أنا أوّل معترف بانتهاء حلم القرن العشرين الشيوعي. وإنني كذلك أبعد ما يكون عن الاسطوانة الغبية العتيقة التي أصرّت على كون الشيوعية  فكرة جيدة جرى إفسادها على أيدي مستبدين منحطين. كلا: هناك مشاكل موجودة بالرؤية الأصلية، وبالتالي فعلينا القيام بإعادة تقييم لماركس ذاته. نعم: لقد حقق بعض الشيوعيين من الذين وصلوا الى الحكم وامتلكوا القوة، بعض الإنجازات الإيجابية، وقد حفظنا اللازمة: تعليم، صحة، مناهضة الفاشية. ولكن بالمجمل فإن الانتصار الحقيقي الوحيد لدى الشيوعيين ممن هم في السلطة هو ما حصل في الصين خلال العقود الماضية، والتي قد تكون أعظم قصة نهوض اقتصادي في تاريخ البشرية - حيث رُفع مئات الملايين من الفقر إلى الطبقة الوسطى. كيف حققت الصين ذلك الإنجاز؟ إن يسار القرن العشرين كان يُعَرَّف بمعارضته لنزعتين أساسيتين في الحداثة: حكم رأس المال بفردانيته العدوانية وديناميكياته التغريبية؛ والسلطة الاستبدادية - البيروقراطية للدولة. ما نجده في الصين اليوم ما هو إلا تطرّف في المزج بين هاتين الميزتين تحديداً: دولة قوية مستبدة، وديناميكيات رأسمالية متوحشة - وهذا هو الشكل الأكثر فعالية للاشتراكية اليوم… ولكن هل هذا ما أريد؟

تتجه الصين اليوم لتكون نموذجًا لما سمّاه هنري فاريل "الاستبداد المتشابك": وهي فكرة أنه "إذا تجسست دولة ما على شعبها بشكل كافٍ وسمحت لأنظمة التعلم الماكيني أن تدمج تصرفاتهم و تتجاوب معها، فمن الممكن خلق "منافس أكثر فعالية وقدرة للتغلب على الديمقراطية في لعبتها الأساسية" - موفراً حاجات الناس بشكل أفضل من الدولة الديمقراطية. لقد أصبحت الصين مثالًا جيدًا عن هذا النموذج: إذ يزعم كلاً من مؤيديها ومعارضيها أن الصين تخلق ديكتاتورية مستدامة - بالتعليم الآلي والمراقبة الشاملة -، قادرة على معالجة "معضلة الاستبداد الأساسية"، بـ"تجميع وتنظيم المعلومات والتجاوب لحاجات المواطنين بما يكفي غرض الاستقرار." ولكن يزعم فاريل أن هذا ليس الواقع، إذ تعاني الصين من عدم الاستقرار (إضرابات مبعثرة، حركات مستمرة منادية بالديمقراطية، معسكرات اعتقال، فقاعات ديون، انهيار مستوى الصناعة، خطف روتيني، فساد عارم، الخ). لقد وجد الغرب الليبرالي توظيفًا أفضل للسيطرة الرقمية من خلال الديمقراطية المتشابكة، أو ما يسميه البعض بـ"رأسمالية المراقبة" والتي تحمل في طيّاتها الديمقراطية والحرية مع حرص الدولة على نزع فعاليتهما.

ظهرت بوادر عن عدم استقرار الصين عبر حدث غريب في منتصف تشرين ٢٠١٩:  شنّ الإعلام الصيني هجومًا مروجًا لادّعاء أن "المظاهرات في أوروبا وأميركا الجنوبية هي نتيجة مباشرة لتقبل الغرب لعدم الاستقرار في هونغ كونغ": "يوجد العديد من المشاكل في الغرب وتيّارات الاستياء بكل أنواعه تكاد لا تحصى. حتما، الكثير من هذه المشاكل سوف يبرز بمشهد مشابه لتظاهرات هونغ كونغ". لكن ثمة واقعتان يصعب تجاهلهما. أولا، تقوم الصين "الشيوعية" من خلف الكواليس بالاستثمار في تقوية أنظمة الحكم والسلطات حول العالم ضد الشعوب المتمردة، محذرة الغرب من إساءة تقدير الاستياء في بلدانه، - وكأنهم جميعاً يتشاركون مصلحة أساسية في التمسك بالسلطات القائمة، بعيدًا عن مجمل الفروقات الأيديولوجية والجيوسياسية -. ثانياً، مشهد "القلق داخل الفردوس"، أي أنّ المظاهرات لا تقتصر فقط على بلدان فقيرة وصحاري مثل إيران، بل أيضًا في بلدان ذات ثراءٍ (أقلّه نسبيّاً)، وهي البلدان التي قُدِّمت حتى الآن على أنّها نماذج ناجحة (أقلّه اقتصاديًّا). تعبر هذه المظاهرات عن استياء متزايد غير قابل للتوجيه والتشكّل في إطار أنماط التمثيل السياسي السائدة - ما ينتظرنا هو مجتمع في حالة استثنائية بشكل دائم، في حالة من الطوارئ و القلق /الإضرابات المدنية المتتالية -. وتلك الموجة الغريبة من التظاهرات تمكننا من إعادة النظر في سقوط جدار برلين.

