رحل الزعيم السوداني المخضرم الصادق المهدي (1935-2020) نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، بينما يواجه السودان في المرحلة الانتقالية الحالية أسئلة كثيرة كان الراحل فاعلاً رئيساً فيها سواء بالمشاركة في إجابتها أو الامتناع عنها أو التلويح بحلول خارج المتوقع لها، كان ختامها مسألة تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" ورفضه القاطع له، والجهود التي قادتها الإمارات لدفع السودان، معقل جماعة الرفض العربية منذ العام 1967، للانخراط في هذا المسار بمشروطيات اقتصادية ودبلوماسية مكلفة.

إجمالاً، تجاوز الصادق المهدي في حياته الحافلة الكثير من التحديات والتقلبات السياسية الجارفة في السودان صاحب التجارب الثرية –عربياً- في "الحكم المدني بعد الاستقلال" بقيادة المهدي نفسه في فترات مبكرة. كما قدّم إسهاماً نظرياً كبيراً يحتمل قدراً أكبر من الجدل والنقاش، دون الوقوع في خطأ تقليدي وهو الفصل بين سياقات أفكاره وزمنها ومضمونها، وربما تفهّم طبيعة شخصيته الذكية والبراغماتية في مواضع جمة.

حضر المهدي في قلب تفاعلات الاستقلال السوداني منذ أن كان طالباً جامعياً، وتولى رئاسة وزراء بلاده في مقتبل ثلاثينيات عمره وفي فترة مفصلية في التاريخ العربي، وتمكن من العودة مجدداً لرئاسة الوزراء في ثمانينيات القرن الماضي قبل انقلاب الرئيس المعزول عمر البشير على نظامه بدعم أيديولوجي وحركي كبير من حسن الترابي، زميل المهدي في زمن الدراسة الجامعية في لندن. أما في مرحلة إرهاصات سقوط عمر البشير وما تلاها من مرحلة انتقالية حالية، فقد ظل المهدي محافظاً على مسافة آمنة، رآها تليق بقيادته التاريخية، من أغلب القوى السياسية، والتدخل الضروري في كافة ملفات التفاوض سواء بين الفرقاء السودانيين أو الأطراف الإقليمية والدولية والمؤسساتية المنخرطة في المرحلة الانتقالية.

المهدي وإشكالية دور الفرد في التاريخ

مثّل الصادق المهدي نموذجاً فريداً ونادراً للغاية لدور فرد في تاريخ أمته من عدة نواح: فقد مرّ الزعيم السوداني الذي تجاوز عمره الثمانين عاماً بتجارب سياسية وثقافية وحركية وأيديولوجية منذ بواكير شبابه، واشتبك مع كافة مكونات القوى السياسية والشعبية في السودان ودول جواره، كما عرفه مقربون زعيماً وطنياً طلق اللسان، ذا رؤى حاسمة وخلاقة في مسائل خلافية محيرة، رغم وصف معارضين له بأستاذيته في الكلام "الرمادي"، وأجمع مريدوه ومعارضوه على سمة نرجسية في شخصيته تتجاوز الاعتداد بالنفس، أضفت عليه كاريزما نادرة عززها بدور وحضور اجتماعي فاعل ومستدام قلّ نظيره في السياسة السودانية والعربية بشكل عام.

وبطبيعة الحال، تصعب الإحاطة الموجزة بتغيرات المهدي وأدواره طوال عقود ترجع لستينيات القرن الماضي، تولى خلالها منصب رئيس الوزراء مرتين فارقتين في تاريخ تجارب الحكم المدني عربياً وسودانياً، وقاد معارضة شرسة ضد نظام عمر البشير، وقدّم إسهاماً فكرياً بالغ الثراء والتنوع . ويمكن اختزال دوره، بناء على إسهامه الفريد في تاريخ بلاده، وبناء على تصورات رواد تفسير أدوار الأفراد في التاريخ، كما فريدريك هيجل (فلسفة التاريخ، 1837) الذي رأى أن الأشخاص البارزين في تاريخ العالم هم محركوه.

إرث النشأة والدور السياسي

نال السودان استقلاله للمرة الأولى في العام 1885، بعد أربعة أعوام من النضال ضد "الحكم التركي- المصري" تحت لافتة المهدية التي أصبحت بدورها جزءاً لا يتجزأ من القومية السودانية.

