بتواضع ووقار رهيبين يسكن الرجل عند آخر الرواق، لتصل إليه عليك أن تعبر قرب جميع الشهداء كأنه امتداد لهم وهم امتداد إليه. يتحلقون من حوله كأنهم أقمار يستضيئون بنوره؛ فعن يمينه أبطال مجهولي الهوية لبني الأرض، هم شهداء مواجهات "بدر الكبرى" وعلمان - الشومرية، وعن يساره شهداء أيار المجيد الذي لم يشهده لكن طيفه يملأ أرجاؤه، كما كان جسده حاضراً في كل ميادين البطولات. أمام ضريحه ومباشرة أمام عين قلبه يسكن رفاق دربه رضوان وذو الفقار اللذان كان يكبرهما سناً ويشاركهما حباً.

هو علي حسن ديب "أبو حسن" أو كما كان يحب أن يناديه "الختيار" ياسر عرفات، "خضر"؛ الرجل الذي ما زالت هيبة حضوره تسطع في روضة الشهداء رغم تواضع ضريحه الذي لا يمكن تمييزه عن باقي أضرحة الشهداء.
"أبو حسن" ابن بلدة كونين الجنوبية، رجل قل نظيره فهو الذي عشق القضية حتى ذاب بها وأفنى فيها سني حياته، التي بدأها في رحاب المقاومة الفلسطينية قبل أن يلتحق بركب المقاومة الإسلامية.

قائد من الطراز الرفيع تشهد له كل الساحات، فهو المدافع عن بيروت أمام زحف آلة القتل الصهيونية، وهو الجسر الذي كسر كل محاولات حصار المقاومة الإسلامية والقضاء عليها، وهو سفير فلسطين حين عز الناصر، فلسطين التي حملها بقلبه حتى يوم استشهاده.

يروي لنا "أبو الفضل"، أحد الرجال الذين لازموا الشهيد وتربوا على يديه منذ البدايات، عن تواضع الرجل وحبه للمجاهدين، عن عزة نفسه وعن اخلاصه ووفائه . قصص تكاد لا تنضب، نذكر بعضاً منها علنا نعطيه بعض حقه.

فعن حبه للمجاهدين، يعود بنا صديق الشهيد لحرب نيسان 1996، حين انفجر نتيجة خطأ تقني أحد مخازن السلاح التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أثناء نقل مجاهدي المقاومة الاسلامية لبعض العتاد منه؛ استشهد وجرح عدد من المجاهدين نتيجة الانفجار ومن بين الجرحى كان هناك أحد العاملين مباشرة مع الشهيد الذي توجه شخصياً إلى المستشفى التي نقل إليها الجريح رغم الخطر الأمني وسارع لتأمين كل ما يلزم لإنقاذ حياته وتابع الاهتمام به ورعايته حتى تعافيه .
أما عن عزة نفسه ووفائه، يحدثنا صديق الشهيد عن رفضه لمبالغ طائلة من المال من قبل بعض الشخصيات أثناء توليه منصب رفيع في المقاومة الفلسطينية من أجل دفعه لفك الارتباط والتعاون بينها وبين نظيرتها الإسلامية، واستمراره بالنهج الذي يعتمده رغم تحول المغريات المالية لتهديدات شخصية.

وعن اخلاصه والتزامه بقرارات القيادة، فقد دفع الشهيد القائد ثمن بعض التباينات السياسية بين قيادتي المقاومة الإسلامية والدولة السورية، وتعرض للظلم والتعذيب في السجون، إلا أنه صبر على البلاء والتزم بعد خروجه بأوامر قيادة المقاومة ولم يتعامل مع الأمر من منطلق شخصي خاص، بل كان عشقه للقضية يعلو فوق كل اعتبار.
"أبو حسن الپلاتين" كان أحد ألقابه أيضاً، نسبة لقضبان الپلاتين التي تملأ جسده نتيجة اصاباته العديدة، كان قد التقى بعماد مغنية الشاب، وسرعان ما عينه نائباً له لشدة اعجابه به ؛ كما كان الشهيد مدرسة تتلمذ على يديها العديد من قادة المقاومة اللبنانية والفلسطينية والإسلامية ومنهم الشهيدان الأخوين محمود ونضال المجذوب اللذان كانا يعملان معه على دعم الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة.

استشهد أبو حسن في 17 تموز 1999، جراء عبوة ناسفة زرعت على طريق صيدا - عبرا بعد ست محاولات لاغتياله كان قد خطط لها العدو الصهيوني الذي كان يستشعر الخطر الناجم عن وجود الشهيد في قيادة العمل الأمني والعسكري في الداخل الفلسطيني .
الشهيد البطل الذي لم يتبدل عشقه لفلسطين كما لم يتبدل إيمانه وتواضعه طوال سنين حياته وعبر كل مراحل حياته، قال فيه السيد نصر الله أن المستغرب كان بقاء أبو حسن طوال هذه المدة على قيد الحياة وليس استشهاده، فهو لائق بالشهادة وهي لائقة به .
سيبقى أبو حسن ليثاً لعرين المقاومة، حارساً لفلسطين، وعيناً تطلع منها كل صباحات الجنوب.