يعالج الإطار النظريّ الذي يقدّمه أندرو "لو" في كتابه بالتفصيل فرضية السوق الفعال، أي الافتراض أنّ هناك عقلانية كامنة وراء النظرية ومن ضمنها مفهوم "الرجل الاقتصادي". يحاول الكاتب "لو" تقديم بديلٍ لفرضية الأسواق الفعالة، ويعتبره امتداداً للنظرية فيبنيه على أساسها من خلال سدّ الثغرات الناتجة عن الإخفاقات التي ظهرت في التطبيق؛ وهو يناقش كذلك قضية الاتفاق الشائع حول كفاءة الأسواق، ويحاول تضمين فلسفة علم الأحياء التطوري في بحثه لإثبات أنّ الأسواق تتكيف مع البيئة المتغيرة بشكل دائم ومستمرّ وتتقلب بعيداً عن درجة التوازن كما يحصل في التطوّر البيولوجي.

يبدأ المؤلف كتابه بسؤال، إذا كنا  Homo Economicusأي أناساً اقتصاديين؟ ثم يشرح بالتفصيل قصّة انخفاض سعر سهم المقاولين الرئيسيين لوكالة ناسا في يوم كارثة المكوك تشالنجر. بالإضافة لذلك، يشرح "لو" أنّ القيمة السوقية تنخفِضُ لمقاولٍ واحد، والذي كان مورّداً رئيسياً لناسا فيما يتعلق بمشروع تشالنجر، كان يعادل تقريباً قيمة العقد مع وكالة ناسا قبل الانتهاء من التحقيق. هذه هي المقدّمة الرئيسية التي يؤسّس عبرها الكاتب لمفهوم فرضية السوق الفعّال. تنتقل المناقشات إلى ولادة فرضية الأسواق الفعّالة وإلى تأثير بول صامويلسون وعلى وجه الخصوص في مقالته الشهيرة "إثبات أنّ الأسعار المتوقّعة بشكل مناسب تتقلّب عشوائياً" والذي أكمله لاحقاً يوجين فاما. جادل فاما بأنّ أسعار الأصول تعكس بشكل كامل ودقيق جميع المعلومات المتاحة وأن الأسواق هي مكان للعرض والطلب "بحكمة" على البضائع، والتي ترجمت فيما بعد بفرضية الأسواق الفعالة. علاوة على ذلك، يربط "لو" ما يسمّيه روح فرضية الأسواق الفعالة بنظرية جون موث للتوقعات العقلانية. يمكننا تلخيصها في ثلاث نقاط:

1- المعلومات التي يبنى عليها شحيحة دائماً، والنظام الاقتصادي يحتاجها كلها.

2- تعتمد التوقّعات الاقتصادية على البنية الاقتصادية

3- ليس للتنبؤ أي تأثير على النظام الاقتصادي ما لم يكن مبنياً على معلومات داخلية. في النقطة الأخيرة، يربط موث بين فرضية الأسواق الفعالة ونظرية التوقعات.

 

حول المخاطر وعدم اليقين

يعطي "لو" أمثلة مختلفة تُظهر أنّ البشر ليسوا مستعدّين للّعب في بيئة يسودها عدم اليقين بشأن المخاطر. يلفت "لو" كذلك نظر القراء إلى أنّ التفكير ليس هو نفسه الشعور، وأنّ الناس يتوخّون الحذر عندما يكون هناك شكّ بشأن المخاطر. وبحسب المؤلف فرانك نايت، فإنّ نوع المخاطر التي يمكن قياسها هو ما نسمّيه المخاطرة. لإعطاء مثال لهذا التحليل، يوضح "لو" أنّ الصناعات ذات المخاطر المحسوبة لا تحقّق أرباحاً لأنّ المنافسة ستضمن القضاء على الأرباح، في حين أنّ الدخول في أعمال تتضمّن مخاطر غير محسوبة أو مقاسة تجني الكثير من المال وهذا هو مركز ريادة الأعمال كمخاطرة. يبدو أنّ التمييز بين عدم اليقين والمخاطر هو الجزء مفيد في فهم حجته في التشكيك في فرضية الأسواق الفعالة. يوضح أنّ البشر من خلال التجارب المختلفة التي تمّ إجراؤها سابقاً والتي قام بتكرار بعضها قد أظهروا اتباع فكرة مطابقة الاحتمالات التي لا تعتبر سلوكاً عقلانياً. في حين أن فكرة الأسواق الفعالة تستند إلى عالم يسوده الإنسان الاقتصادي، أي البشر العقلانيين بشكل تامّ، إلّا أنّ مفهوم عدم اليقين المتعلّق بالمخاطر يثبت أنّ البشر ليسوا من نمط "الإنسان الاقتصادي". هذا يتعارض مع معتقدات العديد من الاقتصاديين المحافظين بأنّ الرغبة الجماعية للناس هي عقلانية وأنّ اللّاعقلانية التي تبدو في الأسواق تتضمّن عقلانية مبطّنة.