وأخطأ الإداريون البريطانيون والعديد من المثقفين السودانيين، حسب خلاصة مهمة لجابريل واربرج (G. R. Warburg) عن الديمقراطية في السودان، عندما نظروا للمهديين الجدد في النصف الثاني من القرن العشرين على أنهم فئة دينية صرفة. بل كان الأنصار - بلا شك - جماعة سياسية دينية منذ بدايتها، قامت بانتظام ببناء إمبراطوريتها الاقتصادية ونخبتها المحدثة. وجسد الصادق المهدي أكثر من غيره من رجالات المهدية صواب ما ذهب إليه واربرج.

ولد الصادق المهدي في كنف أسرة عريقة في الوطنية السودانية، وترعرع في مرحلة شبابه في ظل والده الصديق عبد الرحمن المهدي مؤسس حزب الأمة القومي (1945)، والذي تقلد إمامة الأنصار في آذار/مارس 1959، وتلقى تعليماً إسلامياً منذ نعومة أظفاره بدأه بالخلوة بالعباسية ثم في الجزيرة أبا وأم درمان، وتلقى القسم الأكبر من تعليمه الثانوي في "فيكتوريا كوليدج" بالإسكندرية (1948-1950)، قبلة قادة نخب الدول الأفريقية الخاضعة للاستعمار، قبل عودته للخرطوم واستكماله تلقي علوم الفصحى وآدابها.

ووسط اضطراب سيرته التعليمية عمد المهدي إلى دراسة الزراعة في كلية سان جون بأكسفورد، قبل عودته مجدداً للخرطوم للدراسة بكلية العلوم بها بدءاً من العام 1952،  ثم توجهه لأكسفورد في العام 1954 لدراسة الاقتصاد والسياسة والفلسفة. وزامل في اتحاد الطلبة السودانيين بانجلترا (1955) عدداً من وجوه العمل السياسي والثقافي في السودان لاحقاً مثل حسن الترابي وطه بعشر ومكاوي خوجلي وآخرين. ووسط زخم النشاط الطلابي السوداني في لندن في ذلك الوقت استقبل اتحاد الطلاب، ومن ضمن أعضائه المهدي، رئيس الوزراء السوداني إسماعيل الأزهري خلال زيارته للندن وطالبه بتأييد فكرة الاستقلال. وحسب رؤية المهدي فإنه انخرط في المعترك السياسي، خاصة بعد توليه رئاسة حزب الأمة في تشرين الثاني/نوفمبر 1964، "لخدمة قضية الديمقراطية والتنمية والتأصيل الإسلامي" في السودان.

وعندما تولى المهدي رئاسة الوزراء (1966)، عبّر عن رؤيته للسودان بأن السمة السائدة للأمة إسلامية تتجلى أساساً في العرب، وأن الشعب السوداني لن ينال هوية خاصة به ومكانته المتصورة إلا في إطار إحياء إسلامي، وعوّل المهدي في ذلك على رؤيته أن العربية لغة الإسلام، ونظراً للعب العرب دور رئيس في ترسيخ الإسلام فإنه ثمة تماثل وثيق بين المسلم والعربي، وأن أمة العالم الإسلامي قد عُربت ثقافياً، وأن اللغة العربية أصبحت اللغة العالمية لجماعة دولية.

ويبرز التباين بين أفكار المهدي في مراحل تاريخية مختلفة في مسألة موقفه من "جنوب السودان"، على سبيل المثال، فقد تبنى المهدي خلال رئاسته الأولى للوزراء فكرة تعريب جنوب السودان عبر استغلال الاختلافات بين القادة الجنوبيين، واستخدام العلماء المسلمين وتجار الشمال، حسب تعبير المهدي، الذين مضوا للاستقرار في داخل السودان والامتزاج مع الجنوبيين بطريقة ودية، وإقامة مشروعات اقتصادية في الجنوب بتمويل من الشمال، أو من قبل العرب (الدول العربية) عبر الشمال، وتوطين عدد كبير من الجنوبيين في الشمال كي يتكيفوا مع بيئة الشمال، والعمل على نشر وعي جديد وسط الجنوبيين برفض فكرة أن الشمالي هو العدو الأول للجنوبي، والتأكيد بدلًا من ذلك على أن الشمالي والجنوبي هما ضحايا الإمبريالية وغزو الحضارة البيضاء. وهي أفكار تقترب إلى حد كبير، حسب ملاحظة ((B. Yongo-Bure في دراسة عن الإسلام والعروبة وتفكك السودان، من فكرة الرئيس المعزول عمر البشير –في سياق تاريخي لاحق- القائلة أن "العروبة دون إسلام ستتحول إلى قبلية".

