"هناك، خلف الدولة اللبنانية، قوةٌ عسكريّةٌ قادرةٌ على إيذائنا في أيّ لحظة".

هذه قاعدةٌ أساسيةٌ ينطلق منها قادة الكيان الصهيونيّ في معالجتهم لمسألة الغاز الموجود في المياه المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة. وبقدر ما يضع العدوّ تلك القاعدة نصب عينيه، لا بدّ للبنان أن يفعل ذلك أيضاً. لا يمكن للبنان إلّا أن يتصرّف من موقع السيّد المقتدر، أقلّه تجاه "إسرائيل" إن لم يكن في وجه الولايات المتحدة. ذلك أنّ التنازل الأوّل سيفتح شهيّة العدوّ على تنازلاتٍ جديدة.

في السنوات الأخيرة، بات الغاز الطبيعيّ طبقاً رئيسياً على المائدة الاسرائيلية، وصار له ثقلٌ اقتصاديٌّ واستراتيجيٌّ معتبر في استمراريّة وتوسّع الدولة الصهيونية. إذ بلغ الطلب على الغاز في "إسرائيل" 11 مليار متر مكعّب في العام 2015، ويُتَوقّع ارتفاع هذا الرقم في العام 2030 ليبلغ 17 مليار متر مكعّب. الهدف البديهيّ هنا هو تحقيق الاكتفاء، بما يتبعه من مكاسب سياسيّة وجيوسياسيّة إضافةً للاقتصاديّة منها. فبرغم أنّ "إسرائيل" قد كسرت نصف "الطوق السياسيّ والأمنيّ" من حولها باتفاقيات السلام، غير أنّها ما تزال في "طوقٍ وظيفيّ"، نظراً لارتهانها في استيراد الطاقة لعنصري الأمن والاستقرار في معابر الإمدادات أولاً، ولمزاج دول الجوار ثانياً. ذلك المزاج الذي وإن كان مضموناً إلى حدٍّ كبيرٍ كما يبدو المشهد العربيّ والشرق أوسطيّ العام، فإنّه يبقى عنصراً خارجياً قد يخرج عن السيطرة في يومٍ من الأيّام. ثم بعدها يأتي طموحها الاستراتيجيّ بأن تدخل نادي الدول المصدّرة للطاقة، لتقتحم السوق الأوروبيّ في نهاية المطاف. وعلى سبيل النكتة: يكفي هذا السبب لأن تبقى "إسرائيل" الطفلة المدلّلة لدى الولايات المتحدة الأميركية!

ما يعنينا بشكلٍ مباشرٍ من الأطماع والطموحات الإسرائيلية، هو حقلان موجودان في المنطقة المشتركة بين المياه اللبنانية والفلسطينية، أقصد بهما حقلا "ألون دي" و"كاريش". الأخير تم اكتشافه في عام 2013، تقدّر احتياطاته بـ 1.8 تريليون قدم مكعّب، وهو الأكثر شهرةً لسببٍ بسيط: بدأت "إسرائيل" باستثماره! لكنّها لم تبدأ بالإنتاج منه بعد، فمن المتوقع أن يبدأ العمل به في حزيران المقبل. عندما يُقال أنّنا في سباقٍ زمنيّ مع العدوّ في مسألة التنقيب عن الغاز والنفط، فإنّ أجلى مثالٍ على ذلك هو قضية حقل "كاريش". وهو ما سنفصّله لاحقاً عندما نصل بالحديث إلى الجانب اللبنانيّ. أمّا الحقل الآخر، ألون دي (ALON D)، هو حقلٌ ملاصقٌ للخطّ اللبنانيّ رقم 23، وهو أحد أقسام المجمع "ألون" الضخم، والذي يملك بنيةً جيولوجيةً شبيهةً جداً بحقل "ليفياثان" الكبير، ويُتَوقَّع احتواؤه لكميةٍ ضخمةٍ من احتياطات النفط والغاز. لكنّ الضجة حول هذا الحقل لم تُثَر إلّا مؤخّراً، بعد أن كان متروكاً من قبل الجانب الاسرائيليّ باعتبار قربه من المياه اللبنانية، في حين أنّ هناك حقولٌ أخرى أولى بالتنقيب بعيداً عن الشواطئ اللبنانية. هذا أولاً، إضافةً إلى أنّ الدولة اللبنانية لم تكن قد أعطت بعد أيّة مؤشّراتٍ فعليةٍ على نيّتها في النظر إلى "ألون دي". إلى أن تشكّل الوفد المفاوض وأعلن عن خط 29، وقضم بذلك – ولو نظريّاً – أجزاء من "كاريش" و"ألون دي"، وهذا ما أشعل المواجهة بين بلوك رقم 9 من جهتنا، وبلوك رقم 72 من جهتهم.

