"بإمكانكم التفاوض مع دمشق لتحقيق هدفكم بإقامة حكم سياسي مستقل شرق الفرات، مع هذا لا ينبغي تكرار استفتاء الاستقلال الكارثي الذي حصل في كردستان العراق عام 2017". كانت هذه نصيحة الفريق المسؤول عن الملف السوري في الولايات المتحدة المبعوث السابق إلى سوريا جيمس جيفري.

يضيف جيفري في مقاله في "مركز ويلسون للدراسات" بعد التأكيد على أهمية التواجد الكردي حول الفرات، أن الحرب في سوريا لن تنتهي إلا بالضغط المستمر، ومن جميع الجبهات على الرئيس الأسد. بدايةً من حملة "الضغط المستمر" السياسية والاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة على الدولة السورية وحلفائها في المنطقة، الغارات الاسرائيلية، الجماعات التركية في الشمال، وصولاً للتواجد الأميركي في قاعدة التنف بجانب قوات سوريا الديمقراطية.

يعتبر جيفري أن الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا محور كل هذا الضغط، فبدونه ستنهار العناصر الأخرى وتفقد فعاليتها. فيما يعتمد هذا الوجود الأميركي على استعداد وقدرة قوات سوريا الديمقراطية على تأمين وضع القوات الأميركية.

يشدد جيفري على أن قوات سوريا الديمقراطية بحاجة إلى تفادي القيام بأي من الخطوات التالية في سوريا:

  • قطع شحنات النفط المتوجهة إلى دمشق.
  • إعلان الحكم الذاتي أو الاستقلال عن سوريا على غرار الاستفتاء الكارثي في كردستان العراق.
  • تقوية العلاقات مع حزب العمال الذي يعتبر جماعة إرهابية في تركيا.
  • الاعتداء على تركيا انطلاقاً من شمال شرق سوريا.

 

واقع الحال اليوم:

توسعت مناطق السيطرة العسكرية للفصائل الكردية في سوريا اليوم. تم تثبيت النقاط الاستراتيجية شرقي الفرات. والأهم أن الانسحاب الأميركي لم يتم بعد، إلا أن فائض القوة هذا وصل بالأكراد الى السؤال الأهم: "ماذا بعد؟". تعقيد الصراع في سوريا متعدد الأبعاد. في بعده الجغرافي، تنفرد منطقة شرقي الفرات بتركيبة عصية على الحل، خليط من الماء والزيت، مجموعة من القوى التي لا يمكن لها أن تصل إلى حل يرضي الجميع؛ الدولة السورية وروسيا، الولايات المتحدة، قوات سوريا الديمقراطية وتركيا وجماعاتها المسلحة. وسط هذا التعقيد يشكل التواجد الأميركي حجر عثرة لجميع الحلول الممكنة.

هدف الدولة السورية دائماً كان استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا، حتى أنها تتفق مع أنقرة في معارضة إنشاء منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي في سوريا. في غضون ذلك، تحاول موسكو لعب دور الوساطة بين دمشق وأنقرة والأكراد، وبطيبعة الحال سوريا في حاجة ماسة لعودة حقول النفط في ظل إزمة المحروقات والحصار الاقتصادي المستمر. على المقلب الآخر يتملّك تركيا الرعب نتيجة تعاظم قوة الأكراد على طول الحدود التركية السورية. أما قوات سوريا الديمقراطية فتحاول فرض سياسة الأمر الواقع على دمشق، فارضة حكمها الذاتي للمنطقة الشمالية الشرقية. وتتطلع إلى دمشق بنية السماح لها بالحفاظ على مجموعات مسلحة مستقلة عن الجيش السوري.

من جهة موسكو، واصلت القوات الروسية تكثيف تواجدها العسكري شمال شرق سوريا، ليصل تعداد قواتها إلى 1000 جندي في الحسكة. وثبتت حت الآن 18 قاعدة وموقعاً عسكرياً شرقي الفرات، وتحديداً في الحسكة والرقة ومنبج وعين العرب. فيما أرسلت حتى شهر كانون الأول/ديسمبر من العام المنصرم، مئات الآليات العسكرية والشاحنات من قاعدة حميميم في اللاذقية إلى بلدة القامشلي بالحسكة.

