لكلّ دولة في العالم خصوصيّة ونظام خاص بها يتناسب مع طبيعتها ومواردها وموقعها الجيوسياسي والإقتصادي. لربّ النّظام اللّبناني كان من أكثر الأنظمة تعقيدًا حتى حينه كونه قام على مبدأ تعزيز وجود الأقليات الطّائفية في المحيط العربي الإسلامي منذ قيام متصرفيّة جبل لبنان بين العام 1860 حتى العام 1915، ما أدى إلى فصل لبنان عن عمقه القومي المتمثّل بسوريا، وتلاه اقتسام المنطقة بين المستعمرَين الفرنسي والبريطاني قبل عام تحديدًا من إعلان وعد بلفور القاضي بإنشاء مستعمرة صهيونيّة لليهود على أرض فلسطين، ترسّخت أكثر مع إعلان الإنتداب الفرنسي لدولة لبنان الكبير. أليس في ذلك ربط بين مسارات مشروع تقسيم المنطقة العربيّة إلى دويلات طائفيّة؟!

لبنان منذ ذلك الحين واحةٌ للصراعات المذهبيّة والإقتتال الدّاخلي، ممّا جعل الأقليات تعتبر أن إنشاء كيان خاص بها يخدم بقاءها دون أن تدري أن ذلك يدمّرها. لذلك، نلاحظ أن أولياء الأمور هم الآمر النّاهي والقرار يُتّخذ طائفيًّا وليس على مستوى الوطن. المثال الأكبر على ذلك هو طائفة الموحدين الدروز التي تُعتبر المؤسسة للكيان اللبناني وقدّمت التّضحيات في هذا الإطار لكن تراجع دورها بفعل أداء قادتها.

قبل الدّخول في مساوئ الحاضر وارتداداته على المستقبل، لا بد من عرض نبذة عن ماضي الموحّدين؟ "الموحّدون أظهروا من الشّجاعة ما تقرّ به العيون"، هكذا قال عنهم المؤرّخ والمفكّر السّوري محمد كرد علي.. وفي الحقيقة ظلموا أنفسهم وظلمهم الآخرون بتسمية "الدّروز"، نسبةً إلى "نشتكين الدّرزي" الذي انقلب على الدّعوة التّوحيديّة، والغريب في الأمر أن كافة الموحدين يعلمون أنّ مذهبهم التّوحيد ولم ينتفضوا لإبطال تسميتهم "الدروز" رسميًّا!!

الموحّدون هم العشائر العربيّة التي اعتنقت مذهب التّوحيد منذ خروجها من اليمن نحو الإحساء، ثم انتقالهم إلى الحيرة في العراق وهجرتها لاحقًا إلى شمال سوريا، حيث شارك بعضها في فتح بلاد الشّام وسكنوا معرّة النّعمان. وعندما عجزت الخلافة العباسيّة أن تحمي الثّغور الشّاميّة وأن تبسط كامل نفوذها في لبنان وتضع حدًّا لغزوات المَرَدة التي قطعت الطريق بين بيروت ودمشق ووصل بعضها إلى حمص وحماة، قرّر الخليفة أبو جعفر المنصور تكليف أمراء المعرّة اللّخميين منذر وأرسلان بالتّوجّه إلى جبال لبنان وفرض هيمنة الدّولة والقضاء على عصيان المردة؛ ولبّى أبناء عمومتهم- الأمراء التنوخيون والبحتريون- النّداء لمساندتهم، فانتصروا ونزلوا في مناطق استراتيجية من النّاحية العسكريّة (راجعوا كتاب تاريخ دعوة الموحدين الدروز لنبيه القاضي).

واللّافت جدًّا حينئذٍ كان القواعد التي أصدرها الحاكم بأمر اللّه، الدّاعي لمذهب التّوحيد، أبرزها فصل الدّين عن الدّولة، حريّة المعتقد، تحريم الرّق وإنشاء دور قضاء للموحّدين. وخيرُ ما اتّسم به عهد الخليفة الفاطمي هو الحرية والعدل والمساواة، أي أن المواطنين سواسية أمام القانون، والمراتب والمناصب تُعطى على مقدار الكفاءات.