أما في فترة رئاسته الثانية للوزراء (1985-1989) فإن حزب الأمة بقاعدته الإسلامية التقليدية لم يكن قادراً سياسياً ودينياً على التراجع عن فكرة تبني الشريعة الإسلامية بأية درجة من الوضوح والتحديد. وكانت الصلة بين "أسلمة القانون" واستئناف الحرب الأهلية في السودان في العام 1983 تعنى أنه لا يمكن تحقيق تقدم في التفاوض حول السلام خلال فترة "الحكم الديمقراطي"، بعد تعثر ملفت لهذه المفاوضات التي شغلت أغلب عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري تقريباً. 

وهكذا أثر إرث نشأة المهدي على دوره السياسي؛ ففي الحالة الأولى كان المهدي أكثر جرأة في نظرة احتوائية لقضايا جنوب السودان دون تقديم حلول "وطنية" من الداخل، أما في الحالة الثانية في الثمانينيات فإن المهدي –المتمسك بالخلفية الدينية- عجز عن تجاوز تركة الرئيس الأسبق جعفر نميري بتبني مقولات "الإسلام السياسي" مما عمق أزمة جنوب السودان وفاقمها لاحقاً في ظل نظام عمر البشير.

نقد مشروعه الفكري

قدّم المهدي مشروعاً فكرياً فريداً، غلب عليه جانب تنظيري تراوح بين التبسيط والجرأة في الأطروحات، عبر لغة ذاتية بشكل كبير تكتنفها قناعة بفراسة المؤمن الذي "ينظر بنور الله"، وفجوات معرفية ربما تثير فضول متخصصين مثل إشارته في كتابه المعروف "مياه النيل" (القاهرة، 2000) إلى فكرة الإرث الثلاثي في أفريقيا، التي ربما نقلها بشكل مباشر عن الفكرة التي طورها علي مزروعي دون إشارة إلى ذلك، وتقسيمها إلى ثقافات أفريقية المولد، والتراث الغربي الوافد إلى أفريقيا بمحتواه المسيحي، والتراث الإسلامي العربي الوافد إلى القارة، وهي فكرة توفيقية غير دقيقة وغير تاريخية، وتقوم على تصور غربي بالأساس وتتجاهل الامتدادات التاريخية للوجود المسيحي في القارة السابق على الوجود "الغربي"، وكذلك عمق التفاعلات العربية (والإسلامية لاحقاً) في القارة قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة، وتكرس –ربما دون وعي أو في تناقض ظاهري- لفكرة انتقدها المهدي وهي التفرقة بين أفريقيا سوداء وأخرى "بيضاء" (عربية) عبر خطوط تقسيمية قاطعة، لكنها تظل غير دقيقة تاريخياً، كما يتجسد –للمفارقة- في تاريخ السودان نفسه.

كما ثار جدل حاد بين المهدي وزميله حسن الترابي منذ العام 1983على خلفية تطبيق جعفر نميري للشريعة الإسلامية في السودان، واكتسب الجدل طابعاً سياسياً، وكان في جوهره، حسب ((B. Noble-Frapin في دراسة عن دور الإسلام في السياسة السودانية، جزءاً من صراع الأطراف السودانية على السلطة والشرعية في ذلك الوقت. لقد أدان المهدي سياسة تطبيق الشريعة كونها "غير إسلامية" (من جهة طريقة تطبيقها)، وألقي به نميري في السجن في مسعى لتحجيم الآثار السلبية لعدم تحالفه سياسياً وأيديولوجياً معه، ليصفه المهدي بأنه مسلم غير صالح ويستغل الإسلام لتحقيق تقدم في مساره السياسي، وليحاول نميري تفكيك ولاء المهديين لصادق المهدي بأن منح نفسه لقب "قائد المؤمنين" في تقليد للتعاليم الصوفية، واتهم أفكار المهدي بأنها "جسر بين المسلمين السنة والشيعة".

