أحدث إيلون ماسك، مؤسس ورئيس شركتي Space X و Tesla، ضجة إعلامية نهاية الشهر الماضي بإعلانه عن تقديم جائزة ماليّة بقيمة 100 مليون دولار لمن يقدّم أفضل مشروع للقبض على الكربون وتخزينه (Carbon Capture and Storage).

لم يكن نوع الإعلان مفاجئاً، إذ يشتهر ماسك بإنفاقه أموالاً طائلة للبحث في مجالات لطالما عُدّت خيالاً علمياً، وما لبث أن أظهر نتائجاً قد تساهم في تغيير حياة البشر. ولمن لا يعرف الرّجل، فقد ارتقى بداية هذا العام قمّة تصنيف أغنى أغنياء العالم، بعد ارتفاع كبير في قيمة أسهم شركتاه اللتان تعنيان باكتشاف الفضاء )سبيس إكس) وانتاج السيارات الكهربائية (تيسلا).

إلّا أن الملفت ما طرحه ماسك من معضلة، حيث يختبئ وراء الطرح إتّجاه رجل الأعمال والأبحاث الأشهر نحو مجال مختلف، مرتبط بمواجهة التغيّر المناخي : تقنيّة القبض على الكربون وتخزينه.

 

التغّير المناخي:

يرتبط مفهوم انبعاثات الكربون هنا ليس بغاز ثاني اوكسيد الكربون فحسب، بل بجميع غازات الاحتباس الحراري بالتكافؤ مع غاز ثاني اوكسيد الكربون (أي بحساب كمية غازات CO2, CH4, N2O, O3, CFC وHFC بما تعادله من كمية غاز ثاني اوكسيد الكربون)، المسبّب الرئيسي للاحتباس الحراري وبالتالي التغيّر المناخي (أي ارتفاع حرارة سطح الكرة الأرضية).

بكلمات مبسّطة يوضح العلم : يزداد العالم احتباساً حرارياً وسخونةً بشكل خطر، الإنسان سبب ذلك، فشل الإنسان في مواجهة هذا الاحتباس سيؤثّر عميقاً في مستقبل الأرض.

يؤثر وجود كمية كبيرة من انبعاثات الكربون بشكل مباشر. حيث يساعد على حبس حرارة أشعة الشمس بنسبة أعلى من الغازات الأخرى. كمثل ارتفاع سخونة سطح سيارة سوداء اللون في يوم مشمس، لحرارة أعلى من سطح سيارة أخرى بيضاء اللّون ! فكلّما ازدادت نسبة الغازات "القاتمة" أي انبعاثات الكربون، كلّما احتبست في المقابل الحرارة المتأتّية من الأشعة الشمسية وارتفعت بالتالي حرارة سطح الأرض.

ولا يسعنا الخوض مطوّلاً هنا في لائحة الأمثلة والأدلّة على تأثير الاحتباس الحراري، حيث يمكن الاكتفاء بحقيقة أنّ حرارة الأرض قد ارتفعت بمعدّل 1.1 درجة مئويّة خلال القرن الماضي، بفعل انطلاق الثورة الصناعية، وقد تضاعف معدل ارتفاعها خلال العقود الأخيرة بشكل كبير، حيث سُجّلت سنتي 2016 و2020 كأكثر سنتين حراريتين في التاريخ! ممّا دفع دول "العالم الأوّل" إلى عقد سلسلة اجتماعات تمخّض عنها اتفاقيات دوليّة كان آخرها اتفاق باريس للمناخ عام 2015 القاضي باتباع خارطة طريق لتفادي ارتفاع حرارة الأرض ما أمكن (2 درجة مئويّة كحد أقصى نسبة لما قبل الثورة الصناعية).

هنا بالذات، تفادياً لجميع تبعات الاحتباس الحراري، تكمن أهميّة الحد من ارتفاع نسبة انبعاثات الكربون في غلافنا الجويّ.

 

القبض على الكربون:

لا يُعدّ ما روّج له ماسك، القبض على الكربون، طريقة مستحدثة، بل تعود أولى استخداماتها لأوائل القرن الماضي مع بدء التنقيب عن الغاز الطبيعي، حيث استُخدمت بغية تفريق الغازات النافعة عن الأخرى الملوِّثة.

وفي سبعينيات القرن، تطوّر استخدامها بحيث استُعمل غاز الكربون عبر إعادة ضخّه في الآبار النفطية لرفع نسبة الإنتاج النفطي أو الكمية المستخرجة.

