مات الرجل. وسنذكر محاسنه، لكن لن نجعله نبياً أو قديساً لمجرد "احترام الموتى". وللنصفه سننقل ما ظهر منه. "المعارض الكبير"  لم يستح يوماً بأفكاره، فشجع على اغتيال عالماً إيرانياً، وصفق للغارات الإسرائيلية على دولة عربية (سوريا)، وهلل لـ"قانون قيصر"، وبرر الذهاب إلى العدو  هرباً من الوضع الداخلي، ونادى بالاستسلام بلا قيد أو شرط. هذا هو لقمان.  والأمر  لا يتنافى مع طلب الحق في قضيته وقضية أبناء هذه البلاد التي تختنق.

أما أصدقاء لقمان سليم الذين بدأوا يشكلون حالة وظاهرة يمكن تحديد عناصرها بسهولة. فهم الشيعة الذين يملكون منازلاً "لا تشبه الأماكن من حولها". يملكون سردية "مغرية": شاب/ة شيعي قارئ "سفسطائي" يملك مفاتيح بيئة طائفته، "يؤمن" بالسلام مع إسرائيل، وبأن "حزب الله" إرهابي وقاعدته الشعبية همجية، ومشكلة الطبقة السياسية مختصرة بهذا الحزب، ويقف مع المشروع  الأمركي لأنه يرى الولايات المتحدة أقوى بكثير من المحور الآخر ومن الغباء محاربتها. أتظنون هذا مزاح؟ لا، هذه الحالة تأخذ بالتموضع بشكل جلي. هؤلاء هم من يقولون أنه بحال "إسرائيل" هي من قتلت سليم فحتماً المسؤول هو "حزب الله". وعلى سبيل مثال، "المنجم" محمد بركات الذي توقع حدوث عمليات الاغتيالات من أشهر ، يعتبر أن المطالبة بالسلام مع إسرائيل هي حل لمشكلة البلد، فالكرامة لديه يختلف تعريفها عن الكرامة لدى أهل اليمن "الأغبياء"، الكرامة لديه أن تأكل وتلبس من دون عناء وليحكم البلد من يحكمها. إنها اختلاف تعاريف وأولويات إذاً. ويطالب بهذا السلام "تحت سقف الدستور" كما ذكر في "نقاشاته" معي وأمام الزملاء. وامتدت الحوارات لتصل إلى المطالبة بتنصنيف "إسرائيل" من القوى العظمى في المنطقة في إحدى المحاضرات، وللمفارقة كانت المحاضرة لدكتورة فرنسية تتمتع بنسبة عالية من "العلمية". أما الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين فنقاش طويل حول تصنيفه "احتلالاً" وحول المقاومة الفلسطينية وجدواها.

أما منزل "المغدور المنسلخ عن محيطه" (الضاحية الجنوبية)، فهو من المنازل العتيقة في المنطقة، وقبل أن يدلك google maps سوف ارسم لك معالم المنطقة، لتصل إلى "العالم الجميل" الذي يحتضن منزل سليم ستمر بحسينية ومسجد المهدي وتلفت قليلاً لترى جدارية الموت لأمريكا وستكمل الطريق لتصل إلى روضتي الشهداء. أما منطق الكتب الدال على الثقافة المتبع من قبل بعض المنصات الإعلامية للحديث عن ثقافة سليم و"جماعته" ورغم عدم موافقتي على هذه المعادلة السطحية إلا أنني سأسلم بها جدلاً. ورغم أن ما نسميه ثقافة ليس إلا نوع من الهلوسة الجماعية ونوع من الاتفراض الجماعي أنتج واقع وهمي لا وجود له. فالثقافة لا يعني أن أفكر خارج المألوف (وإن كان مألوفاً لدى عدونا) بل أن للإنسان الحق في التفكير واستكشاف أفكاره الخاصة، وهذا من المؤكد حق لسليم وعائلته لكنه يحتم أيضاً تكريس هذا الحق لـ"محيط سليم" الذي أنتتج  ثقافة مختلفة لا يمكن لأي ماكينة إعلامية تصويرها بالهمجية  إلا اذا كانت تحمل من الحقد ما يجعله كافياً لمحو تاريخ من الجهد البشري المنكب في هذه البقعة الجغرافية.

