اعتلى الشيخ يوسف القرضاوي قبل أعوام منبر صلاة الجمعة، وصبّ جام غضبه على الإدارة الأميركية: "نحن نريد من أميركا أن تقف وقفة الرجولة، وقفة لله! وقفة للخير، للحق مرة".

لسان حال الشيخ التسعيني - وهو من أهم فقهاء المسلمين في العقود الأخيرة -: "قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله". لكن يُسجّل له أن غضبه لم ينسه أهمية الشكر لمن أحسن إليه؛ "نشكرها على كل حال، وننتظر المزيد". تاريخ بلادنا حافلٌ بلقطات فوتوغرافية أو خطابات، تكثّفت فيها الدلالات فصلحت لأن تكون رمزاً في مسارنا ومصيرنا؛ وهذه واحدة منها. إلا أن التحولات لم تكن دوماً أحادية الجانب، فمنها التصاعدي كصورة الإمام الخميني العائد إلى إيران بعد سقوط الشاه التي بشّرت بكف يد الولايات المتحدة عن أهم معاقلها في غرب آسيا، وخطاب بيت العنكبوت المؤسّس لمسار كسر التفوق الإسرائيلي، ومنها التسافلي كزيارة السادات للقدس وخروج أكبر دولة عربية من دائرة الصراع مع "إسرائيل"، أو مصافحة عرفات واسحاق رابين والإعلان عن وأد العمل الفلسطيني المسلّح وولوج طريق الاستسلام والتنازل.

في هذا السياق، يمكن وصف خطاب الشيخ القرضاوي وما تلاه من تهليل لغزو ليبيا من قبل قوات "الناتو"، أو الاحتفاء بقصف إدارة ترامب لمنشآت الدولة السورية ("فعلها أبو إيفانكا" قالت الإعلامية في قناة الجزيرة خديجة بن قنة) على أنه تأسيس للمرحلة الأسفل من علاقة غالبية الحكومات المسلمة والعربية مع قوى الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وعنوانها استجلاب الهيمنة وتوسّل التدخل العسكري.

إن تسارع المتغيرات واستشراس الهجمة الأميركية لم تتركا مجالاً للمواقف الضبابية و"اللعب على المتناقضات". فحدة الفرز بين المعسكرين باتت جذرية، ولا فرق هنا بين فلسطيني وغير فلسطيني، عربي وغير عربي، والجميع بات يدرك أنه أمام حسم خياره بالالتحاق بأحد المعسكرَين: إما المعسكر الأميركي وملحقاته من صهاينة وأعراب، أو معسكر شعوب المنطقة وما يحوي من مكوّنات لم يمنعها تنوّعها من الالتفاف حول هدف واحد وهو كف اليد الأميركية عن منطقتها مع ما يحمله هذا الخيار من مشقّة وتضحيات وكثير من الصبر والفتن.
لو راجعنا أرشيف القرن الماضي، لوجدنا أن في عالمنا الإسلامي تراثٌ مشرّف لعلماء ومثقّفين من انتماءات مذهبية وقومية متنوعة حافلٌ بتنبيه شعوب الأمة من مآلات الاستخفاف بالأطماع الغربية في بلادنا، وضرورة الاصطفاف القابل للاختلاف حول أي مسألة ما عدا مقاومة هذه الهيمنة، نقتبس بعضاً منه عله يسهم في دحض دعوات السلام والحياد الخبيثة المنتشرة كالطاعون في بلادنا هذه الأيام
.

