يعتبر عقد الامتياز من  طرق إدارة المرافق العامة، حيث تلجأ الإدارات العامة إلى إسناد إدارة أحد مرافقها إلى شخص آخر؛ على أن يتم ذلك على نفقة الأخير وبأمواله، وللملتزم حقوق تتمثل في الحقوق المالية المحصلة من المنتفعين بالخدمات، والتعويض عن الأضرار التي تلحق به من تصرفات الإدارة مانحة الامتياز، كما له أيضاً حق الحفاظ على التوازن المالي للالتزام. بالمقابل للإدارة مانحة الامتياز حقوق تتمثل في الإشراف، والمتابعة وتعديل الالتزام بارادتها المنفردة مراعاة للمصلحة العامة، ولها أيضاً حق توقيع الجزاءات كالغرامات والفسخ من جانب واحد.
قانونياً كُرّست الامتيازات في المادة 89 من الدستور، فأصبحت تتمتع بوضع قانوني. وبالرغم من أنها محكوم بفترة زمنية معينة، إلا أنها فترة طويلة. وبحسب العقود التي تنظم عمل الامتيازات فهي قد تمتد إلى نحو 75 سنة، على أن تحصل الدولة على كل الإنشاءات والتجهيزات في نهاية المدّة. ويجب التمييز بين عقد الالتزام الذي يَعهد بواسطته شخص عام إلى متعهد معين تنفيذ شغل عام مقابل مبلغ معين، وبين الامتياز، ففي الطريقة الأولى تبقى الإدارة هي التي تدفع المال، في حين يُعطى الملتزم في الثانية حق قبض العائدات من المستفيدين من المنشأة العامة.

وتعود امتيازات القطاع الكهربائي إلى مطالع القرن العشرين، أواخر عهد السلطنة العثمانية، وما تلاها من مرحلتي، الانتداب الفرنسي ثم الاستقلال، حيث منحت السلطات القائمة رجالها المحظيين والمقربين من الانتداب حقوق الاستثمار الحصرية في إنشاء وبيع خدمات يفترض أن تكون خدمات عامة، لا سيما في مجال النقل المشترك والمياه والكهرباء. وبحسب الدولية للمعلومات منحت السلطة العثمانية سليم أفندي عام 1907، امتياز إنشاء واستثمار شبكة نقل بالقطار الكهربائي في بيروت، فأنشأ معملاً بخارياً بقدرة 240 ميغاواط، ثم حصل رزق الله خضرا على امتياز لاستثمار مياه نهر إبراهيم في الري وإنتاج الطاقة الكهربائية، وتمكن الاب يعقوب الرياشي كاهن الرهبانية الباسيلية الشويرية- بعد مراسلة الاستانة عام 1907 من الحصول على الفرمان "الشاهيني" بامتياز حدد بسبعين عاماً للاسستفادة من توليد الكهرباء عبر نهر البردوني القريب من زحلة، وفي عام 1920 بدأ تنفيذ المشروع  لتأمين الاحتياجات الكهربائية لقسم من منطقة البقاع الأوسـط الـذي يضم مدينة زحـلة وستة عشرة بلدية.

وفي  25 نيسان/ أبريل سنة 1969 وقّعت مؤسسة كهرباء لبنان وشركة كهرباء زحـلة - التي أدارت الامتياز القديم (الممنوح بموجب قانون مؤسسة كهرباء لبنان المؤسس) عقداً ينص على عـدم قيام شركة كهرباء زحلة بتوسيع قدراتها الانتاجية في معاملها الحرارية، وكذلـك وقف هذه المعامل عن الإنتاج لمدة خمسة أشهر في السنة نسبة لوجود فائض في إنتاج الطاقـة الكهربائية لـدى مؤسـسة كهرباء لبنان والتي تعهدت بدورها بتزويد شركة كهرباء زحـلة بكامل احتياجاتها على مدار الساعة. لاحقًا وفي منتصف السبعينيات توقفت المعامل الحرارية التابعـة لشركـة كهرباء زحلة عن العمل بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء الحرب اللبنانية.

