في شباط/ فبراير من سنة 1922 احتشد أكثر من الألف من الريفيين البحارنة أمام دار المعتمد البريطاني، محتجين على أوضاعهم المعيشية ومطالبين بالمساواة الضريبية مع نظرائهم من أبناء القبائل من سكان الحواضر. حاول "المايجور" دالي تهدئتهم وفض تجمعهم بيد أنه فشل فاضطر لاستدعاء شيوخ من آل خليفة للتفاهم مع المحتجين ليخلص الأمر الى تقديم المحتجين قائمة بمطالبهم من أبرزها المساواة الضريبية بين "السنة" و"الشيعة". لم يؤت احتجاج فبراير أوكله بل فاقم من حالة الاستقطاب حيث رفض شيوخ القبائل أي تنازل يؤثر على امتيازاتهم، ما دفع بالقائم بالمصالح الاستعمارية البريطانية في بوشهر الكولونيل نوكس الى زيارة البحرين في مارس من ذات العام لمحاولة فرض صيغة إصلاحات تحول دون تفجر الوضع والتي أفضت في الأخير الى عزل الشيخ عيسى بن علي وتعيين ولي عهده وابنه حمد خلفاً له عام 1923. أدخلت هذه الأحداث الريف وسكانه في مرحلة جديدة، حيث عمل البريطانيون الى إعادة تنظيم حالة الوكالة بينه وبين المشيخات الحاكمة لفرضهم لسطوته الاستعمارية مقابل امتيازات ضريبية، الأمر الذي قلص من حجم التملك الإقطاعي للعديد من الشيوخ ولينعكس ذلك على تحسن أوضاع الريفيين ولتتكون ما يمكن تسميته بالبرجوازية الريفية الصغيرة.

لا تتلخص زبدة هذه الأحداث كدليل على آلية العمل الاستعماري في التفريق والهندسة المجتمعية الطبقية والهوياتية لفرض السيطرة كما هو الحال في كل بقع الوطن العربي المستعمرة. بل إنالخطر الرئيس لهذه الهندسات هو أثرها التاريخي الذي يتراكم عبر الأجيال، ليكون ما يمكن وسمه بتبسيط شرخاً بين الريف والمدينة إلا أنه نواة لتعقيدات اجتماعية أكبر يلعب فيها عامل الانتماء الهوياتي والسياسة الطائفية - القبلية دوراً محورياً، والتي تخبو صداماتها وترتفع بشكل متلازم مع الأزمات الاقتصادية والسياسية. حيث ان البنية الاجتماعية والسياسية التي أرسى دعائمها واقع تبعية النخب القبلية الحاكمة للإنجليز منذ القرن التاسع عشر ثم مع الأمريكيين منذ القرن الماضي وحتى اليوم، هي جذر الأوضاع في الخليج اليوم دولةً ومجتمعاً.

فالشرخ التاريخي والهوة بين مركز النخب القبلية وامتيازاته وبين الريف والأطراف وما الى ذلك من تهميش على أسس هوياتية مناطقية وطائفية وقبائل أقل حظوة، واقع تجسد في مؤسسات الدولة الوطنية الخليجية مع تشيد أجهزتها البيروقراطية معاكتشاف النفط. وبناء على ذلك، وعلى الرغم مرورقرابة القرن فإن صيرورة التناقضات المجتمعية في الخليج لا زالت هي ذاتهامع الاخذ بعين الاعتبار تحويل الريوع النفطية هيئة مراكز القوى القبلية من جابية للضرائب الإقطاعية والسُّخرة الى هيئة طبقة رأسمالية كمبرادورية. ولينعكس ذلك على أجهزة الدولة حيث طورت الأذرع الأمنية والسياسية أدوات تقنية حديثة للحرص على بقاء ذات الديمومة، أي الحرص مع العلاقة مع أحد القوى الاستعمارية الغربية بالإضافة الى الحرص على عدم قلب موازين آلية توزيع الامتيازات المادية من موارد الدولة، وعدم تفكيك بنى ما قبل الدولة كالقبيلة والطائفة.

انتفاضة مهمشة في قلب المملكة

تعد انتفاضة القطيف أطول الانتفاضات الجماهيرية وأكثرها زخماً وأكثرها دموية في تاريخ المملكة السعودية. كما أن في مراجعة أسباب تهميش هذه الانتفاضة تسليط للضوء على مجمل ديناميكيات الواقع الاجتماعي والسياسي في السعودية وبل في الخليج عموماً، وبالتالي مقدرة أكبر على استشراف مستقبله.

