واحدةٌ من أبرز علامات العبقريّة غربتُها عن زمانها. لا يُقدَّر العبقريّ حقَّ قدْره، ولا تُفهم عظمة إنجازاته، إلا في زمنٍ لاحق. لا غرابة في ذلك! فهو يُقيم في المستقبل. المستقبلُ الذي يظلُّ مستقبلاً في كلِّ حاضرٍ!

 

بعد موته:

الشطر الأبرز والأكثر حيويّة في حياه العباقرة يبدأ بعد موتهم إذاً.

عندما تناول سيغموند فرويد التحليل النفسي أكاديميّاً، فُهمت كتابات فيودور ميخائيلوفيتش على نحوٍ أفضل، وأنيرت الأعماق المظلمة للنفس البشرية التي هبط إليها في القرن الماضي كاتبٌ، وقَلَبَها في وجه أصحابها كما تُقلب الملابس المتّسخة قبل غسلها، مقدّماً إياهم إلى أنفسهم وداعياً لهم للتعرف على ذواتهم من الداخل. ولعلَّ هذا هو السبب الرئيس الذي جعله يُهاجم في الصحف بسطحية وطيش، مِن قبل الخائفين الذين لم يريدوا تجريب قراءةٍ جديدة، تخرج عن الكتابة المألوفة في ذلك الزمن. إذ كيف يمكن أن تُكتب أكثر من ألفٍ ومئتي صفحةٍ في التخطيط لجريمة قتل، ثم تنفيذها والتخفّي بعدها؟

لاحقاً، زاد واحدٌ من أعتى المنقّبين، وهو الفيلسوف الألماني فريدريتش نيتشه، على الأهمية الفائقة لدوستويفسكي باعتباره إياه أهم من قدّم جديداً يُفيد في فهم حياة البشر من الناحيتين النفسية والاجتماعية.

ليس ((فيديا)) ممن تحتاج القراءة عنهم لتصلك أخبارهم. يمكن أن تعرف الكثير عنه من أحاديث شفهية. أحد الرهبان ينصح من يعترفون لديه، ممن لا يسيرون بسلاسة في الكتب الروحيّة، بقراءة روايات هذا الكاتب ((المسيحي))، بالمعنى الكامل والعملي لهذه الصفة الكبيرة، مُشدّداً على مغزاها الروحي العميق، نظراً لوجهة النظر التي يُسيّر بها الأبطال شؤون حياتهم. راهبٌ آخر، استقال من رئاسة أحد أكبر أديار جبل آثوس، وتنسّك في البريّة القريبة منه، يعتبر دوستويفسكي ((قدّيساً في العالم)) (والمقصود بكلمة ((العالم)) أي خارج الدير)، ويقارن بين كتاباته وكتابات القدّيس اسحق السوريّ، التي تعتبر أدباً دينياً.

 

حياته:

ما كُتب عن دوستويفسكي يفوق الكثير الذي كتبه. تناول أفراد العائلة (زوجته، ابنته لوبوف، أخوه) حياته المليئة بالمصاعب المتنوعة والأحزان الكثيرة، بالإضافة إلى النقاد والكتّاب اللاحقين ممن تأثروا به والأكاديميين الذين درسوا رواياته وتعمّقوا في جوانبها المتعددة كلٌّ حسب اختصاصه.

الأقرب له والأكثر معرفة بتفاصيل حياته هي زوجته آنّا غريغورفنا دوستوفسكايا، التي عاشت إلى جانبه في السنوات الأربع عشرة الأخيرة من عمره، وكانت قارئته الأولى، بل مشاركته في الكتابة بمعنى ما، إذ إن الزوج المرهق بالديون والمطالَب دائماً بتسليم رواية جديدة في تاريخ محدد، إما بموجب كمبيالة سيدفع مبالغ مالية وسيخسر حقوق النشر لصالح مرابٍ إن هو أخلف، أو لملء الفراغ في مجلة تدفع له أقل من ثلث ما تدفعه لتولستوي أو تورغينيف أو سواهما من معاصريه الذين لم نعد نسمع بأسمائهم في هذه الأيام. وقد روت آنّا ذلك كلّه في ((دوستويفسكي في مذكرات زوجته)) (دار طلاس، تعريب هاشم حمّادي).