مع بداية التسعينيات، انتهت مدة الامتياز لشركة كهرباء زحلة فقامت الدولة بتجديد الامتياز واحتساب "فترة تعويض سنين الحرب"، بعد أن حددت تكلفة الكيلو المباع بـ75 ليرة، إلا أن شركة كهرباء زحلة رفضت التسعيرة، وتقدمت بطعن لدى مجلس شورى الدولة، تم قبوله سنة 2005 عندما اتخذ مجلس الوزراء قراراً بجعل تسعيرة شركة كهرباء زحلة 50 ليرة للكيلوواط بينما يبلغ سعر كلفة إنتاج كيلواط ساعة على مؤسسة كهرباء لبنان 255 ليرة على سعر صرف 1500، فيما سعر المبيع للعموم (سواء كان من مؤسسة الكهرباء مباشرة أو عبر امتيازات محددة يكاد يبلغ 127 ليرة تقريباً)، أي أن شركة كهرباء زحلة تتقاضى عن كل كيلوواط ساعة 127 ليرة بينما لا تتجاوز كلفة الكيلواط ساعة على كل امتياز في حدّها الأقصى 80 ليرة ( 50 ليرة تدفع للدولة و30 ليرة مجموع الاكلاف) أي أن معدل ربح شركة كهرباء زحلة يبلغ ما يقارب 50 ليرة لكل كيلوواط ساعة، يُضاف إليه الأرباح الناتجة عن بيع الطاقة من المولدات، والبالغة 60 ميغا واط بنسبة 37% من مجمل الطاقة عبر العقد الغير علني المبرم مع المقاول البريطاني.

ومع انتهاء الامتياز عام 2018 وتحت الضغط الشعبي استفادت شركة كهرباء زحلة الاستمرار في العمل وفق صيغة شبيهة بمقدمي الخدمات، مستفيدة من الوضع السياسي الذي أسداه نواب المنطقة المجددين للاتفاق مع المهندس أسعد نكد لأهداف شعبوية في ظل غياب رؤية واضحة وخطّة للتعاطي مع أزمة الكهرباء. هكذا تم اقرار القانون 107/2018 مع زيادة  سعر الكيلو إلى 88.1 ليرة والزام شركة زحلة بتركيب عدّادين لحساب الطاقة، عداد مخصص لشركة كهرباء لبنان، والآخر للطاقة المولدة من شركة زحلة بعد اشتراط النائب ميشال الضاهر ذلك، على أن يتم اصدار فاتوريتين منفصلتين واحدة بإسم كهرباء لبنان بدل الطاقة الموردة من الدولة والآخرى باسم كهرباء زحلة بدل الطاقة الموردة من المولدات. وعمدت كهرباء زحلة زيادة تعرفة 15،000 ل.ل. على كل فاتورة مولدات  فارتفعت ربحية الشركة التي تقدر بـ6 ملايين دولار سنوياً على سعر صرف 1500، حوالي ثلاثة ملايين دولار عام 2019!.

يفيد مصدر مطلع في وزارة الطاقة إلى العديد من التجاوزات التي تعمد اليها شركة كهرباء زحلة، إن بهدف زيادة ربحيتها أو بهدف إغراء المستفدين لتحصيل رضاهم على حساب الدولة،  فعلى سبيل المثال تعمد شركة زحلة لتحفيض سعر الكيلوواط ساعة الموردة من المولدات الخاصة بها بفارق بسيط عن تسعيرة وزارة الاقتصاد في هدف استرضاء المستفيدين وبالتالي للاستفادة من ضغطهم فيما بعد، كما حصل في كانون الأول 2019 عند انتهاء سنتيَ التشغيل، فبادرت كل القوى والجهات الدينية والحزبية والشعبية بمطالبة النواب لتمديد عقد الامتياز مرة جديدة، وتم تمرير التمديد من دون أي ضجيج في 21 كانون الأول 2020، علماّ أن أحداً لم يهتم لمخالفة شركة زحلة لعقود الاتفاق، ويعبر مرجع سياسي رفيع عن سبب عدم الاسترداد بالقول: "في قبة باط مسيحية غير طبيعية على الموضوع والمسألة تشريع لاستثناء قائم".

ومع ذلك، وطيلة هذه السنوات، لم تلتزم المؤسسة بأهم بنود عقد التشغيل، إذ لم يتجاوز عدد العدادات المركبة الـ10000 عداد من أصل 70000 مشترك. فيما تحتسب الفواتير مع عداد واحد على أساس النسبة التقديرية الشهرية لا الاستهلاك الفعلي، مع العلم أن شركة زحلة  تستطيع أن تحدد بدقة كمية الاستهلاك عن طريق عداداتها الخاصة التي تحاسب على أساسها الدولة، وبالتالي تستطيع الاحتساب الدقيق للفواتير دون تحميل المستفيد عبأ كلفة الكيلوواط ساعة من المولدات والتي تفوق كلفة الكيلو من كهرباء لبنان بحدود 370 ل.ل.، إذ تجري العادة أن يستهلك المستفيد الكمية الأعلى من الطاقة في أوقات التغذية عبر كهرباء الدولة لأنها أوفر، ويستهلك بالقدر الأدنى في أوقات التغذية عبر المولدات.