إنه من المعتاد أن نؤكد على "أعجوبة" سقوط الجدار منذ ثلاثين سنة: كانت وكأنها حلم تحقق: أمر خارج الخيال، أمر بعيد كل البعد عن التوقع حتى قبل شهرين من الحدث؛ تفكيك الأنظمة الشيوعية التي انهارت مثل بيت من الورق. من كان يستطيع أن يتصور انتخابات حرة في بولاندا مثلاً، تحت رئاسة ليخ فالينسا؟ ولكن علينا ملاحظة أن "أعجوبة" أكبر قد حصلت فقط بعد مرور سنتين: عودة الشيوعيين السابقين الى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية حرة، مع تهميش فالينسا وجعله بموضع أقل شعبية بمراحل عن "اللواء ووتشيه ياروجلسكي" الذي قمع حركة "تضامن" [برئاسة فالينسا] بانقلاب عسكري قبل عقد ونصف من قبل. وبعد عقدين من الزمن أتت المفاجأة الثالثة: أصبحت بولاندا تحت سيطرة الشعبويين اليمينيين الذين قد رفضوا كلا الشيوعية والديمقراطية الليبرالية. فما الذي يحدث؟

عندما تظاهرت الشعوب ضد الانظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، الأغلبية العظمى لم تكن تفكر في الرأسمالية. كانوا يرغبون في التأمين الاجتماعي، التضامن، حجم كبير من العدالة. كانوا يرغبون في حرية الحياة خارج سيطرة الدولة، قدرة التجمع والحوار براحة، كانوا يرغبون بحياة مكونة من الصدق البسيط، متحررة من التلقين الأيديولوجي البدائي والنفاق المتشائم السائد. باختصار، كانت المثاليات الملتبسة التي قادت المتظاهرين نابعة من الايديولوجيا الاشتراكية بحد ذاتها. وكما قد تعلمنا من فرويد، ما يتم كتمه يعود حتما وبشكل مشوه - في حالتنا -، ما كان مكتوماً من المخيلة المعارضة عاد بلباس شعبوي يميني.

في تفسيره لشيوعية أوروبا الشرقية، برز يورغن هابرماس كنموذج مثالي للفوكويامي اليساري، متقبلاً بصمت أن النظام الليبرالي - الديمقراطي الموجود هو أفضل ما يمكن أن يكون، وحيث أن علينا المحاولة في جعله أكثر عدالة، إلا أنه لا يجوز لنا تحدي افتراضاته الأساسية. ولذلك هو رحب تحديداً بما وجدها الكثير من اليساريين الثغرة الكبيرة في المظاهرات ضد الشيوعية في أوروبا الشرقية: وهو أن تلك المظاهرات لم تحركها أي رؤى لمستقبل ما بعد الشيوعية، فالثورات في أوروبا الشرقية ووسط أوروبا لم تكن سوى ثورات "تصحيحية" أو "متابعة"؛ كان هدفها تمكين المجتمعات الأوروبية الوسطى والشرقية من نيل ما كان يتمتع به الأوروبيون الغربيون، أي ببساطة: إعادة الاندماج في النموذج "المثالي" الأوروبي.