للمفكر العربي المغربي عبدالله العروي مصطلح أسماه "أدلوجة دولوية" وهي تلك العقيدة الوجدانية والتي تشترط وفقاً للعروي قدراً معيناً من الوجدان الفكري والعاطفي بين المواطنين وهو اجماع وليد التاريخ وفي ذات الوقت تعبير عن مصلحة حالية. أي عامل الذاكرة المشتركة والإرث التاريخي الذي يلعب دور القاسم المشترك الأكبر للمجتمع، والعامل الأخر وهو المصلحة المشتركة التي تتجسد في طبيعة وآلية عمل مؤسسات الدولة وتمحورها حول خدمة الصالح العام لا المصالح الطبقية الخاصة.

بناء على ذلك، أفضت صيغة الدولة القُطرية بشكلها الوطني السعودي الى خلل بنيوي وقصور لازمفي عقدها الاجتماعي المفترض، حيثيعجز عن صنع هوية تشكل وعاءً من الممكن أن يلبي متطلبات قيمة المواطنة العادلة والمتساوية، وهو أمر تتشارك فيه دول الخليج مع باقي الدول الوطنية العربية. إلا أن الحالة المذهبية السعودية والتي شكلت الحركة الوهابية عمادها الأساس فاقمت من المشكلة، حيث عملت مؤسسات الدولة السعودية على تمكين وصناعة هوية حصرية تعتاش على اقصاء المختلف وبسردية تاريخية قائمة على تمجيد غزو الآخر. إذ تعد هذه الهوية الإفراز الطبقي لشبكات العلاقات الوشائجية والمادية ومراكمة واحتكار عوائد النفط.

عمل المضمون الوهابي المذهبي للدولة كنقيض للدور المنوط افتراضاً للدولة الحديثة كشكل من أشكال تنظيم المجتمع لذاته. وعليه، تم إقصاء المختلف عن "الجوهر" السعودي سواء أكان مذهبياً أم مناطقياً أم عرقياً -  العبيد وسكان وأهل مكة -، فمن العنصرية الطبقية على سكان جنوب السعودية بوسمهم "يمنيين"، أو تبني سكان الحجاز للهوية "الحجازية"، أو تسيس المجتمعات المنتمية لمذاهب أخرى لهوياتها المذهبية كبعض مجتمعات المنطقة الشرقية كمحافظة القطيف.

ولذلك، تلعب الخصوصية الهوياتية لمجتمعات هامش شبكات توزيع الريوع النفطية دوراً في تنظيم المجتمع لنفسه وبالتالي شكل النضال المتبنى ضد السلطة، لتنتعش الهويات الفرعية وليأخذ مثلاً طابعاً قبلياً كما في انتفاضة نجران بداية الألفية جنوباً أو التصدي ضد تشريد السكان في تبوكلإقامة مشروع ما يسمى بـ"نيوم" شمالاً، وصولاً للطابع المذهبي لانتفاضة القطيف شرقاً.

فحتى في أوج المد القومي العربي فإنه وإن حجمت الهويات المذهبية والعشائرية وأشعلت الوجدان العربي المبيّت في الجماهير إلا أنه اصطدم بالواقع الطائفي - القبلي البنيوي للدولة السعودية والعربية عموماً، وعليه أدت حقيقة عدم مأسسة هذا الوجدان الى فشله. فمن الشواهد الحسية على دور تسلط الدولة في الحرص على التجاء المجتمع للمجالات الخاصة إغلاق المكتبة العامة في القطيف خلال الخمسينات بعد تجمع منظمي الإضرابات العمالية العرب ضد شركة أرامكو فيها مما دفعهم للتجمع في الحسينيات، حيث انه ومع سطوة الدولة على المجال العام تتحول المجالات الدينية الخاصة كالمساجد إلى مراكز عمل سياسي كما شهدنا دور المنبر والمسجد خلال الانتفاضات العربية.

بناءً على هذا الواقع، تسلح جمهورانتفاضة محافظة القطيف بمخلب أدواته السياسية الأولية المتاحة من شعارات ونداءات والتياستغلتها النخبة الحاكمة لإقصاء أي امتداد وتأثير تحدثه هذه الهبة الجماهيرية على باقي الشعب. رغم محاولة المتظاهرين استمالة باقي الشعب والتضامن مع باقي المعتقلين من جميع المناطق الا أن فشل تلك الاستمالة اليائسةأدى الى تفرد السلطة قمعاً وقتلاً.