بدأت قصّة الفتاة العشرينيّة مع كاتب أبيها المفضّل، عندما عرض عليها أستاذها في دورة الاختزال عملاً لدى الكاتب دوستويفسكي، فقبلت على الفور إذ كان كاتبها المفضّل كذلك، خاصة بعد قراءة ((مذلّون مهانون)) و((ذكريات من منزل الأموات)). فكانت تكتب ما يُمليه عليها، وبهذه الطريقة أنجزوا في خمسةٍ وعشرين يوماً فقط رواية ((المقامر))، وكل ما تلاها بعد ذلك إذ استمرت آنا في عملها بعد زواجهما. هذه الطريقة المستعجلة أفسدت العديد من أفكار رواياته المنشورة في أجزاء (مثلما حدث مع رواية ((الأبله)))، لكن لم تكن بيده حيلة أمام الدائنين والعائلة الكبيرة التي عليه أن يعولها.

((كان شكله محطّماً ومريضاً، ومنذ الجمل الأولى تقريباً أخبرني أنّه يعاني الصَّرع، وأنّه أصيب بنوبةٍ منذ أيّام، وقد أثارت هذه الصراحة دهشتي))، تكتب. لكن هذه الدهشة سريعاً ما تبددت بعد أن اكتشفت الفتاة مقدار الوحدة الهائلة التي يعيشها هذا الإنسان المفكر والذكي، وفي اللقاءات اللاحقة أدركت أن حياته كانت عبارة عن سلسلة من الخسارات والمصائب المتتالية.

في عمر السادسة عشرة خسر أمّه الحنون، وبعدها بسنتين خسر أباه القاسي الذي لم تجمعه به علاقة طيبة. وعندما دخل في الجمعية السياسية المعارضة للقيصر كاد يفقد حياته، وأتى العفو عن المحكومين بالإعدام وهم في طريقهم إلى الحبال الثلاثة التي التفّت حول رقاب الدفعة الأولى منهم، فقضى أربع سنوات في سجن الأشغال الشاقّة في سيبيريا. وبعد خروجه مات أخوه ميخائيل الذي كان أكثر من تبادل معه الرسائل خلال فترة سجنه، فورث عنه مجلة ((الوقت)) المدينة بمبالغ كبيرة لم يتمكّن من إيفائها إلا في الأشهر الأخيرة من حياته، وعائلةً ظلَّ يعولها حتى بعد أن صارت عنده عائلة. ماتت زوجته الأولى التي كانت تخونه ولم تنجب له أولاداً، وتركت له ابناً من زواج سابق، وهو شاب كريه، انتهازي، وعاطل عن العمل، كان ينتقل ليعيش معه في كلِّ بيتٍ جديد يستأجره ويأخذ قسماً من المال الذي يأتيه من حقوق نشر رواياته. مات اثنان من الأولاد الأربعة الذين أنجبتهم آنّا، وهما البنت البكر سونيا (نسبةً إلى بطلة ((الجريمة والعقاب))) في شهرها الثالث، والابن الأصغر أليوشا الذي مات بالصرع الذي ورثه عن والده، وكان تأثّره بموتهما كبيراً.

أمام هذه المصاعب كلها، كانت الإثارة والمغامرة المتولدتان من المقامرة في لعبة الروليت، منفذاً له للخروج من اليأس والكآبة، ومحاولة يائسة لإيجاد حل أمام الديون المتزايدة جراء فوائدها. وفي كل مرة كان يخسر ويعود إلى البيت ليأخذ المزيد من المال إلى أن ينفد ما لديه. والغريب أن زوجته لم تكن تمنعه أو تثير المشاكل جراء خساراته، بل تعطيه ما يطلبه متمنية له التوفيق. وقد دخل هذا في آلية عمله في الكتابة، فبعد خساراته وبكائه وندمه، كان يعود للتفرغ إلى الكتابة من أجل تعويض الخسارة.

 

موته:

قبل مئةٍ وأربعينَ سنةً، عرف دوستويفسكي موعد موته مثل القديسين. وعلى الرغم من تأكيد أربعة أطباء أنه سيشفى سريعاً من النزف في حنجرته الذي صبغ لحيته بالدم، والناجم عن تضخّم رئتيه، طلب من زوجته أن تُحضِر له كاهناً من أجل أن يعترف أمامه بخطاياه ويقبل منه المناولة الأخيرة. بعد ذلك بارك زوجته وأولاده، وودّعهم بكلمات رقيقة موصياً إياهم أن يحبوا بعضهم ويطيعوا أمهم.

تجدر الإشارة إلى أنّه لا يمكن الركون إلى صدق كل ما ورد في هذه المذكرات، خاصة فيما يتعلق بالشؤون العائلية في زمن بعيد كل البعد عن العلنيّة والمباشرة المنتشرتان من خلال وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، فآنا تقول مثلاً إن طفولة زوجها كانت سعيدة ضمن عائلته قبل وفاة الأم، في حين أنه من المعروف أنها لم تكن كذلك، بسبب طريقة التربية الصارمة لأبيه الطبيب العسكري.