إلا أن احتجاجات السترات الصفراء بالتأكيد ليست حركات معارضة "لقيطة". وهنا نجد مفارقةً يجب علينا مواجهتها: إنّ الإحباط الشعبوي إزاء الديمقراطية الليبرالية هو الدليل على أن سنة ١٩٩٠ لم تكن مجرد فلتة ثورية، وأنها كانت تهدف إلى ما هو أكبر من تحقيق الاعتدال الليبرالي-الرأسمالي. فرويد، كان قد تحدث عن مفهوم "الاضطراب الثقافي"، أي القلق/الانزعاج في الثقافة؛ اليوم وبعد ثلاثين سنة من سقوط جدار برلين، فإنّ موجة التظاهرات المستجدّة والمستمرّة تشهد على نوع من الاضطراب في الرأسمالية الليبرالية، وهي تفتح الباب على سؤال بات ضروريًّا: من الذي سيعبّر عن هذا القلق؟ هل سيترك للقوميّين الشعبويين ليستغلّوه؟ هنا تنطوي مهمة اليسار الكبرى.

ما العمل؟ في آخر مشهد من فيلم (V for Vendetta)، يسير الآلاف من اللندنيين غير مسلحين، ملثمين بأقنعة "غاي فوكس" نحو مجلس النواب؛ وبدون توجيه، يسمح الجيش للجمهور أن يصل الى المجلس وأن يستولي الناس على الحكم. بالفعل، لحظة لطيفة مليئة بالشغف، ولكنني على استعداد لبيع أمّي في سوق النخاسة في مقابل مشاهدة الجزء الثاني من الفيلم: ماذا كان ليحدث في اليوم التالي بعد انتصار الشعب؟ كيف سينظمون حياتهم اليومية؟ باختصار، انا لست منبهراً بمئات الألاف من المتجمعين في ميدان كبير في أثينا أو اسطنبول أو غيرهما. ما يهمني هو اليوم التالي، بعد انتهاء الشغف والبهجة، عند عودة الأمور الى طبيعتها اليومية: كيف ستنعكس تجربة التغيير لدى عامة الشعب؟

يحاول توماس بيكيتي معالجة هذا السؤال. في كتابه "رأس المال والإيديولوجية"، يطرح ديمقراطية اجتماعية متجذرة. يصدق بيكاتي القول بأن الايديولوجيا تلعب دوراً فاصلاً اليوم، في عصر يتباهى بأنه تجاوز الايديولوجيا. ولكن تركيزه على الايديولوجيا يصل لدرجة السذاجة - فهو يفهمها بمعناها الحرفي: كان بإمكان اليسار أن يتقدم في تطبيق مشروع الدولة الديمقراطية الاجتماعية، إلا أنه قد أضاع تلك الفرصة منذ السبعينات بسبب العميان الايديولوجي. طرح بيكتي هو إعادة تجذير لدولة الرفاهية - ليس بالضرورة تأميم جميع الثروات على نمط شيوعية الاتحاد السوفييتي، بل الحفاظ على الرأسمالية مع إعادة توزيع الممتلكات بمنح كل فرد راشد مبلغًا محدّدًا مع إتمامه الخامسة والعشرين من العمر. ضرائب الدخل التصاعدية التي يطرحها قد تمكن الحكومات من منح الجميع دخل أساسي يساوي ٦٠٪ من متوسط الأجر في الدول الثرية ويغطي تكلفة تحويل الاقتصاد التقليدي إلى إقتصاد لا-كربوني. إضافة الى ذلك، يحق للموظفين نصف المقاعد في مجالس إدارة الشركات، مع وضع سقف ١٠٪ لقوة اقتراع أصحاب الأسهم من أصغرهم لأكبرهم، إلى جانب ضريبة كربون فردية تحسب ببطاقة شخصية لتسجيل مساهمة كل فرد في احتباس الحرارة. ولكن ماذا لو رفض الأثرياء دفع هذه النسب من الضرائب وقرروا الهجرة؟ يقترح بيكتي ضريبة سفر ونظام عدل عالمي يجعل من المستحيل الهروب من الضرائب في أي بلد. وفي هذا الصدد يتخيل مجلس نواب عالمي مكون من أعضاء منتدبين من السلطات التشريعية في كل بلد.