 يقول الشهيد مرتضى مطهري في مجلس عاشورائي عام 1965: "فلو أن هذا العدد الضخم (عدد المسلمين حينها) فكّر في تنظيم نفسه وقرر وضع الأهداف الإسلامية نصب عينيه، وعزّز التضامن الإسلامي بين أفراده، وقوّى من أواصر التعاضد الإسلامي، ووسّع من شبكة الاتصالات فيما بين قواه وتشكيلاته الداخلية، فإنه من غير الممكن أن لا يحسب له العالم حساباً خاصاً، كما هو حاله اليوم. إن سجلنا نحن المسلمين، في مجال التعاضد والتعاون الإسلامي، والتعارف (بالتعبير القرآني)، والاطلاع على أحوال بعضنا البعض والإحساس بالمصير المشترك فيما بيننا، سجلٌ ضعيف، وضعيف جداً، إن لم نقل بظلمه وشينه. إن الأمة التي لا تعرف الحقائق المحيطة بها أمة معرضة على الدوام لارتكاب الأخطاء، والانحراف عن النهج القويم. وبالتالي فإنها بدلاً من الانقضاض على العدو، وإلحاق الجراح به، تراها تدمي قلبها، وتسوّد سجلها. هي أمة تهيم على وجهها في الضياع والتيه. وهذا هو حالنا اليوم... ولست هنا بصدد الدفاع عن السلطنة العثمانية، لكنها على أية حال كانت تمثل دولة مركزية للمسلمين، حتى وإن كانت ظالمة لكنها كانت دولة مركزية. وما كان من وجهاء العرب السذّج إلا أن رضخوا لتحريك الحلفاء لهم ضد العثمانيين أملاً بالحصول على الاستقلال الذي وعدهم به الحلفاء. وبينما كان أولئك التعساء الجهلة يقاتلون بدون وعي ضد حكومتهم المسلمة، ولو نسبياً، كان الإنجليز قد عززوا تحالفهم مع الحركة الصهيونية الناشئة، ودعموا ذلك التحالف بوعد قدموه للصهاينة بأن تكون فلسطين لهم، وطناً في قلب العالم الإسلامي. هل تتصورون أن الهدف من وراء كل هذه الأعمال هو تشكيل دولة صغيرة لهم في فلسطين؟ إذا كان هذا هو تصوركم فأنتم على خطأ أكيد، ونحن جميعاً مخطئون، إنهم يعلمون جيداً أن مجرد دولة صغيرة لا يمكن  أن تستمر. فهذا الكيان يجب أن يكون إسرائيل الكبرى التي ستشمل حدودها ربما حتى إيران."

وهنا مقال لجمال الدين الأفغاني في مجلة "العروة الوثقى" التي أسسها مع قرينه الشيخ المصري محمد عبده: "برز الأوروبيون بضروب السياسة لتوسيع ممالكهم، وتفننوا بإيجاد الوسائل المؤدية إلى ذلك، وكان أسبقهم في الدهاء وأكثرهم في الاستيلاء الإنجليز، وهم في مقدمة من رأى من دول الغرب أن فتح البلاد، وتملكها بالجيوش والكفاح والقتال من مزعجات الأمور، وأن الدخول من باب المكر واللين والخديعة والختل، أوفر وأسهل.. إن هذا الاستعمار هو أقرب إلى الخراب والتخريب، وإلى الاسترقاق والاستعباد، منه إلى العمار والعمران والاستعمار. أما الرد عليه فهو في وحدة المسلمين وعودة هؤلاء إلى حقيقة دينهم. فليعلم كل مسلم أن من نيتها (إنجلترا) انقراض هذا الدين وأهله من وجه الأرض."

أما شكيب أرسلان اللبناني، فكان يأمل في العثور على حركة أو ثورة إسلامية يمكنها أن تشكل قاعدة حرب متواصلة ضد الاستعمار الأوروبي، ولهذا اندفع اندفاعاً قوياً في تأييد البرقاويين ضد الإيطاليين، وأهل الريف ضد الإسبان والإنجليز والفرنسيين. مع ذلك، كان يدرك ضعف المسلمين وتشتتهم وانحطاطهم إذا ما قورنت قوتهم بقوة أوروبا. وكان هاجسه إلى حد بعيد إيجاد قوة سياسية إسلامية تجابه قوة الاستعمار، وهو الذي رأى في أوروبا قوة سياسية منظمة قبل أي شيء آخر. "وقد انضم إلى الجبن والهلع اللذَين أصابا المسلمين اليأس والقنوط من رحمة الله، فمنهم فئات قد قرّ في أنفسهم أن الإفرنج هم الأعلون على كل حال، وأنه لا سبيل لمغالبتهم بوجه من الوجوه، وأن كل مقاومة عبث، وأن كل مناهضة خرق في الرأي، ولم يزل هذا التهيُّب يزداد ويتخمّر في صدور المسلمين أمام الأوروبيين إلى أن صار هؤلاء يُنصرون بالرعب، وصار الأقل منهم يقومون للأكثر من المسلمين". بحسب أرسلان، ليس صحيحاً أن الأوروبيين ينتصرون بسبب علمهم ومدافعهم وطياراتهم بل بسبب عزيمتهم.

