كان بعض الناس يحلمون بانتخاب جو بايدن ودخوله البيت الأبيض، معتقدين أنه سيأتي بنوع من السلوكيات المتحضرة بعد ولاية دونالد ترامب العاصفة. لكن هذه كانت توقعات زائفة وغير واقعية. في الواقع، إن كلاً من بايدن وترامب هما قبل أي شيء آخر رؤساء الولايات المتحدة، ويعتمدون على نفس العناصر الأيديولوجية الملهمة، والتي تكمن وراء ما يسمى بـ"الدولة العميقة". كلاهما يحتقران بشدة فكرة "القانون الدولي"، أو ميثاق الأمم المتحدة، أو القواعد والممارسات والصياغات الدبلوماسية الأساسية. إنهم يشتركون إلى حد ما في نفس الشعار: "إجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" لدونالد ترامب و"على أمريكا أن تقود العالم مرة أخرى" فيما يتعلق بجو بايدن. ولكن، وبالنظر إلى ما شهده المجتمع الدولي على مدى العقود الثلاثة الماضية، يمكنني القول: لا يوجد مستقبل مشرق في الأفق. لا يشعر قادة الولايات المتحدة، أيا كان تمثيلهم ديمقراطياً أم جمهورياً بأنهم مهتمون بالالتزام بأي قانون عدا الدستور الأمريكي، ومازال الأمر غير مؤكد حتى الآن.

ولنتذكر أن دونالد ترامب حدد تحديين دوليين رئيسيين: الصين وروسيا - بهذا الترتيب -. الصين هي "العدو العام الأول" والخطر الرئيسي على المدى القصير والمتوسط ​​والطويل على القيادة الأمريكية اقتصادياً ومالياً وعسكرياً وسياسياً. على الجانب الآخر، بدت روسيا في خطاب ترامب وكأنها منافسة، لكنها ليست منافسة حقيقية، وهي دولة يمكن الوصول إلى تفاهمات مشتركة معها. لنتذكر أن ترامب لم ينجح طوال فترة ولايته في التخلص من الاشتباه في علاقته بموسكو والرئيس بوتين. كان ترامب يميل إلى تفضيل "التمحور نحو آسيا".

أما بايدن فقد أعلن بوضوح أن أولويته الرئيسية ستكون احتواء ما يسمى بـ"روسيا العدوانية" في كل مكان، وبالتالي العودة إلى الأساسيات القديمة للحرب الباردة (ضد الاتحاد السوفيتي). ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن خطواته الأولى فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التي تتعلق باحتواء روسيا وتهديدها في كل مكان. مع اهتمام خاص ببحر الصين الجنوبي. لكن ترتيب الأعداء يمكن أن يضع روسيا أولاً من حيث المواجهة والعداوة. يمكننا أن نكون على يقين من أن الحركات الاجتماعية التي تحصل في روسيا (حول تجارب ومغامرات نافالني) تبدو وكأنها في الواقع محاولة لبدء "ثورة ملونة". لكنني لن أراهن بدولار واحد على نجاح هذه "المؤامرة". في الحقيقة، لم تتوقف الثورات الملونة عن كونها واحدة من الملفات الدبلوماسية "المميزة" للولايات المتحدة، خلال الفترة الماضية على الأقل، كانت أميركا اللاتينية مسرح عمل هذه الثورات، حيث تم استهداف عدة دول (فنزويلا، بوليفيا، البرازيل، إلخ..)، وكذلك في أوروبا الشرقية (أوكرانيا وبيلاروسيا). على نطاق أوسع، يمكننا القول أن كل ما يسمى بـ"ثورات الربيع العربي" لم تكن سوى "ثورات ملونة". أما بالنسبة لتقرير ما إذا كان يجب اعتبار تلك "الثورات" الزائفة نوعاً من "الملفات الدبلوماسية"، فهذا بالطبع موضع خلاف.

وعلى كل حال، ففي مثل هذه الظروف، يبدو واضحاً أن أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي ستقف في طليعة التوترات المقبلة. بايدن رجل حرب قديم وخطير للغاية، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التوتر فيها مدفوعاً من قبل "الدولة العميقة".