وللتفاصيل، وإنطلاقاً من المحيط الجغرافي الذي يضم "هنغاراً" وهو المكان المخصص لنشاطات سليم. "الهنغار" المنعزل عن محيطه ورغم علم هذا المحيط بالدعم الذي تلقاه سليم بالتزامن مع حملة "أحب الحياة" عام 2006 إلى اليوم وذلك بإعلان أميركي إلا أننا لم نسمع دعوة إعلامية أو داخلية بمقاطعته.  وبنظر إلى البقعة الأوسع غير تلك التي تفوح منها "رائحة الكتب" يمكن رؤية الكتب التي تسكن المتجر قبل المكتبات في الضاحية الجنوبية. فسالك الطريق إلى منزل سليم سيتشم رائحة كتب مكتبة الحسنين التي تعد من أكبر المكتبات في لبنان وتضم مجموعة واسعة من المراجع العلمية والتي يرتادها الآلاف لتقديمها خدمات تنافس فيها المكتبات العامة، مروراً ببسطات الكتب التي أعدها شباب المنطقة كمبادرات لوهب الكتب وتوزيعها بشكل مجاني لمن لا يملك المال. وصولاً إلى "المقاهي الثقافية" كفيلوسوفيا في شارع الشهيد راغب حرب، وهو المكان المعد بتقنية وجهد كبيرين لجمع الكتب وتحويلها إلى مكتبة وملتقى يعج برواد العلم والمعرفة. وبحال لم يلفتك الألوان والكتب المهترئة من كثرة قراءتها في "فيلوسوفيا" أو إن لم تصدق أن هناك ندوة بعنوان " الترجمة من رأس الكلمة إلى جسد المعنى" في هذا المكان، يمكنك أن تكمل السير لتصل إلى أكبر دور هذه المنطقة من حيث الانتاج والعرض، لتقول: يا للهول إنهم ينتجون الكتب أيضاً! عزيزي القارئ لا أريد أن أصدمك لكن نعم  إنهم ينتجون الكتب بشكل غزير إلى درجة يجب أن تخاف من هذه الظاهرة وتبدأ بالتساؤل عن الأهداف والآثار وميزانيات المراكز الثقافية لديهم (يمكنك استخدام هذه الفكرة كنواة تحقيق). فدار المحجة البيضاء يمكنك أن تضيع في العناوين التي ينتجها من كتب علمية بالدرجة الأولى وصولاً إلى الروايات وغيرها ليفوق عددها الـ3000 إصداراً خاصاً، ولسنا هنا بمعرض إظهار أن انتاج هذه المنطقة جامع ومنفتح على كل المسارات لأن كلّ جماعة "ايديولوجية" تنتج ما يشبهها وما يعبر عن الفكر الذي تملك، لكنك أيضاً ستعرف أيضاً أن هؤلاء "التبسيطيين" يقرأون!  

ويمكنك التعمق أكثر بانتاجات هذه البيئة التي تعبر عن أفكارها، لترى انتاجات دار الولاء التي تتحدث عن الشهيد شمران وباسل الأعرج لخلق أيقونات مجتمعية، والشهيد آويني الذي انتج أكثر من 100 وثائقي وهو رقم خيال بالنسبة لإعلامي.

ولأن أسطر هذه الصحيفة لا تلبي حجم معلوماتنا في حال قررنا تعداد الكتب الموجودة في كل منزل من منازل الضاحية الجنوبية، فيمكن لمكتبة الدكتور الراحل مهدي ناصر الدين، في الشياح، أن تختصر المشهد. المكتبة التي بدأ بجمعها  من صغره عندما عمل بائعاً للكتب في العازارية وصولاً إلى إنقاذ مكتبة يهودي من وادي أبو جميل سنة 1984 كانت مهددة بالحرق إذ اشترى 5000 آلاف كتاب باللغة الفرنسية وتعتبر من أمهات الكتب بالفلسفة والتاريخ والرواية إضافة هي كتب الشعر التي جمعها في سنين تحضيره رسالة الدكتوراه ليصل عدد كتبها اليوم إلى 10 آلاف كتاباً. وربما لو كان ناصر الدين على قيد الحياة سيخجل كاتب مقال عن دور النشر والمكتبات في الضاحية عن سؤاله حول رأيه بإظهار الضاحية بهذه الصورة.

وفي بحثك عن أمهات الكتب ونفائسها فبعضها لن ترى لها طريق سوى في زواريب الضاحية "الواسعة"، الكتب المتعلقة بالمير داماد والملاصدرا الطباطبائي والمعتزلي الأسدآبادي ومئات المخطوطات الموثقة والمحفوظة. هنا سترى أصحاب المكتبات كيف يصنفون الكتب  ويجلّون القديم النفيس منها ويميزوها عن تلك التجارية. من الظلم لا بل الإهانة ومن نكد الدهر أن يُجبر أهل هذه المنطقة للحديث عن انتاجهم الفكري والثقافي، ليبروا لمَن يظهرهم بلباس الهمج ويعتبر نفسه النور الوحيد في هذه البقعة.

يعز عليّ أن أكتب هذا المقال لانصاف أهل هذه المنطقة الذين يكتبون وينشرون ويناقشون ويأرشفون ويقرأون بلغات أيضاً.