ومن الأمور المستهجنة أن شركة زحلة تستخدم - من دون وجه حق، أو بدل يُدفع للدولة - البنية التحتية العامة من أعمدة وكابلات ومحطات لتوصيل كهرباء المولدات في حين أن كل اصحاب المولدات يلجأون إلى توريد وتركيب شبكات خاصة ويُمنعون من استخدام الشبكات العامة. ويلفت المصدر أن المدير العام للشركة السيد أسعد نكد، كان قد شجع المصانع على تركيب ألواح الطاقة الشمسية لتوليد الطاقة الكهربائية وبيعها للدولة عبر عداد ذكي (بحيث يتم شركها على شبكة التوزيع ليقوم العداد بتسجيل كمية الطاقة الكهروضوئية وطرحها من كمية الطاقة المستهلكة من كهرباء لبنان) من دون أن يستحصل على اتفاق مع الدولة يخوله القيام بذلك، فيما يُمنع أبناء المناطق الأخرى من اعتماد هذه الطريقة، وهذا يتنافى مع مبدأ المساواة في التعاطي مع أبناء البلد الواحد كما يؤكد المصدر، وبعد إقرار الدولة لرسم التأهيل المضاف على الفاتورة (10000 ل.ل.) لم تمتثل الشركة للقرار ولم تأخذه من المستفيد، أو تدفعه للدولة لما يقارب 12 عام.

ويذكر "المصدر" غياب "قطع الحساب" بين الدولة اللبنانية وشركة كهرباء زحلة عما يزيد عن 15 عاماً - تم الاتفاق أخيراً على إجراء القطع خلال الأشهر الثلاثة القادمة - ويشمل قطع الحساب مجموع التكاليف التي تدفعها الشركة بدل كل التجهيزات التي لم يمضِ على شرائها أو تركيبها 10 أعوام، بالإضافة إلى الرواتب والأجور، سعر الكيلوواط ساعة للدولة وأكلاف الصيانة، ويشمل مجموع واردات الشركة من الجبايات المتعلقة بالقسم المورد من كهرباء الدولة. يتعجب "المصدر" من كمية الحملات الإعلانية والترويجية التي تقوم بها شركة كهرباء زحلة في حين أنها المخوّل الوحيد في تقديم الطاقة الكهربائية ضمن منطقة الامتياز ولا يوجد أي منافس لها، فيما تتفآخر الشركة بتغذية الاحتفالات والمناسبات الدينية والعامة بالطاقة الكهربائية، إلا أنها تتناسى عمداً أنها تُدخل هذه الاكلاف ضمن التكاليف المضخمة المقدمة للدولة لاخفاء الربح الحقيقي، فالدولة ضامنة للخسارة في عقد الامتياز.

في المقابل يشيد "المصدر" المطلع على حسن سير الأعمال داخل الشركة، من ضبط قوي وفعال. فنسبة الجباية تبلغ 100% من دون أي تأخير أو تراكم، ولا تزيد نسبة الخسائر الفنية عن الـ5% مع صفر "خسائر غير فنية" نتيجة المراقبة الفعالة، في حين لا تتجاوز نسبة الجباية لدى شركة كهرباء لبنان الـ50%، مع 16.5% هدر فني، و21% هدر غير فني مع عدم قدرة المشغلّين على إزالتها.

وعند سؤالنا عن تجارب شبيهة تؤمن طاقة كهربائية 24/24، يفيدنا بأن العديد من البلديات الجنوبية، كانت قد لجأت إلى حصر بيع الكهرباء عبر مولدات القرى نفسها، مع تركيبها عدادات لكل المستفيدين، بحيث لا يتجاوز معدل فواتير الاشتراك 50،000 ل.ل. أي أقل بكثير مما يدفعه المواطن في زحلة، ومع ضمان خدمة جيدة وصيانة مستمرة من دون احتكار من قبل شخص أو شركة خاصة.

كان من المفترض أن تُلغى جميع الامتيازات عام 1964، عند إنشاء مؤسسة "مصلحة كهرباء لبنان" ويحصر بها توليد، نقل وتوزيع الطاقة. لكن خمسة امتيازات ظلت عصية على الدولة: زحلة، قاديشا، بحمدون، عاليه، وجبيل. استردت فيما بعد شركة عاليه وتم شراء امتياز قاديشا. هذه الامتيازات تعود بربح صافي على الشركات الخاصة وتحمل الدولة أعباء إضافية تبلغ ملايين الدولارات طيلة أعوام الامتياز، إلا أن خوف المواطن الدائم من تجربة كهرباء لبنان السيئة، ومن مافيات احتكار المولدات، يدفعهم أكثر للتمسك والدفاع عن هذه الامتيازات، مع علمهم انه بوجود دولة قادرة وقوية يمكنهم الحصول على خدمة أفضل، وسعر أقل، مع سؤالٍ يومي عما ستؤول إليه الامور بعد رفع الدعم!.