ناهيك عن ذلك، عُرفَ عن الموحّدين تمسّكهم بأرضهم وقوميتهم العربيّة؛ كانوا حماةً للثغور بوجه الغزاة وقدّموا صورة ناصعة في العصر الحديث هي الثّورة السّوريّة الكبرى؛ بعد أن احتلّت فرنسا سوريا، أشعل الموحّدون فتيل الثورة بقيادة سلطان باشا الأطرش في العام 1925، وخاضوا معارك عدة كبّدت الجيش الفرنسي خسائر كبيرة كمعركة الكفر وتل الحديد والمزرعة، ونقلوا الثورة إلى دمشق وغوطتها وإلى لبنان وجبل الشيخ، ورفضوا تشكيل دولة درزيّة، وكان لهم الدور الأكبر والأساسي في الاستقلال عن فرنسا. وقبل تلك المرحلة، إبان حكم السّلطنة العثمانية، إنتهك الأتراك حرمات الجبل وعاداته وأعدموا الأحرار وضيّقوا على العرب عموماً، فقام الموحّدون بمحاربتهم وشكل سلطان الأطرش في جبل العرب في سورية قوّة فرسان سارت مع الجيش العربي من الجبل، وكانوا في طليعة الذين دخلوا دمشق ورفعوا العلم العربي فوقها؛ تمعّنوا في البعد الوطني للثورة التي قادها الأطرش؛ لم يسمِ الثّورة الدرزية الكبرى، بل السورية الكبرى! ما يدلّ على عمق الإرتباط بالوطن، إذ أن قوّة الطّائفة تُستمد من قوّة الوطن.

لاحقًا، في حقبة الصّراع العربي-الإسرائيلي، إنتفض الموحّدون السوريون في الجولان المحتلّ في 14 شباط عام 1982، بعد قرار الكنيست ضم أرضهم إلى الأراضي المحتلّة وفرض الهوية الإسرائيلية والتّجنيد الإجباري، فأحرقوا هويات العدو المفروضة عليهم ورفعوا شعار "لا بديل عن الهوية الوطنيّة السورية"، فاعتقلت الحكومة الإسرائيلية الكثيرين منهم، وصمدوا تحت الحصار لمدة 6 أشهر، إلى أن سقط القرار. ولا يزالون حتى اليوم يخوضون معركة الحفاظ على الأرض والهويّة.

لبنانيًّا، أدّى الموحّدون دورًا هامًّا في إسقاط المشروع الإسرئيلي. سار الأمير مجيد أرسلان والشّهيد كمال جنبلاط في نهج العروبة مع الرّئيس المصري جمال عبد النّاصر، الأول قاد معركة تحرير المالكية مع جيش الإنقاذ العربي والثّاني قاد الحركة الوطنية وأسّس الحزب التقدمي الإشتراكي العابر للطوائف حينها واختار القضيّة الكبرى فلسطين ونبذ سياسة الإنعزاليّة؛ الأول كان مدافعًا عن حقوق المظلومين والثّاني كان رجل قانون وفكر يناصر الفقراء. لربّما كانت مرحلة، رغم المنافسة على الزّعامة الأولى، راقية من حيث التّمثيل والأداء السياسي، خلافًا لما يمرّ به الوطن ومكوّناته اليوم من أزمة كيانيّة وجوديّة نتيجة سياسة الفساد التي اعتمدها المسؤولون اللبنانيون منذ قيام الطّائف حتى اليوم. حكم الإقطاع لبنان والمنطق الزّعاماتي الذي يسخّر الشّعب لمصلحته ولا يسخّر موقعه في خدمة الشّعب.

