"هذه وثائق قديمة، يغطيها التراب، وتملؤها الثعابين والعقارب" هذا ما قاله محمد حسنين هيكل عن وثائق مجلس قيادة الثورة التي كانت في حوزته وحكره، بعد أن وعد الجمعية المصرية للدراسات التاريخية مرة بعد مرة بمشاركة أرشيفه الخاص مع مكتبتها من أجل إتاحتها للباحثين. بالطبع انتهت هذه الوعود بمماطلة بلا جدوى. لقد حصل هيكل على هذه الوثائق بشكل شخصي وخاص، وقد كان أحد الفاعلين في الفترة الزمنية التي تناقشها هذه الوثائق على كل حال، فليس غريباً أن. هذا النوع من الاحتكار تجدد الآن مع كثير من المؤرخين المصريين الذين لم يسعدهم طالعهم بالحصول على تصريح للاطلاع على مخطوطات ووثائق أبحاثهم. التصاريح نفسها التي يحصل عليها بعض الباحثين المصريين والأجانب، والإسرائيليين أيضا، بمنتهى البساطة، بعلاقاتهم في بلدانهم أو في بلدنا، أو ببعض الأكاديميين الذين يقودون كوميونات احتكار الوثائق وحصرها في دوائر طلابهم أو معارفهم.

الكثير من الباحثين المصريين الآن يتشكّون من عدم جدية المؤرخين المصريين المعاصرين وضعفهم المنهجي وغياب مشاركاتهم في الدوريات العلمية الجادة. مقارنة، مثلا، بالمدرسة المغربية. ولعله من المفيد أولاً أن استبشر بإنجازات المؤرخين من دول المغرب العربي، الذين تحمل أعمالهم تطلعات نقدية تنتشر عبر أرجاء العالم العربي: في أعمال محمد الطاهر المنصوري ومحمد حبيدة وخالد طحطح والهادي التيمومي، وغيرهم من بلدان وأجيال مختلفة، خصوصاً أن أعمالهم كثيراً ما تركز على جوانب نظرية في أنثروبولوجيا وفلسفة التاريخ، الأمر الذي فُقِد لدى المؤرخين المشارقة منذ الطفرة ما بعد القومية التي حققتها أعمال رؤوف عباس ونيللي حنا، ومن قبلهم علماء اجتماع مثل حنا بطاطو وفالح عبد الجبار وغيرهم.

بالفعل، لا تخلو الكتابة التاريخية المصرية المعاصرة من أمراض تشوب المناخ الأكاديمي المصري بأكمله: خصوصا إذا ما أتينا إلى القدرة على النظر المنهجي أو النقدي. صحيح أن مدرسة رؤوف عبس ونيللي حنا مازالت مثمرة في أعمال طلابهم الأقل شهرة خارج المجال الأكاديمي- مثل حسام عبد المعطي ومجدي جرجس وناصر إبراهيم وغيرهم، وصحيح أن هناك اجتهادات نظرية لا يجب أن تسقط من الحسبان: على سبيل المثال، ما يقدمه خالد فهمي، وبعض طلابه، من اجتهادات ما بعد بنيوية، خصوصاً في دراسات القرن التاسع عشر. لكن هذه الاجتهادات لا توفي الشيء الكثير مما يحتاجه القارئ، او ما يحتاجه الحقل من تطوير، أو لتجيب بمفردها عما يطرحه الحاضر من أسئلة حول الماضي، الذي نحيا آثاره إلى الآن

 

عِلمُ يأكلُ نفسه:

السؤال ههنا: ما الذي يتحكم ويؤثر في التطور المنهجي لدى الدارسين في الحقل التاريخي، وما الذي يدفع إلى تكوين جماعة علمية قادرة على صك منهجها الخاص؟ عادة ما يُلقى باللائمة على اجتهاد الباحثين الشخصي، أو ضعف تكوينهم العلمي وغياب دعم مؤسساتهم العلمية وجامعاتهم. وهذه العناصر قد تكون مهمة بالتأكيد، إلا أنها غير ذات أثر في مقابل غياب الوثائق والمخطوطات التاريخية، التي تُعد، بالنسبة للتاريخ، بقيمة الحدث في مسار تطور الدراسات الاجتماعية الأخرى كالسياسة والفلسفة والقانون وغيرها. هذه العلوم لا تطور، أو تحقق قفزات منهجية إلا بتغير الأسئلة التي تُطرح عليها، فحينها فقط يُمكنها ان تُعيد النظر في مناهجها إذا لم تجد ما يشفي غليل السؤال.

ولعله من المهم هنا أن نتذكر مثالاً تأريخياً ما زال يزدهر بين أيدينا وهو مدرسة المؤرخين الجدد الإسرائيلية التي أعادت النظر في السردية القومية الصهيونية، خاصة فيما يتعلق بتأسيس الكيان الصهيوني، والسرد التاريخي الميثولوجي المرتبط بالامتداد التاريخي للوجود اليهودي في الأراضي الفلسطينية. لكن هذه الطفرة المنهجية التي قدمها هؤلاء المؤرخون لم تكن لتحدث إلا بالكشف عن كم كبير من الوثائق من الأرشيف الصهيوني الرسمي نفسه، ومن بعض الأرشيفات الأمريكية والبريطانية أيضاً، الأمر الذي قدّم معلومات وحقائق جديدة أوقعت السرديات التاريخية الصهيونية القومية محل إحراج وشك، مما استدعى اللجوء إلى أدوات منهجية مستفادة من مناهج التفكيك والجينيالوجيا والهرمنيوطيقا وما بعد البنيوية ودراسات ما بعد الاستعمار من أجل تقديم سرد جديد، قام بالأساس على نقد الرواية القومية الرسمية، وقدّم أعمالاً ما تزال تثمر ويُحتفى بها.

ما الذي يحدث إذن في مسار تطور علم التاريخ إن لم يحظ بمادة جديدة تعيد عليه الرغبة في مساءلة مُسلماته وسردياته ومناهجه؟ إن الواقع الذي نراه يُخبر أن العلم كائن حيّ لا يكف عن الحركة، وإن لم يتغذى بوقائع جديدة تون مادة لطاقة هضمه. إن إغلاق الأرشيفات التاريخية أمام الباحثين، أو احتكارها سياسياً لا يؤدي فقط لتجميد حركة العلم ومنعه من التطور، مما يؤدي بالطبع إلى الضعف المنهجي. لقد اعتادت الرسائل العلمية الأكاديمية على مسير تراكمي، تحول مع الوقت إلى هدف من أهداف الحياة الأكاديمية برمتها. التراكم الذي يثري المعرفة التفصيلية، التي تزداد تفصيلاً مع مرور الوقت مما يوفر معرفة شاملة بكافة جوانب الموضوع التاريخي. لكن لهذا المسير التراكمي المعتاد طابع وحشي تجاه ذاته إذا ما حُرم من إمداده بالغذاء: المعلومات. يتحول هذا المسير التراكمي المذكور، بدلاً من السير في خط صاعد، إلى شكل دائري على طريقة الحَيّة التي تأكل ذيلها، وتتحول ميزته الأهم: التفصيل التراكمي، إلى تفتيت دائب لكافة ما تم إنتاجه في مساره التراكمي السابق، ولا يكف عن ذلك حتى يصل إلى حد السخافة وتحتال منتجاته إلى قنابل سوريالية تُفجر نفسها بنفسها بمجرد أن ترى نور الولادة.