يُمثّل الحوار الغني والمطوّل بين بيكيتي وآلان باديو مأزق اليسار الراديكالي اليوم بأفضل شكل. رؤية باديو هي رؤية بروليتاريا رحّالة – مهاجرة، تصبح قوة ثورية عالمية عابرة لحدود الدول الوطنية والديمقراطية النيابية، تلغي الرأسمالية، وتفرض علينا تجاوز مفهوم الديمقراطية كما نعرفها، والتوجه نحو أمميّة ثورية جديدة. أطروحة بيكاتي لا تقلّ مثالية، مع أنّها تقدم نفسها على أنها عمليّة تبحث في الحلّ ضمن إطار الرأسمالية والمسارات الديمقراطية.

هناك حلم ثالث، وهو حلم الديمقراطية المحلية المنتعشة، وهو قد يكون الطرح الأسوأ في نظري. ليست بمفاجأة أن ممارسات اليوم من "الديمقراطية المباشرة"، من الفافيلات (عشوائيات سكنية شعبية بضواحي مدن البرازيل) وصولاً إلى الثقافة الرقمية الما بعد صناعية تعتمد على جهاز دولة - وكذلك بقاؤها يعتمد على نسيج مكثف من آليات مؤسساتية متناثرة: فمن أين تأتي الكهرباء والماء؟ من يضمن سلطة القانون؟ لمن نلجأ من أجل الرعاية الصحية؟ عندما يزداد الحكم الذاتي لدى أيّ مجتمع، تحتاج هذه الشبكة لأداء أكثر سلاسة وخفاءً. فربما علينا تغيير هدف النضالات التحررية من التغلب على العزلة والتغريب لدى فئات كبرى من المجتمع الى فرض النوع الأصوب منها: كيف نستطيع تفعيل الآليات الاجتماعية الخفية المتغرّبة، بشكل سلس، والتي تحافظ على مساحة المجتمعات غير المتغربة؟. هذا ما يجذبني نحو فكرة دولة الرفاهية: ليس علي مساعدة الفقراء بنفسي، حيث تقوم الدولة بهذه الوظيفة من أجلي حتى لا أضطر إلى مواجهة المهمشين والمحرومين. هذه خطورة العملية التي بدأت مع مارغاريت تاتشر - تذكروا قولها الشهير بأنه لا يوجد مجتمع بل ثمة فقط أفراد يسعون ويعملون، متحملين كامل المسؤولية عن مصيرهم. هذا يدخل نوعاً من النقيض المزيف للتغريب عن الواقع، استعادة زائفة لشخصنة العلاقات الاجتماعية، حيث يجب أن يكون هدف المساعدات تمكينهم من استعادة هذه المسؤولية. فلم تعد الدولة المجردة هي من تغطي التكاليف، بل أنا والاخرين من الكادحين، حيث يصبح من يتلقى المساعدات أيضاً ذو شخصية ووجه، أحياناً كسول وشرير، مستغل لكرمنا. وهل الأمر، ببعض جوانبه، ليس كذلك؟ بلى، لأن النظام المجهول المغرّب الذي ينظم حياتنا ليس وهمًا بل حقيقة وواقع. في مثل هذا الكون، تصبح كل عملية شخصنة (مثل التي طرحتها تاتشر)، كذبة إيديولوجية.

لنعود لسؤال البدء، لماذا لا أزال متمسكا بالاسم اللعين للشيوعية، مع كامل إدراكي أن مشروع الشيوعية في القرن العشرين قد فشل، مولّدًا شكلًا جديدًا من الرعب القاتل؟ دعوني انطلق مشيرًا إلى أننا نعيش في عصر منخور بالآفاق المروعة - ثمة مضاعفات للمخاوف الكارثية، تناقض حقيقي مع نبوءة القيامة. مع تحفظي في الحديث عن التحديات الكارثية، حيث أنني على وعي بمدى تعقيد وغموض هذا المجال - ولكن ثمة فقط خط رفيع يفصل ما بين إدراكنا الدقيق للمخاطر الحقيقية المحدقة وبين السيناريوهات الخيالية عن كارثة كونية في انتظارنا آخر الزمان. ثمة نوع خاص من الاستمتاع بمعاصرة آخر الزمان، في انتظار كارثة ما. والمفارقة هي أن مثل هذا الهوس بالكارثة القادمة هو تحديدًا شكل من أشكال التهرب من مواجهتها بجديّة. أتبنّى اسم الشيوعية ليس لأنها حلٌّ لمشاكلنا، بل لأنّه العنوان الأفضل الذي لا يزال يسمح لنا بتحديد المشاكل التي نواجهها اليوم.