالية: "مُهندس الاغتيال السياسي؛ أفضل رجال التكتيك في التاريخ؛ أتقن فن الرقصة الحميمة بين السياسة والقتل؛ جَمَعَ بين الّتطبيق المحكَم لعنصر المفاجأة والسرعة والدقّة رامياً أعداءه في دوامةٍ من الاضطراب والانسحاب؛ فهم آليات العنف الدقيقة أكثر من الجميع؛ يتجاهل الرجل بحكمةٍ الأهداف غير المهمة ويتوجّه نحو فريسة جديرة بالاهتمام؛ كان مُصراً على إبراز القوة في جميع أنحاء العالم، مُطبّقاً التكتيكات والتكنولوجيا التي تعلّمها في لبنان؛ من خلال توجيه قناة العنف، حصل الحاج رضوان على أكثر ممّا حازه أغلب القتلة".

وفي المكان الذي يصلُ فيه باير إلى حدّ المغالاة في توصيف قدرات الحاج رضوان، يبرّر لنفسه ولاتهامات الوكالة الموجّهة إلى مغنية بقاعدة شبيهة بعملية "شيطنة التهديد"،  قائلاً" حينما توزن حياتك بانتظار قاتلٍ ناجحٍ وماهرٍ للغاية ليأتي ويحتزّ عنقك، فإنّك تميلُ إلى نسب قوىً شبه إلهية إليه". ومع مغنية المُسمّى في أوساط الصحفيين الأمريكيين بـ"أب الدخان" لسرعة انسحابه بعد تنفيذه الماهر للعملية، أخذت تلك الفلسفة بعداً رمزياً نظراً لميزة الحاج رضوان في اتقان فنّ الإختفاء، فشُبّه برموز تحمل دلالات التخفي كفراشة Gonepteryx rhamni التي لا يُمكن تمييز لونها أو نقوشها عن الطبيعة المحيطة بها؛ والثعلب الحقيقي الذي يستطيع الوصول الى أي مكان وإلى أي شخص فضلاً عن صعوبة تعقّبه وإلقاء القبض عليه.  إلى ذلك،  شبّه باير مغنية بشخصيات تاريخية كالنبي موسى (عند خسارة حزب الله لمغنية كانت بمثابة خسارة اليهود النبي موسى خلال عبورهم البحر الأحمر) والإسكندر المقدوني في قوّته ويوليوس القيصر في براعته وحنكته السياسية والعسكرية، وكذلك جورج واشنطن والقديس فرانسيس مجتمعين في رجل واحد.

باغتيال مغنية، خسر روبرت باير فرصة الالتقاء بعدوّه الذي عجز عن التعرّف عليه. كان يرغب جداً بمعرفة آرائه السياسية حول الولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، و"اسرائيل" ومستقبل الشرق الأوسط. كان باير يتمنى أن يكون "ذبابة على حائط" ليجد كيف يقرأ عماد التقارير الإخبارية الصادرة عن مكافحة أمريكا للإرهاب، ربما كانت بنظرة دنيئة كما كان يعتقد باير.

ختاماً، وبعيداً عن معضلة الخفاء وأسطرتها في الرواية الغربية، ننقلُ إليكم مشهداً من يوميات عماد على لسان أحد المجاهدين:

"في لحظة وصولي إلى نقطة الإلتقاء مع الحاج عماد في منطقة النبطية، وجدتُه ينتظرني على قارعة الطريق العام، مكشوفَ الوجه، بلباسه المدنيّ المتواضع، يأكل الحمص الأخضر، المعروف عند اللّبنانيين باسم "إم قليبانة". وإلى جانبه بائع جنوبيٌّ ينادي "ام قليبانة، خَضْرَة ومَلْيانِة"... ركب الحاج عماد السيارة، والمجاهد ينظر إليه مدهوشاً، والعدوّ على بعد أمتار منه يجهّز خطة تصفيته لتنفيذها متى ما ترصدُه عينُ القاتل!".