تبِع ذلك حقبة تاريخيّة سجّل فيها الموحّدون إرثًا نضاليًّا كبيرًا حين دحروا المشروع الأميركي والإسرائيلي إن كان في حرب الجبل أو من خلال العمليّات النّوعية التي نُفّذت ضد العدو الإسرائيلي وأعوانهم. بيد أنّه من المؤسف تمّ استثمار هذه التّضحيات في خدمة أهداف زعاماتية ضيّقة، وأُوهم الدروز بأن أولياء أمورهم هم من حموهم وليس هم من دافعوا عن أرضهم وسيادة وطنهم. وبالتّالي، إستُخدم النّاس ليكونوا أبواقًا تدافع عن الزّعماء وتحميهم دون التّمييز بين الخطأ والصّواب.. ولم يعد بالنّسبة لهم العقل هو الشّرع الأعلى، بل العاطفة المعميّة التي تؤدي إلى الهلاك. أضحى وهم الحفاظ على الزعامة حصنًا للحفاظ على الطّائفة. فقد وضع الموحدون وجههم بين كفيهم، يبكون على سرقة حقوقهم وماضيهم الزّاهر الذي غاب، ويتأثرون بأولياء أمرهم الذين اتّهموا الآخر بسلب مكتسباتهم، فيما الحقيقة تقول إن قادتهم ساوموا على حقوقهم وقايضوا بالوظائف الرئيسية مقابل تمثيل سياسي من هنا وهناك، فيما لو طبّق الموحدون وصيّة المرجعية الروحيّة الأمير السيّد عبدالله التنوخي، لوجدوا أن مال الوقف الدرزي ينقذهم في هذه الظروف الإستثنائية وقبلها أيضًا. لكنّهم ارتؤوا الصّمت.

مشكلة الدّروز ليست بتمثيلهم ضمن منظومة السّلطة (3 وزراء إذا كانت الحكومة ثلاثينية، أو وزيرين 24 وزيرًا، أو...). المسألة ليست بوزير أو اثنين أو ثلاثة، بل بالدّور الهامشي في التّركيبة السياسية- فإذا تحالفت طائفتان شعروا بالخطر- وبضعف التّقديمات وغياب المؤسسات التي يجب على القادة الدروز تأمينها بسبب غياب دور الدّولة، علمًا أن لديهم من الإمكانيات ما يكفي. وعلى مستوى الوزارات، تنحصر الخدمات والصفقات في إطار الحزب المتمثّل دون رادع، لأن الفساد مقوننٌ في هذه الدّولة الفاشلة.

وفي التوجّه السياسي، سلخ الزّعماء دور المشايخ في إدارة شؤون الطّائفة الداخلية، واستُثمر ذلك في إطار الشّحن السياسي والمذهبي بوجه باقي الطّوائف. خلقوا للموحدين فزاعة الطّوائف الأخرى. وما وراء هذه التعبئة أهداف مريبة، فلا مانع لديهم في التخلي عن جذورهم العربية مقابل تحقيق مصالح شخصيّة حتى لو تحالفوا مع الشّيطان. نتساءل ما سبب شيطنة سوريا عند الشّريحة الأكبر من الدروز وإظهار ملائكية أميركا كحليف؟ هل يا ترى تتحقّق مصالحهم بدعم الكيان الصّهيوني عوضًا عن ترسيخ الثّوابت القومية العربيّة؟ لا مفرّ من الواقع أن الإمتداد القومي للموحدين هو سوريا وفلسطين- شرط أن تكون محرّرة، فلا الإسرائيلي سيصبح حليفًا إن فكّر يومًا بالعودة إلى لبنان ولا الدروز في الدّاخل الفلسطيني سيقدّمون الدّعم. ألم تتساءل هذه الغالبية الدرزية لماذا يرمي الصهاينة الجنود الدروز في الصّفوف الأولى في أي عدوان على قطاع غزة أو لبنان؟ لأنهم ببساطة يحمون اليهود ويكلّفون الدروز بالمهمات الخطرة، ليس من باب الاحترام بل لاستغلالهم كوقود للمعركة.