كذلك تم تثبيت القوات الروسية في مطار القامشلي الخاضع لسيطرة الدولة السورية من خلال قاعدة عسكرية روسية بالقرب منه. بالإضافة إلى ذلك، عززت موسكو تواجدها بنحو 1200 مقاتل من القوات الرديفة بالجيش السوري مدعومين من القاعدة العسكرية في المطار. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، تنقل بعض المعلومات أن روسيا تشرف على تدريب عدد من الوحدات المقاتلة تضم كلاً منها 300 جندي في كل وحدة، فيما تشمل التدريبات مهارات استخدام الأسلحة الثقيلة.

تثير هذه الزيادة السريعة في النفوذ الروسي شرقي الفرات قلق القوات الأميركية وتدفعها للتدخل بأي طريقة لإيقاف هذا التمدد. فيما تحاول موسكو من خلال هذه التحركات لعب دور الضامن للأطراف كافة.

سباق روسي أميركي:

عطلت الولايات المتحدة سابقاً مشروعاً روسياً يهدف لتشكيل مجموعات عسكرية في الحسكة. ومنعت القوات الأميركية وصول القوات الروسية إلى حقول نفط الرميلان شرقي القامشلي، لترد روسيا بإيقاف جنود أميركيين حاولوا الوصول إلى القامشلي، وإرغامهم على العودة إلى الرميلان.

بالعودة إلى تعقيد الصراع، إنما في بعده الزمني. مرت أربع سنوات من الجفاف في العلاقات بين واشنطن وأنقرة والتي انعكست على تفاصيل الخريطة شرقي الفرات، خصوصاً بعد عملية نبع السلام. حاولت الولايات المتحدة عبر القنوات الدبلوماسية أو عبر دعم الأكراد إيقاف أي تقدم تركي قرب الفرات. كما أنها تجنبت التدخل المباشر فهي لا ترى خطراً استراتيجياً يحيط بوجودها في تلك المنطقة. في قادم الأيام ينتظر الجميع قرارات الإدارة الجديدة في واشنطن، إلا أن أياً من الخيارات المطروحة لن يخدم الهدف بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية. سيعود بايدن، كما هو المتوقع، لإصلاح ما أفسده ترامب مع إيران وتركيا. وبالنسبة لأنقرة ثمن المصالحة معروف.

استمرار المسار التصادمي وبشكل متسارع في الفترة القادمة يدل على قراءة أطراف الصراع لحل في الأفق. وبلحاظ أن القوى الموجودة شرق الفرات كانت نفسها تدير الصراع في ليبيا، نرى أن ثمة إمكانية لتطبيق السيناريو الليبي، بالوصول بالعمل العسكري إلى الذروة ثم الجلوس لترسيم حدود الرابح والخاسر على طاولة المفاوضات.

تبقى تفاصيل أي اتفاق مناطة بسياسات القوى الكبرى، وبالأخص سياسات الولايات المتحدة الجديدة بإدارة بايدن، فهي المتغير الوحيد في الفترة القادمة بعد فترة من غياب السياسة الواضحة تجاه المسألة السورية. لذلك فإن أي حل ممكن مستقبلاً يجب أن يضمن الموافقة الروسية والتركية، والحد الأدنى من المصلحة الأميركية.

كل هذه المعطيات تفرض على الأكراد في سوريا إعادة النظر في سياستهم، الوجود التركي داخل سوريا يحرمهم من الحصانة الممنوحة لأكراد العراق، والبناء على فرضية استمرار الدعم الأميركي لهم على حساب علاقات واشنطن بأنقرة لا يتعدى كونه وهماً. في المقابل لا يزال باب التفاوض مع الدولة السورية مفتوحاً، مع اقترانه بهامش من التنازلات قد يبدو كبيراً نتيجة تعاظم قوة المجموعات العسكرية الكردية مؤخراً. إلا أن أي حلٍ على النسق الليبي لن تكون فيه لهذه الفئة إلا نصيب كبش المحرقة.