لحسن الحظ أنّ الحملة على حاكم مصرف لبنان هدأت، بعد اشتعالها في كانون الثاني/يناير الماضي، نتيجة المراسلة بين القضاءين اللبناني والسويسري والتي تطرّقت إلى تحويلات بقيمة 400 مليون دولار، تخصّ سلامة وشقيقه ومساعدته ومؤسسات تابعة للمصرف المركزي، بينها شركة طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان.

وها قد حان الوقت المناسب للتفكير بشكل بارد وسليم، وإبعاد المزايدات الحزبية والسياسية، التي تطمح لتلقف أي فرصة لتقديم سلامة ككبش فداء في خضم السباق على توزيع المسؤوليات – بعد فوات الأوان – أو فلنقل رميها على الموظف الذي أثبت جدارته منذ العام 1993، والذي تعبت مؤسسة "يورو موني" من اختياره كأفضل حاكم مصرف مركزي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثم في العالم، وتسليمه جوائز عدّة من سنغافورة إلى دبي، إلى حدّ نقل بعض المقربين من سلامة عزمه في السنوات الفائتة الاعتذار عن قبول المزيد من الجوائز، بسبب تحسس زملائه الذين كأنما دعوا ليصفقوا في الاحتفال فقط.

لكن ما يجري مع سلامة هو نهج لا مجرد حادثة، فالرجل ثُبّت في مكانه ما دامت الليرة ثابتة، وحين تزحزحت عملوا على زحزحته، وهذا ما يشرح سياسة كبار الساسة هنا في لبنان؛ استغلال لحم الناجحين ثمّ رميهم عظاماً أمام الكلاب والمتظاهرين.

والمشكلة الكبرى أننا نصدّق أي جهة غربية بسذاجة، وكأن هذه المؤسسات لا تطمح للاستثمار ومهاجمة الكبار في الشعوب الأخرى بقصد حرمانهم من الطاقات البشرية الضرورية لبناء الدولة. وبدلاً من التفاف الصحافيين حول النقابة أخذوا يهاجمونها لأني النقيب عوني الكعكي جهر بكلمات صادقة.

نعم، صحيحٌ أن الكعكي زادها قليلاً، وربما تسرّع بعض الشيء في المجابهة (لا تنسوا أنه مشغول بتحرير مجلة نادين وباختيار لون البكيني في أغلفتها)، لكنّ رأيه يجب أن يأخذ باحترام، وأن نتوقف عنده قليلاً، وأن نترفّع عن بعض عواهنه، ونلتزم بالتسبيح الذي أورده كعكي في مقاله: "سبحان الله الكامل، فلا كامل إلاّ الله فقط".     

إذاً يقول نقيبنا أنّ الشوكولا والساعات السويسرية ممتازة، لكن من قال أن قضاءها كذلك؟ الكمال لله. القضاء السويسري هو العيب الأبرز في هذه الدولة الرابية من أموال المخدرات والأسلحة، بل يقال "إنّ من النادر أن تجد قاضياً سويسرياً واحداً، غير مُرتَشٍ.. وتنهال الفضائح بأن لا يذهب إنسان الى القضاء هناك"، يؤكد الكعكي.

لا جدال بأن القاضي في كل دول العالم معرضٌ للفساد، والتورّط في الظلم والابتزاز، وكما تُظهر المراسلة الموجّهة لسلامة "فإنّ هناك من ورّط القضاء السويسري، فأرسل له وثائق مزوّرة" ليدعي زوراً على الحاكم النبيل.    

لم تُعجب تصريحات الكعكي كثيرين، فبادروا إلى التشكيك والاستهزاء بكلام الرجل، غافلين عن تأييد قناة المر (MTV) لكلام النقيب، وإشارتها إلى "الواقعة المذهلة" التي صدمت القضاء اللبناني، وهي "رفع الحصانة عن المدعي العام السويسري القاضي ميشال لابور.. بسبب تهم فساد"، واستبداله بمدعٍ عامٍ بالوكالة عنه.

دعكم من مسألة فساد القضاء، فتحريك النائب السويسري فابيان مولينا للقضية لا يبدو بريئاً. فهو وفق ما يورد موقع تلفزيون المر (MTV) نائب يساري، أي إنكم إن نفضتموه لن يخرج منه سوى نظريات المؤامرة والآمال الخائبة بتحقيق البطولات. أما بشأن زيارته للبنان عام 2019، وإبداء اهتمامه بالملف المالي اللبناني، فكل ذلك لا يزال "سراً"، حسب قناة المر، مثل الكثير من الأسرار في هذا البلد كملف الانترنت والتخابر الدولي غير الشرعيين.

المنافسة بين "السويسراتين" تشتد. ومن يدري، قد يكون تهجّم قضاء سويسرا الغربية على سلامة وعائلته مدفوعاً بغيرة حاكم المصرف المركزي توماس جوردن، الذي شوهد يعضُّ شفتيه عند تسليم سلامة جائزة أفضل حاكم مصـرف مركزي في العالم للعام 2006.