ثم واجه المهدي موجة فكرية عاتية من زميله حسن الترابي الذي ارتاد، وجماعة الأخوان المسلمون، راية التحول الراديكالي وتمكّن بدعم جهد كبير من الجبهة الإسلامية القومية، التي أدارت في حزيران/يونيو 1989 ثورة إسلامية متطرفة في السودان بمساعدة مؤيديهم في الجيش السوداني.

وهددت مكانة المهدي ومشروع حزب الأمة جراء عدم سعي الترابي وأنصاره لإقامة دولة إسلامية أصولية بل وإقدامهم، حسب قراءات مختلفة، على إصلاحات بعيدة المدى لا سيما في قضايا المرأة، الأمر الذي مثل تحدياً حقيقياً لأفكار المهدي دفعته لتحديث رؤاه بشأن قضايا إسلامية كثيرة لا سيما في الشق السياسي. وبالفعل استند المهدي في مواجهة حيوية أفكار الترابي وعنفوانها حينذاك، والتي تطورت لاحقاً إلى حاضنة للاستبداد السياسي، إلى تقاليد المهدية السياسية القائمة على "تصوف ليبرالي". كما أن المهدية ونظام حكمه، قدما الصلة المفقودة بين الإسلام الصوفي والدولة، بعد أن كانت الصوفية طوال قرون، حسب نص المهدي كما نقله ((M. Viorst في دراسته عن تجربة السودان الإسلامية: "إسلاماً محسوماً منه الدولة".

 وطالما انتقد المهدي ناقدي المهدية من صفوف حسن الترابي باعتبارهم ورثة من سبق أن أدانوا المهدي في نهاية القرن التاسع عشر وادعوا قدرتهم على حكم البلاد على نحو أفضل منه. لكن "الظروف الآن" مختلفة ولا تواجه حكومة الإنقاذ تهديداَ خارجياَ كالذي واجهته المهدية، والتحدي الأكبر أمامهم، بعد نهاية ما أطلق عليه التكالب على أفريقيا، تحدي إكمال توحيد "السودانيين" الذي بدأه المهدي وأسيء التعامل معه من قبل "نظام الترابي" كما وصفه المهدي، في رؤية تقفز أحياناً فوق وقائع التاريخ وتمزج الرؤى "الموضوعية" بالتحزب السياسي والأيديولوجي.  

خلاصات

تظل شخصية بقامة الصادق المهدي نموذجاً مهماً ومباغتاً وربما محيراً لفرضيات دور الفرد في التاريخ؛ فالمهدي يمثل دون منافس الشخصية الأطول عمراً في السياسة السودانية، والحكيم الذي تواصل معه الجميع بمن فيهم أركان نظام البشير قبيل سقوطه، والسياسي البارع ذو الهالة الملفتة، كما لمحه كثيرون ولفت انتباههم إلى طلاقة لسانه وسرعة مراوغاته "الدبلوماسية"، واتكائه على ثقافة رفيعة المستوى قلّ أن دانت لساسة عرب في مواقع مختلفة.

لكن الفصل في مسألة الدور التاريخي للزعيم السوداني الذي عاد بعد رحلة طويلة إلى "قبة المهدي" حيث أجداده ممن لعبوا أدواراً لا نظير لها في تشكيل الوعي الوطني السوداني منذ نهاية القرن التاسع عشر، مروراً بتكوين حزب الأمة وتمهيداً لذروة معركة الاستقلال الوطني، ووصولاً إلى تقلده دور حكيم المرحلة الانتقالية التي يشهدها السودان حالياً حيث قاد المهدي جهداً بارعاً في توجيه المرحلة، والاشتباك الواعي مع الأدوار الإقليمية فيها، يبدو عسيراً.  

وكما ظلّ المهدي مثيراً للجدل في حياته، فإنه خلّف جدلاً آخر يتعلق بوصية خلافته في قيادة حزب الأمة القومي، وما قيل عن اصطفائه لابنه عبد الرحمن المهدي، مستشار الرئيس المعزول عمر البشير والذي اعتذر علناً للشعب السوداني عن دوره في نظامه، وإن كان ذلك الاختيار مفهوماً تماماً في سياق شخصية الزعيم الراحل الصادق المهدي ورؤيته لنفسه في المقام الأول.