لعبت حقيقة تذيل البنية الهرمية لموارد البترودولار الدور الأساس لتحريك هذه الانتفاضة، فحتى واقع تتابع الطفرات النفطية لم يسهم سوى في ولادة برجوازية طرفية صغيرة لعبت دور الوسيط والسمسرة بين "الطوائف" و"القبائل" والطبقة الحاكمة المتسلطة على الدولة، لتتداخل مصالحها في الأخير مع السلطة مهمشةً وقامعةً الطبقات المنكوبة. في مشهد يتكرر على طول الخريطة العربية حيث افتقار لأي نموذج مواطنة تعاقدية قائمة على الواجبات والحقوق.

النخبوية الثقافية لمثقفي النفط

تتمظهر مضامين جدلية الهامش والمركز في الخليج في الإنتاج الثقافي الإصلاحي لشريحة المثقفين المرتبط وجودهم وامتيازهم ببنية الدولة بشكلها الحالي، ولا يقتصر هذا التعريف على الكتاب والمؤلفين "المطبلين" للسلطة بل حتى النماذج التي ترنو للإصلاح. فعلى مدى مئة عام اتخذت المطالبات الإصلاحية الخليجية الدستورية والبرلمانية - وإلى اليوم - منهج إعادة ترتيب آلية العلاقة بين النخب القبلية الحاكمة وشبكة التجار وملحقاتها تحت مظلة حفظ المصالح الإستراتيجية للغرب، الذي يدفع بالمساعي الإصلاحية تارة ويرعى قمعها تارة أخرى.

بتعبير آخر، لا تناقض لهذه النخب مع الصيرورة التاريخية لنشأة الدولة وهم العديد منهم ولدوا من رحم الشبكات العائلية المنتفعة منها. والأهم من ذلكأنها تتشارك مع الطبقة الحاكمة ذات الخندق الإستراتيجي والدور السياسي في الإقليم. لذلك تمسي لبعضهم أي تناقضات سياسية طرفية تهدد التوازن الحالي خطراً يجب تحجيمه وتهميشه، فإن كان من ناحية الكم شكلت انتفاضات البحرين والقطيف أقسى وأضخم النضالات الجماهيرية أما من ناحية النوع والموقع من ذلك المنظور ما لا يخولها أن تتصدر تأريخ ومراكمة النضال السياسي الشعبي في الخليج.

فحتى عمليات تضامن رفع العتبمع التحركات الطرفية بنظرة نخبوية تنطلق من أبواب "التضامنات الامتوازنة"، أي وامتداداً لتغيرات محمد بن سلمان تتم هندسة احتفاليةبالتنوع الثقافي على شكل محاصصة في تظهير الفروق في الزي والمنطقة، أو على شكل مقايضة التضامن بين الطوائف والمناطق التي وحدها مرحلياً التناقض مع ولي العهد والحاكم الفعلي. إن محض وجود هذا التضامن المتنكردليل على الأزمة الكامنة وخلل اللاتوازن الاجتماعي والاقتصادي المغروس في بنية نموذج الدولة الخليجية وعقدها الاجتماعي الراهن وموقعها ودورها الجيوسياسي ضمن الوطن العربي، وهو أمر لا يمكن تجاوزه بإصلاحات فوقية تعيد انتاج الطبقات الحاكمة دون إعادة هيكلة جذرية للبنية الطبقية ومفرزاتها.

خلاصة القول، أن الدولة العربية الوطنية في الخليج، ومنذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، هي الإفصاح المادي لعلاقة سلطة نخب قبلية مدعومة من الاستعمار البريطاني، مكنها اكتشاف النفط من التضخم وبناء دول بشكلها الحديث - بأعلام وأناشيد وطنية ومنتخبات رياضية وسردية تاريخية مهيمنة - انتقلت خلال ذلك لمظلة رعاية الولايات المتحدة الأمريكية الى اليوم، ثم لتتحول على هيئة سطوة طبقية رأسمالية ضد المهمشين. وبعيداً عن السردية المهيمنة فإن تاريخ الجماهير الشعبية المهمشة في الخليج والجزيرة العربية هو تاريخ العمال المهاجرين من كل الأقطار وتاريخ الشهيد عبد الرحيم الحويطي شمالاً، مروراً بشهداء انتفاضة القطيف ومهمشي حواري مكة وجدة والرمز الشهيد عبد الله الحامد وصولاً لمعتقلين كعيسى النخيفي وحسن المالكي جنوباً، والتي تميل بشكل ذاتي لا مواربة فيه مع فلسطين كل فلسطين بأصالة الموقف الشعبي العربي ليكونوا قلعتنا ضد مشاريع التسوية والتطبيع. ومع أفول زمن النفط نتطلع لهذا الخليج الذي نحب واليه ننتمي وعليه نراهن.