ومع بداية القرن الجديد، بدأ طرح مسألة القبض على الكربون وتخزينه كتقنية للحد من تأثيره المناخيّ. ذلك عبر دفنه في آبار جوفيّة، او في اعادة استخدامه في مجالات عديدة انطلاقاً من الصيدلة والكيمياء وليس انتهاءاً بالإطفاء والتبريد الغذائي.

عام 2011، صُنّفت هذه التقنية كثالث أفضل حل لمشكلة البيئة، في مؤتمر التغيّر المناخي في جنوب أفريقيا، بعد أسلوبيّ تعزيز الانتاجية (أي إنتاج طاقة أكثر لكميّة كربون مماثلة أو أقل) واستخدام الطاقات البديلة الخضراء، بهدف الحد من انتاج الكربون من المصدر.

بالإضافة لما ذكرنا من قبض خلال عملية استخراج النفط والغاز، تنقسم أهم تقنيات القبض على الكربون الحالية إلى ثلاثٍ أساسية، تُركّز على عملية الاحتراق في المعامل الحرارية:

  • القبض ما بعد الاحتراق: وذلك باستخدام مواد كيميائية نيتروجينية تتفاعل مع الغاز المنبعث لتحييده وتخزينه. رغم كونها التقنية الأكثر شيوعاً اليوم، إلّا أنها، رغم الأبحاث المستمرة الساعية لتحسين انتاجيتها، تبقى مكلفة وغير مجدية تماماً.
  • القبض خلال عملية الاحتراق: وذلك باستبدال الهواء الضروري لعملية الاحتراق، بالأوكسيجين النقي، ممّا يتطلب طاقة أقل لعملية الاحتراق، وبالتالي تكلفة أقل، وكذلك يسهم في التقليل من كثافة الغازات المنبعثة وعلى رأسها الكربون.

لا تزال هذه التقنية قيد التطوير ويجري استخدامها بشكل تجريبي للمرة الأولى من قبل شركة دونغ فانغ الصينية في مجال انتاج الكهرباء.

  • القبض قبل الاحتراق: تشتمل على استخدام الهيدروجين لتوليد الطاقة الحرارية. الا انّ انتاج الهيدروجين يتطلب تجزئة الغازات المنبعثة مسبقاً (Syngas أو غاز الاصطناع) ومنها أول اوكسيد الكربون. هذه العملية ينتج عنها الكربون بهدف استخدامه في مجالات عديدة كما ذكرنا، والهيدروجين بهدف احراقه بشكل "نظيف" لانتاج الطاقة.

 

تخزين الكربون:

أما الشق الثاني من العملية، فهو تخزين الكربون المقبوض. وتجري عملية التخزين إما في مستوعبات خاصة بهدف إعادة استخدامه، أو في جوف الأرض، وتحديداً في مستوعبات النفط والغاز بعد إغلاقها.

حيث أن ظروف الحرارة والضغط في جوف الأرض تمكّن من تقليص حجم الغاز وتكثيفه دون الحاجة إلى كلفة إضافية كما هو الحال فوق سطح الأرض.

لكن تصطدم عملية التخزين الجوفية بعوائق لوجستية شتى أهمها خطر الضغط والانفجار، أو التفاعل مع الأملاح الجوفية ممّا يُفرز حوامض قد تشكل خطراً على المدى البعيد. إلا أن العائق الأهم اليوم هو الرفض الشعبي للتخزين الجوفي خوفاً من خطورته، ممّا عرقل العديد من المشاريع في الدول المتقدمة.

رغم مرور أكثر من عقدين من الزّمن على محاولة سبر الأبحاث العلمية لغور مسألة القبض على الكربون، لا تزال الأرقام هزيلة أمام الهدف المنشود. إذ تُقبض وتُخزّن اليوم 30 مليون طنّاً من الكربون سنوياً، وهي نسبة ضئيلة جداً من الهدف المحدّد في اتفاقية باريس الأخيرة: 120 مليار طن بغضون 2050!.

في حين يكاد يكون استحالة، بالمُعطى الحالي، تفادي ارتفاع حرارة الأرض وفقاً لاتفاقية باريس، يُفسَّر إعلان ايلون ماسك وما يحمله من توّجهاتٍ جديدة بأنّه قرع لناقوس الخطر وإضفاء جرعة أمل - في الوقت ذاته - في عالم يعيش حالة إنكار بالرغم من بدء تكشّف عوارض الاحتباس الحراري ما ظهر منها، من أوبئة وحرائق وجفاف وتغيّر مناخي، وما بطن.