خاتمة:

 تحرير فلسطين أم إزالة "إسرائيل"؟ تحقق أحدهما يفيد حكماً تحقق الآخر، إلا أنهما يختلفان من حيث انتخاب أحدهما شعاراً للعمل السياسي والتحرري. فالشعار الأول "تحرير فلسطين" قد يغلب عليه الطابع القيمي وحتى الرومنسي لمن هم غير فلسطينيين. العدو استغل هذه الثغرة لتصوير الأمر على أننا كمسلمين وعرب نقوم به كرمى لعيون فلسطين حصراً، وهو ما أفسح المجال في كل قطرٍ على حدى لإطلاق شعارات على شاكلة  "لبنان أولاً"، والدعوة للانصراف للأزمات الداخلية والحياد عن كل ما هو خارجي. إن قضية فلسطين وشعبها لن تكون يوماً عنواناً أولاً لنشرات الأخبار في كل دولة من الدول العربية والمسلمة وخاصة دول الطوق، مع ما تعانيه من بؤس وأزمات وحروب. الإنسان مبرمج على وضع سلّم أولويات لهمومه، وعند التزاحم، ينبري لغض الطرف عما هو أقل إلحاحاً لصالح الأكثر. والدعوة هنا ليست التخلي عن "قيمة" نصرة شعب فلسطين وحقه في تحرير كامل أراضيه، ولا تسخيف شعار المؤمنين "الصلاة في القدس"، بل المطلوب إبراز الجانب الآخر للقضية أي الجانب المصلحي المباشر. على كل عربي ومسلم أن يدرك أن للكيان الإسرائيلي نصيب في افتعال أغلب الحروب والأزمات التي يقاسيها.

"إسرائيل" بما هي كيان زرعته ورعته قوى الاستكبار قائم على نظرية الشعب السيد ،الذي بحسب سمير أمين "من حقه الحصول على المجال الحيوي الذي يرى نفسه بحاجة إليه". أما الآخرون، فإن وجودهم نفسه لا يسمح به إلا بقدر ما لا يتعارض مع تحقيق مشروعات من ينظر إليهم على أنهم "سادة العالم". وهكذا صرنا جميعاً، من وجهة نظر حكام واشنطن، هنوداً حمر، أي شعوباً ليس لها الحق في الحياة إلا بقدر عدم إعاقتها لتوسع رأس المال متعدي الجنسية للولايات المتحدة".

ما لم نعتقد يقيناً أن العائق الأهم أمام سيادتنا وأمننا هو أصل وجود هذا الكيان، وأن مصلحتنا في استئصاله هي تماماً كمصلحة الفلسطينيين، وأننا لا نقوم بهذا الفعل فقط "كرمى لعيونهم"، وأن كلفة بقاء "إسرائيل" تفوق كلفة إزالتها من الوجود، وأن تصوير "إسرائيل" على أنها دولة طبيعية يمكن التعايش معها والاستعانة بها لتحقيق الرفاه والازدهار يستدعي "الانقلاب في الماهية" وهذا محال، فمن المستبعد جداً أن نتمكن من تحشيد جبهة واسعة تنجز هذا الهدف وتستأصل هذا الكيان مع ما يمثله من استكبار وهيمنة غربيَّين. لذلك، فأولى أولويات أي بحث للتقريب بين المسلمين يجب أن يركّز حصراً على التفاف القلوب والبنادق حول هذا الهدف.