لم يُفاجأ اللبنانيون بوقوع عملية اغتيال جديدة على الساحة اللبنانية. فمنذ حوالى الشهرين يبشّرهم العديد من السياسيين والإعلاميين و"المنجّمين" عن أشهر صعبة بانتظار لبنان، وقد يشهد خلالها خضّات أمنية على رأسها اغتيالات سياسية؛ تشبه تلك التي وقعت مرحلة ما بعد عام 2005.

هذه المرة اغتيلت شخصية لا تمثّل ثقلاً فكرياً أو إعلامياً أو شعبياً ملحوظاً في الساحة اللبنانية، وخاصة في الساحة الشيعية. وهذا ما انعكس في سؤال أساسي منذ اللحظات الأولى لسماع الخبر لدى الناس: من هو "لقمان سليم"؟ ومن قتل لقمان سليم؟ وما هي أهدافه؟

كالعادة وبعد حصول أي حدث، شهد خبر مقتل "سليم" انتشاراً كبيراً وسرعة هائلة باتهام حزب الله بقضية الاغتيال من قِبل بعض الإعلام المحلي والإقليمي المعروف مسبقاً بعدائه لحزب الله. وانجرّ إليه بعض رواد وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكن الأمر مستغرباً. فهم قد استغلوا قضية أكبر وأقسى ضد الحزب حيث وجهوا له اتهامات مباشرة بالوقوف وراء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب من سنة 2020. وهذا ما تبين أنه غير صحيح حسب التحقيقات الجارية حتى الآن لدى السلطات اللبنانية.

لم يتوقف الأمر هنا، بل انسحب الاهتمام - المثير للتساؤل - بمقتله إلى إدانات واسعة من مناصب رفيعة في الأمم المتحدة، ومن وزير الخارجية الأميركي، وحتى من زعيم الأكثرية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي الذي أعرب عن استيائه من هذا "الاغتيال" واعتبر أن "حزب الله يمنع تحقيق السلام في لبنان ويجب محاسبته على انتهاكاته"، كما فتحت بعض الفضائيات اللبنانية والخليجية البث المباشر لساعات من أجل تغطية الحدث، واستغلاله ضد حزب الله. هذا بالاضافة إلى قيام السفير الألماني بزيارة منزل الضحيّة في الضاحية الجنوبية بتغطية إعلامية محلية وأجنبية. وكما في أي اغتيال، فقد يتبدى للمراقب ملاحظتان لا بد من أخذهما بعين الاعتبار:

الأولى: أن من يقتل عادة لديه هدف، وقد يقع هدفه ضمن مسار متكامل في خطة يقوم بتنفيذها. ربما هذا المسار هو استمرار للضغط الاقتصادي والسياسي. وقد يضيف إليها المُخطّط التوتر الأمني الآن، في إطار تشديد الضغوط على لبنان التي بدأت مع الرئيس ترامب، ويعتزم اليوم الرئيسان الأميركي جو بايدن، والفرنسي ماكرون، الاستفادة منها لتقوية شروطهما في الساحة اللبنانية في مواجهة حزب الله.

الثانية: إن أوّل ما يدرسه عادة أصحاب القرار هو "عواقب تنفيذ القرار عليهم". ومن الصعب على حزب كحزب الله لديه تجربة طويلة وكبيرة في العسكر والأمن والسياسة، ومرّ بتجربة اتهام ظالمة ومرهقة له كاتهامه بمقتل الرئيس رفيق الحريري والعديد من القيادات اللبنانية، أن يقدم على هكذا عمل يعرف سلفاً مدى استغلاله من بغاة الإعلام والسياسة في لبنان والمنطقة والعالم، ضده. عدا أن الحزب يمر في مرحلة انتصارات تكتيكية واستراتيجية للمحور المقاوم الذي ينخرط فيه، وآخرها الاعتراف الأميركي على لسان "فيلتمان" بفشل سياساتهم في سوريا، مضافاً إلى يأسهم الكبير في تحقيق نصر عسكري في اليمن، وسعي بايدن إلى وقف الحرب اليمنية على أمل أن يحقق بالسياسة ما عجزوا عنه بدعمهم العسكري المطلق للسعودية في حربها هناك. ومن ثم احتمالية عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي مع ايران وما يعنيه من تخفيف ضغوط اقتصادية على محور المقاومة.

إن المستفيد من مقتل "لقمان سليم" بالدرجة الأولى ليس حزب الله. فهو على مدى أكثر من 15 سنة يتعرّض لشتى أنواع التهجم والسّباب والشتائم والتضليل من قبل خصومه، ومنهم الأشخاص المعارضين المحسوبين على طائفته، ممن لم يحرك ساكناً نحوهم، بالرغم من أنّ جلّهم يسكنون في مناطق حاضنة لبيئة المقاومة في الضاحية الجنوبية لبيروت (كحال لقمان) أو في الجنوب اللبناني. وإذا ما ذهبنا إلى احتمال أنّ الحزب أراد بقتله إسكات باقي الأصوات المعارضة له. فينبغي أوّلاً معرفة وقياس مدى تأثير معارضة وتهديد هؤلاء الأشخاص – مثل لقمان سليم- على حزب الله الذي يُعدّ قوّة إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوزها في الكثير من حسابات ملفات المنطقة. وهنا نستذكر اعترافات الدبلوماسيين الأميركيين السابقة؛ من "جيفري فيلتمان" إلى نائب وزير الخارجية الأميركي السابق "ديفيد هيل"، بأنهم دفعوا حوالي 10 مليار دولار لحلفائهم في لبنان (من منظمات مجتمع مدني ومحطات إعلامية وسياسيين وصحافيين)، ولم يستطيعوا خرق بيئة حزب الله كمشروع سياس أو فكري وتشكيل خطر عليه، أو حتى صناعة بديل له بالشكل الأدنى المطلوب. فهل حزب الله غبي وساذج إلى هذا المستوى حتى يُقدم لهم على طبق من ذَهب "قضية قتل" بهذه الطريقة وهذه الحيثية يمكن استغلالها إنسانياً وسياسياً ضده، على المستوى المحلي والدولي، وحتى داخل بيئته الشيعية؟.

في إحدى محاضرات "لقمان سليم" خلال مؤتمر "فك شيفرة حزب الله" الذي انعقد في الإمارات العربية أواخر شباط  2018، في محاولة حثيثة لفهم حزب الله وتركيبته من أجل مواجهته، صرّح "لقمان سليم" – بالصوت والصورة - بأن كلفة القضاء على حزب الله لن تكون من دون تداعيات على لبنان عامة، وعلى بيئته الشيعية خاصة، وهو بذلك كان يدعو إلى الاستمرار في الحرب على حزب الله (الذي أدان مقتل سليم في بيان صدر عنه).

كما صرّح "سليم" أنه يخشى أن لا يستفيق الشيعة إلا بنكبة تحصل للبنان وتطالهم. فهل اعتقد من يقوم بالعقوبات والحصار الاقتصادي على لبنان، ثم بالعبث بالوضع الأمني الداخلي أن نشر الفوضى وإراقة الدماء وعودة الاغتيالات التي بدايتها قتل "لقمان سليم" ستسرّع الانفجار بوجه حزب الله وتخلق مناخاً شبيهاً بمرحلة ما بعد 2005؟ وعليه هل قُتلَ "لقمان سليم" بشَفرة من أراد تنفيذ خطة "تفكيك شيفرة حزب الله"؟.