لذا، أفترض أنه سيتم توسيع جميع عمليات الانتشار العسكرية التي من شأنها أن تزيد من التوترات في أوروبا الشرقية أو في أي مكان آخر. لم يُخفِ بايدن أنه عازم على اتخاذ كل إجراء لتحدي "الموقف العدواني" الروسي. وبالمناسبة، ستكون مناسبة لاختبار ردود الفعل الأوروبية في هذا المجال. هل سيتقبلون نوايا الولايات المتحدة وخطواتها؟. أعتقد أن الاختبار سيوجَّه إلى ألمانيا وفرنسا في البداية. إنها مسألة إعادة تشكيل التحالفات التقليدية لأمريكا مع أوروبا القديمة، والتي أسيئت معاملتها من قبل الرئيس ترامب.

لكن أوروبا لن تكون مسرح التوتر الوحيد فحسب. دعونا نتذكر أن الدول الإسلامية الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز، والتي تم دمجها مع الإمبراطورية الروسية ثم في الاتحاد السوفيتي، تنتمي هي الأخرى جيوسياسياً إلى "الحزام الإسلامي الأكبر"، الممتد من المحيط الأطلسي والشواطئ الأفريقية إلى المحيط الهادئ وشواطئ آسيا الجنوب- شرقية. عند سقوط الاتحاد السوفياتي، عادت دول وسط آسيا إلى بيئتها الثقافية والدينية والتاريخية. هذا الحزام الأخضر الإسلامي يتطابق تقريباً مع "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الذي تصوره جورج دبليو بوش، وكان المسرح الأكثر تميزاً في المواجهة بين أمريكا وروسيا بعد حروب سمك القد (مطلع السبعينيات).

بالنسبة للولايات المتحدة، تعتبر وسط آسيا المكان المفضل لتدخلاتها التقليدية، فالتدخل فيها يربط بين احتواء روسيا وزعزعة استقرارها من ناحية، وبين الدول الإسلامية من ناحية أخرى. وهي فرصة ذهبية لإبقاء تركيا متورطة في تلك الصراعات، وبالتالي توليد معارضة وتنافس بين أنقرة وموسكو، من أجل منع التقارب بينهما.

 

سوريا كساحة للتوتر في الفترة المقبلة:

في الأساس لا يوجد تواطؤ بين أمريكا وروسيا، مهما كانت الآراء المختلفة التي تم التعبير عنها حول الموضوع. وشخصياً، أعتقد أن سوريا هي الحصة المركزية والمهمة للغاية لكليهما. اكتسبت روسيا موقعاً قوياً في سوريا خلال السنوات العشر الماضية، حيث دعمت الدولة الشرعية دبلوماسياً ثم عسكرياً. بالطبع سوريا مدينة لروسيا بالكثير، لكن على روسيا ديون كبيرة لسوريا، بما أن الحالة السورية هي الملف الذي استعادت من خلاله موسكو حضورها الدولي فيه كقوة عظمى. هذا الواقع معروف بالتأكيد في الولايات المتحدة، ولن يكون لأي حكومة أمريكية مصلحة في التوصل إلى اتفاق مع روسيا حول تسوية نهائية للأزمة السورية. لكن ومع ذلك فقد يستمر اتفاق الحد الأدنى بينهما. أما حدود الاتفاق والاختلاف فهي تعتمد على الخطوط الحمراء التي رسمها البلدان. ومع ذلك ثمة نقطة يتجاهلها الكثيرون، وهي النقطة الأهم في مقاربتنا لأي إدارة أمريكية وأي رئيس. إنها مسألة العلاقات الإسرائيلية الأميركية. فبايدن بلا شك قريب جداً من اللوبيات اليهودية والصهيونية. كان ترامب صديقاً عظيماً لتل أبيب، هذا صحيح لكن بايدن هو الآخر لن يألو جهداً لجعل العمل مع تل أبيب يسير بنحو أفضل. من هذا المنطلق سيكون بايدن عدواً كاملاً، معارضاً بشدة للمصالح العربية. يعتقد الكثير من الناس ويقولون إن نائبة بايدن، كاميلا هاريس، ستلعب دوراً مهماً في عملية صنع القرار. هي سيدة قوية وذكية ومستعدة لاتخاذ القرار، لكن المشكلة الحقيقية هي أن أحداً لا يعرف بالضبط ما هي القرارات التي تبدو هاريس مستعدة لاتخاذها. في أميركا، عندما تكون السياسة الخارجية على المحك، دائماً ما يخشى الأسوأ. ومن يعِش سيرى.