باتت الأكثرية من الموحدين اليوم، من خلال التّعبئة والتّجييش المذهبي والسياسي الممنهج بيئة معارضة للمقاومة؛ تلعب الزّعامة ذات الأكثرية دورًا تحريضيًّا عليها، ويقابل ذلك زعامة ذات أقليّة تقاعست في دورها الثقافي والخدماتي والمقاوم، وتؤدي شريحة ثالثة دورًا مريبًا من خلال الإنغماس في المنظمات غير الحكومية المدعومة أميركيًّا وتدعو إلى التّطبيع مع الإحتلال من بوابة المحبة والسّلام ضاربين عرض الحائط ذاكرة المجازر والوحشيّة التي مارسها الإسرائيلي في لبنان والمنطقة. فهل هذا تاريخ الموحدين وقيمهم الأخلاقية والإنسانية؟

لعلّ اعتراف أحد أبناء الزعماء في مقابلة مع قناة الجزيرة الإنكليزية بأنهم يحاولون الحفاظ على بقائهم كون الزّعامة هي "family business" أي تجارة العائلة، دليل على أن السّياسة تخضع لمزاجيّات الزعامات ومصادر تمويلهم لا لمبدأ خدمة المواطنين. نعود إلى الوراء فنستذكر حقيقة هذا الإعتراف. ما من شكّ أن مطمرَي النّاعمة والكوستابرافا الذين سببا بإصابة مئات الناس بمنطقة الجبل بالسّرطان دليل على أن مزاريب الذّهب أهم من البشر؛ ووزارة المهجرين التي سرقت المليارات باسم دماء الشهداء وأبناء الوطن وبحجة الحفاظ على السّلم الأهلي؛ ووزارة الأشغال التي سطع نجم وزيرها بشراء عقارات هائلة في بلدته وخارجها له ولنجله نشرتها قناة الجديد، وهو الذي قال يومًا إنه ترعرع في بيئة فقيرة؛ ناهيك عن صفقة أدوية السّرطان في وزارة الصّحة أيام صاحب الفصاحة والبلاغة الذي عند كل استحقاق يدّعي الوطنية والنزاهة! ماذا عن تجارة الترابة المصنّعة محليًّا التي حلّق سعرها حتى السّحاب في أصعب الأزمات المعيشية فيما سعرها العالمي أقل بكثير؟! ماذا عن استغلال أراضي الوقف الدرزي التي تنتج بحورًا من الأموال؟ ولماذا يتمّ فصل مشايخ تطالب بالحق وتحاول منع السرقة؟! لعلّ هجرة معظم الشّباب المتعلّم والمبدع في هذه الطائفة خير دليل على الظّلم المحدق بهم وعدم احترام طاقاتهم لصالح منظومة محاصصاتية تفتقد الكفاءة. هذه عيّنة بسيطة، ولباقي الرّوايات مجلّدات.. غريب هذا التّمادي وصمت النّاس عن حقّهم المهدور من زعمائهم قبل دولتهم!

قد تكون هذه هي المحنة التي تنبأ بها أجدادنا.. ليست على يد الآخر بل على أيدي أولياء أمورنا. لذلك، الموقف يحتاج إلى الجرأة. الخلاص يكمن أولاً بنهضة فكريّة على المستوى الشّعبي والديني والسّياسي، بحيث يتمكّن المواطن من انتقاد زعيمه عندما يكون على خطأ ومحاسبته، وعودة الموحّدين إلى القواعد التي أرساها ناشر الدّعوة الحاكم بأمر اللّه بفصل الدّين عن الدّولة والّتي شدّد عليها سلطان الأطرش وإلى تاريخهم النّضالي المقاوم بوجه كافة أنواع الإستعمار الأجنبي من قوّة صلبة وناعمة، وثانيًا بقيام دولة مدنية ومواطنة حقيقية ترعى شؤون المواطنين بعدل بعيدًا عن المحاصصات والزبائنية والواسطات ليكونوا نموذجًا يُحتذى به وينسحب ذلك على مستوى الوطن ككلّ. كافة الأقليات بحاجة إلى دولة مدنية تحافظ عليهم وتحصّل حقوقهم وخدماتهم من خلال تعزيز دور الدّولة لا الزّعيم. عندها يدرك المواطن أنّ اتّباع الإقطاع جلب الخراب لهذا البلد. قالها نابلويون يومًا: "ليس البشرُ بشرًا في نظر مؤسّسي الممالك... إنهم أدوات لتوصلهم لأغراضهم". إعتبروا!