«مشكلتك إنت وأمثالك من الهاموش والهلافيت إن بييجي عليهم لحظات يتصوروا إنهم حاجه .. الحقد والغل إللي جواكم هو إللي بينفخكم ضد أسيادكم. لكن لأنكم جهلة ومغرورين، مش قادرين تفهموا إن طبيعة الكون نفسه لا يمكن تديكم الفرصة إنكم تفسدوا علينا حياتنا .. يا جرابيع!»

وحيد حامد - فيلم المنسي - أداء كرم مطاوع

امتنع أهل القرية عن دفع المجعولية المفروضة من الحاكم القوي، بل وقتلوا العبد الموكل بمهمة التحصيل وألقوا بجثته في البئر. عُدّ ذلك في حينه ضربا من الجنون! لكن الحوادث أثبتت أن لهذه البقعة مواعيد مع التاريخ .. مع الشرف والعزة والتغريد خارج أسراب الانبطاح. صارت مشتلا للأفكار القومية، اليسارية والمقاوِمة، ناهض منها عبدالكريم قاسم السلطنة العثمانية، وكانت مأوى الفدائيين والمقاتلين ضد العدو، وعرفنا من خلالها موسى الصدر وحسن نصرالله .. أصبحت قرية البرج التي تمردت على فخر الدين المعني الثاني «برج البراجنة»، وصار البئر الشاهد على جريمة القتل «بئر العبد»، وأصبح للشرف والعزة والكرامة مرادفا باسم «الضاحية الجنوبية».

هذه المعاني قد لا تمثل شيئا لدى شرائح من البشر تتحدث بتعبيرات مثل «الوجه الحضاري»، «ترييف المدن»، «السكان الأصليين» وغيرها من الكلمات التي تبدو في ظاهرها معنية ومهمومة بما تعانيه بلادهم من تخلف وتبعية، لكنها في المضمون تعبر، وعلى طريقة أمين معلوف في رواية «سلالم الشرق» - وحولها حديث يطول، عن "حنين كوزموبوليتاني" يشتاق إلى أزمنة كان نمط العيش وطريقة الحياة فيها هي الهوية الحقيقية (على طريقة أن ديني الإنسانية، وهذه أحاديث هائمة في فضاء الضلالات والتسطيح وتبدو خيّرة لكنها شريرة قاتلة لشعوب وطبقات)، وليست الديانة أو الطائفة أو العرق أو المشرب، أزمنة يعتبرونها عصرا ذهبيا للتسامح والتعايش (على طريقتهم)، يستمتع فيها الشيعي والسني مع الماروني والأرثوذوكسي في ضيافة يهودي بمقطوعة موسيقية أو طعام عشاء. ولا أهمية هنا لأحوال من هم خارج هذه الفقاعة من التعايش المزعوم، والذين يدفعون من أعمارهم وأقواتهم ثمن حياة هذه الطبقات ومثاليتهم الخاوية - هنا يمكنك أن تتفهم دوافع عائلة لقمان وغيرهم - عندما يتحدثون عما كان !

في مصر، كما في لبنان أو غيره من بلادنا، قد ينفجر نقاش صاخب حول حادث تافه. نعم، فلقمان سليم كان تافها مثله مثل آلاف غيره يرتزقون من العمالة. مقتل سليم ليس هو الحدث - بظني - الذي يستحق النقاش، لكن الجدير بالنقاش والتدقيق هو الخطاب المثار الآن في الفضاءات اللبنانية، ولست أقصد هنا الاتهامات والاتهامات المضادة (فهذا ديدن اللبنانيين في هذه الأحوال) بل أقصد حالة «الصراع» الكلامي بين الذين يستكثرون على شريحة اجتماعية بعينها ما باتت تمثله في السياق اللبناني، بل والإقليمي، وما يزالون ينظرون إليهم على أنهم «المتاولة» - ولسان حال هؤلاء الاقتباس الذي استهللت به هذه الكلمات، وبين المدافعين عن حقهم في تشكيل مستقبل بلدهم والذود عن قضية يؤمنون بها، وعن حقهم أيضا في الترقي الطبقي والثقافي والتعليمي والسياسي.

في مكان كالضاحية، نزح إليه أناس من البقاع هربا من ضيق العيش والإهمال، هرع إليه آخرون بعد اجتياح العدو للجنوب، ولجأ كثيرون إليه بعد التضييق عليهم في بيروت الشرقية من الميلشيات اليمينية في معمعان الحرب الأهلية، ماذا تتوقع من هؤلاء ؟ أن يسبحوا بحمد السياسات المنبطحة ويحزنوا لمقتل العملاء الذين يروجون لعدوٍ قصفَ بيوتهم وقتلَ أطفالهم واحتلَّ أرضهم  ! لكن لو ثمة فائدة أخرى أو حكمة من مقتل لقمان والتفاعل معه وحوله، فهي ألا تمارس ما تنتقده وتعاني منه، فللأسف هناك من مؤيدي الحزب الآن من يتحدث - دون أن يدري - بلسان "فينيئي" مبين !

 

بعض الحوادث والتفاصيل في تاريخ التجربة اللبنانية كاشفةٌ عن دوافع البشر ومحركاتهم، سيما فيما يتعلق بالخوف على مكانة اجتماعية أو سياسية، والهلع من منافس محتمل ..  وهنا أترككم مع مشهد من زمن مختلف وبيئة مغايرة.

يحكي أن:

ذهبت والدة البطريرك بولس مسعد (1806- 1890) لأداء واجب العزاء بقرية تجاور عشقوت. ومن العادة في الجبل أن المعزين يرتدون أغلى ما عندهم من ثياب، وتتبهرج المعزيات بأغلى ما عندهن من حُليّ، ويرفعن على رؤوسهن طٌنطورا - ويقال طُرطورا، وهو قطعة من نحاس أو خشب، مستطيلة واسعة القاعدة وضيقة الرأس، توضع على الشعر وتُغطى ببرقع حريري كبير، وهي من أغلى الزين النسائية وقتذاك، وكلما طال الطُنطور، ارتفع قدر من يزين رأسها. ولما دخلت «أم بولس» بيت الميت ورأتها إحدى الخازنيات المتصدرة المكان - وكان الصدر للخازنيات وحدهن - غضبت من تأنق السيدة فوقفت صارخة تؤنبها وضربت طنطورها فرمته أرضا وهي تصرخ: "إذا كنتِ أنتِ يا فلاحة بتلبسي هيك .. إيش خليتِ لأسيادك المشايخ" ؟! ولم تكن «أم بولس» ممن يُقال لها هذا القول، فهي متعلمة والشيخة أمية، وأبو مسعد كبير قومه وقيدوم بلده، وابنها تحصل على علم لم يشتمّه أحد من الخازنيين! فرأت حكمة السيدة المُسعدية أن حرمة الموت يجب أن تعلو الفجور الإقطاعي الجاهل، وغادرت محافظة على تهذيبها.