وكما بدأنا الحديث، لا بدّ من الرجوع إلى القاعدة الإسرائيلية الثابتة: "هناك، خلف الدولة اللبنانية، قوةٌ عسكريّةٌ قادرةٌ على إيذائنا في أيّ لحظة". لذا، فإنّنا نجد "إسرائيل" اليوم، ولخشيتها من الدخول في مواجهةٍ عسكريةٍ مع المقاومة، تناور في مساحةٍ آمنةٍ وتصاعديّةٍ إلى الآن. يمكن قراءة ذلك في حدود "البلوك 72" التي أعلنتها وزارة الطاقة الإسرائيلية في الخرائط البحرية التي نشرتها خلال إطلاقها لدورة التراخيص الثالثة، ثم في توسعة نفس البلوك ليتداخل مع "البلوك 8 / 9" اللبنانيّين في الخرائط التي نشرتها خلال إطلاق دورة التراخيص الرابعة في شهر شباط الماضي، قبل أن تعود وتسحب الخرائط المعدّلة وتستبدلها بتلك القديمة بعد أيّام. ثمّ إنّ تأخّر لبنان في تعديل المرسوم الذي يعيّن الحدود البحرية إلى الآن، وبمعزل عن أسباب ذلك، يزيد من هامش المناورة لدى العدوّ. حيث أنّ مهامّ التفاوض عبر الوسطاء أو اللجوء إلى التحكيم قد يكون غير ذي نفعٍ إذا ما دخلت الحقول المتنازع عليها حيّز الإنتاج من قبل أحد الطرفان، والذي هو "إسرائيل"، فما بالكم بمجتمعٍ دوليٍّ منحازٍ أصلاً!

على الجانب اللبنانيّ هناك مسألةٌ لا بدّ من الوقوف عندها، فالوفد اللبنانيّ المفاوض قد اعتمد الخط 29 جنوباً، والذي يمرّ بحقلي "كاريش" المستثمر من قبل العدوّ وحقل "ألون دي" الكبير الذي ما زال حتى اللحظة خارج دائرة الاستثمار. ويكون فريق المفاوضين قد وسّع بذلك الحدود البحرية المتنازع عليها من 860 إلى 2290 كلم2. لكنّ الحكومة اللبنانية لم تعطِ إلى الآن موقفاً واضحاً بشأن تعديل المرسوم 6433، المتعلّق بترسيم الحدود البحرية، ليشمل الحدود التي يفاوض الفريق التقنيّ على أساسها. ولا أدري إذا ما أمكن وصف هذا الواقع بأنّ الوفد يفاوض مكشوف الظهر، أمّ أنّه يفاوض تاركاً خلفه ثغرةً للانسحاب عند الضرورة، أم الاحتمال الثالث بأنّ هناك توجّهان متناقضان على مستوى القرار الرسميّ! القضيّة سياسيّةٌ بالدرجة الأولى دون شكّ، فمسألة الحدود البحرية تُعتَبر ورقةً يمكن للدولة اللبنانية أن تشتري بها شيئاً مّا. نحن إذن أمام مرحلةٍ سياديّةٍ واقتصاديّةٍ مفصليّةٍ في تاريخ البلاد، وعلى الحكومة، أيّة حكومةٍ ستخوض غمار هذا الملف، أنّ تأخذ القرار الذي من شأنه أن يحفظ ماء وجوهنا ومصلحتنا الوطنية، لا أن تعود بنا إلى لعبة القروض والهبات والحلول المؤقّتة التي تمنح حياةً وهميةً لنظام اقتصاديٍّ محتضرٍ.