 

التطور والتكيف

في عالم اقتصادي عقلاني، ليس للتاريخ والثقافة والأعراف الاجتماعية أي تأثير على عملية صنع القرار عند الإنسان، لكنّها في الواقع المعاش لديها تأثير كبير. تؤثّر البيئة المحيطة بنا والمجتمع على حياتنا اليومية والتي تؤدّي في كثير من الحالات إلى سلوك غير عقلاني وهو ما يشرحه "لو" من خلال علم الأعصاب الحديث:

"السلوك غير العقلاني يحدث عندما يواجه مكون متخصص من الدماغ بيئة لا يستطيع فيها التكيف بشكل فعال"

تعتبر العواطف أساسية لعقلانيتنا، فهي أداة لتحسين الكفاءة التي نتعلم فيها من بيئتنا والماضي. بالنسبة إلى لو، فإنّ المشاعر التي تتلخّص في الخوف والجشع والسرور والألم هي محرّكات رئيسية للسلوك المالي وتؤدي في النهاية إلى اللاعقلانية. تعتبر مشاعر الخوف لدينا أساسية لوجودنا والتكيف مع بيئتنا. تحت الضغط، يتصرف البشر عاطفياً وتؤدي مخاوفنا الجماعية إلى عواقب أكبر خاصة على النظام المالي. إدارة العواطف أمر بالغ الأهمية لاتخاذ قرارات مالية جيدة.

 

نظرية العقل

ينتقل لشرح مفهوم الألم الاجتماعي والخسائر المالية من خلال الأمثلة والتجارب وبطريقة علمية. إن الألم الاجتماعي والخسائر المالية "يماثل بطريقته الإدراكية العصبية" الألم الجسدي. من ناحية أخرى، فإن المكاسب المالية تؤدي إلى نفس المواد الكيميائية في الدماغ مثل القمار والإدمان. أي طريقة أخرى لشرح اللاعقلانية.

الجزء الرائع من نظرية العقل هو أنّ البشر يمكنهم رؤية أربعة مستويات عميقة بواطنهم، بينما تفترض النظرية أنّ المستثمرين يستفيدون من غير ذلك من المستوى دون الأمثل ب لا يبدو السلوك مقبولاً وهو يحتاج إلى نظرية مرتبة

 

أعلى للعقل مما يجعل العقلانية من الناحية البيولوجية محدودة للغاية للنظرية.

"حتى سلوكياتنا العقلية الأكثر عقلانية هي في الواقع تكيفات مع البيئات الماضية. ولكن لتقدير أهمية هذا المنظور تماماً، نحتاج إلى اتخاذ منعطف آخر، هذه المرة عبر عالم علم الأحياء التطوري ".

 

التطور

كافح البشر والأنواع طوال الوقت للبقاء على قيد الحياة في النظام البيئي المحيط بنا، والذي شكل وجودنا من خلال عملية التكيف بمرور الوقت. يقوم المحترفون الماليون بضبط استراتيجياتهم وفقاً لبيئتهم، ولكن عندما تتغير البيئة، تفشل هذه الاستراتيجيات. يشرح "لو" تدني مستوى علم الأحياء في هذه العملية من خلال ما يلي:

"عالمية استجابات الخوف لدينا تعني أن الخوف كان مفيداً في البيئات السابقة التي تطورت لتجاوز جميع المكونات العصبية الأخرى تحت التهديد الكافي."

الأسواق هي نتيجة أخرى للعملية التطورية وفرضية السوق الفعال تلتقط جزئياً نطاق السلوك الجماعي البشري. بهذا المعنى، فإن فرضية الأسواق الفعالة لا تستجيب لمثل هذه التحولات في البيئة. تدور فرضية الأسواق التكيفية حول التكيف السلوكي استجابة للتغير في البيئة وعندما تفشل النظريات الأخرى في العثور على إجابات.

 

العقلانية المحدودة

يشرح "لو" بالتفصيل نظرية الحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون حول العقلانية المقيّدة ومدى أهميتها بالنسبة لنظريته عن الأسواق التكيفية. هو يقول:

"آلية التغذية الراجعة تجعل التصحيحات اليومية والتكيّف المتواصل أمراً واقعاً، فيطوّر الناس أساليب إرشادية وأنماط تفكير جديدة. هذا يؤدي إلى سلوك غير منطقي دون المستوى الأمثل "

لشرح العقلانية المحدودة، يعطي "لو" مثالاً على مجموعة الاحتمالات لحوالي مليوني مجموعة مختلفة من ملابسه اليومية من عدد محدود إلى الملابس من السراويل إلى ربطات العنق وما إلى ذلك.

يمضي الكاتب في مثله ليوضح أنّه لا يقوم باختيار ملابسه يومياً بناءً على رؤية متكاملة تتعلّق باحتمال تحصيل المكسب الأقصى من هذا الاختيار، ولكنّه يقوم بتضييق نطاق الاختيار إلى زيٍّ تمّ ارتداؤه مؤخراً وتبيّن معه أنّه مناسب وجيّد بما فيه الكفاية، مقابل توسيع نطاق الاختيار ليصل إلى فكرة "الخيار الأمثل". تؤدّي عملية التغذية الراجعة المستمرّة للتجربة اليومية وأخطائها المتكرّرة إلى المراجعة المستمرّة للقرارات التي يتخذها الإنسان، والتي لا تكون بالضرورة مرتبطة بالخيارات المثالية التي يمكن تصوّرها. بالنسبة للكاتب، فإنّ هذه الطريقة هي التي يعمل بها المشاركون في السوق وهي ذاتها التي تؤدي في بعض الأحيان إلى قرارات استثمارية بعيدة عن العقلانية.

 

استنتاج

حاول "لو" تقديم نظرية جديدة مع الكثير من الأبحاث التي تعتمد على علم الأعصاب الحديث والمبنية على فرضية السوق الفعال. بالنسبة لي، فإنّ فرضيّة الأسواق التكيّفية هي نظرية حقيقية قائمة على أسس علمية، تحاول العثور على إجابات حول اللاعقلانية الجماعية لدينا خاصة عندما يتعلق الأمر بالأسواق المالية. لكنّ يبقى عندي تساؤل هنا هو التالي: ماذا إن كان التوازن الحقيقي في الأسواق المالية غير موجود أصلاً؟