في القاموس، فإنّ  كلمة التفاهة -Mediocracy - تعني النّظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتمّ فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضاً عن الجدّية و الجودة.

لكن ما هي القيمة المضافة التي سيقدمها لنا هذا الكتاب أكثر مما نعيشه وندركه عن الواقع الرديء الراهن المحيط بنا؟ حيث تسبغ التفاهة نفسها على مختلف جوانب الحياة، وحيث نلحظ جميعاً صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والانحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيّب الأداء الرفيع، وهُمّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأًبعد الأكفّاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيّدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية.

في الحقيقة هناك عدة اعتبارات تجعل هذا الكتاب يستحق القراءة والدراسة والتأمل بأفكاره بهدوء:

فمع إدراكنا لكثير من التفاهة المحيطة بنا، لكننا لم نقدمها في عقلنا كما قدّمها هذا الكتاب على أنّها في واقع الأمر نظامٌ مكين، يضرب بجذوره في تربة المجتمع شيئاً فشيئاً، بشيء من المنهجية والاستقرار المرعبين. وقد نجح الكتاب عند صدوره عام 2017 نجاحاً كبيراً، ولاقى رواجاً في كثير من دول العالم بسبب أطروحاته الجريئة وأسلوبه المختلف.

مؤلف الكتاب هو ألن دونو(Alain Deneault) ، أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية. وهو أكاديمي ناشط، معروفٌ بالتصدي للرأسمالية المتوحشة ومحاربتها على عدة جبهات. حتى أنه لوحق قضائياً من قبل بعض أقطاب صناعة التعدين عام 2008، وذلك بعد أن أصدر كتاباً في العام نفسه بعنوان مثير: "كندا السوداء: النهب و الإفساد والإجرام في أفريقيا".

 ولأن هذا الكتاب يقدم أطروحة عالمية، حيث سنكتشف أن كل ما يتحدث عنه المؤلف في أماكن بعينها، إنّما يحدث، في الحقيقة، في العالم بأكمله.

ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق، إلى أنّ هذا الكتاب وإن كان ممتعاً الا أنّه مُتعب، من حيث الموضوع ومن حيث الأسلوب. والكتاب مختلف عما اعتاد عليه القارئ العربي، وفي الحقيقة فإنه يكاد يكون غير مريح، إلا أن الأطروحة الكبرى للكتاب تبقى مفهومة تماماً.

يدور موضوع "نظام التفاهة" حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدّى، تدريجياً، الى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة.

وهذه الفكرة قدمها المؤلف في هذا الكتاب بعدة أطروحات متداخلة:

كل نشاط في الفضاء العام (سياسة أو إعلام أو أكاديميا أو تجارة أو عمل نقابي...) صار أقرب لـ"لعبة" يلعبها الأطراف فيه. يعرفها الجميع رغم أنهم لا يتحدثون عنها.

أما لغة "خطاب التفاهة" تتجلى حسب المؤلف من حيث أنّ أغلب الناس يؤثر فيهم "الميثوس" (الأسلوب القصصي) المدرسّي المبسّط، أكثر بكثير من العقلانية والمصداقية، إلى حدّ يدعو للدهشة.

يشير الكاتب إلى أن للتّفاهة أداة لغوية هامة هي "اللغة الخشبية"، وهي اللغة الجوفاء المحمّلة بالحقائق و التأكيدات "التوتولوجية"، أي النطق بتحصيل الحاصل الذي يقوم على الحشو أو مجرد التكرار بألفاظ مختلفة من دون فائدة. وقد أورد المؤلف أنّ هذه الكتابة مستفحلة أكثر ما يكون، في أوساط السياسيين.

من جهة أخرى يلفت المؤلف الى موضوع "التبسيط الخطر" للمعارف، والذي إن تجاوز حدوده صار خطراً، لأنه يؤدي إلى خفض لدرجة الجودة. وبرأي المؤلف، قد لا تكون هناك جريمة أكثر فداحة من جريمة التبسيط العلمي الساذج، الذي ينزل بالمعرفة الى مستوى قدرات غير العارف، عوضاً عن أن يرفع قدرات الأخير بما يليق بمستوى المعرفة التي كان ينبغي نقلها اليها.

وفي الحقل الأكاديمي، فقد عالج دونو مسألة تسليع المعرفة الأكاديمية، وبيعها للجهة المموّلة للجامعات، وذلك ما جعلها تنحدر إلى درك التفاهة، ولتتحول الجامعات من منتج للمعرفة إلى متاجر بها، يعمل وسط من اعتبارات الكميّة والقيم الزبائنية.

ويشير المؤلف إلى المبالغة في الإكثار بخلق التخصصات الجامعية الدقيقة، لتكون سبباً آخر للتفاهة. فالجامعات الآن لا تعنى بترسيخ القيم العلمية التي طلبتها؛ من تفكير نقدي، ووقوف على العلاقات بين الموضوعات المتفرقة، والفضول المعرفي.

كما وتنتهي الأمور بالمؤسسات الأكاديمية العليا إلى إنتاج "الخبراء" ذوي التخصص الضيّق الذين يخدمون السوق، لا العلماء ذوي الأفق الواسع القادرين على مواجهة المشاكل الحياتية.

في كتابه هذا، يذكرنا المؤلف بالمسؤولية المباشرة للممارسات التجارية عن كثير من أوجه الانحطاط المجتمعي والأخلاقي التي آلت اليها حياتنا المعاصرة، والتي أدت الى تمكن نظام التفاهة من مفاصل هذه الحياة، مثل تنميط العمل بصورة تؤدي الى اضمحلال الحرفة وظهور المهنة.

ويولي المؤلف أهميةً كبرى لموضوعات الثقافة، حيث صارت أداة هامة في توطيد أركان نظام التفاهة، رغماً عن التسميات المؤثرة والهالات اللامعة التي تحيط بكل ما هو ذو علاقة بالثقافة، مثل اللغة والصحافة والكتب والتلفزيون والشبكات الاجتماعية.

ويتوقف المؤلف عند العمل السياسي- بما ينطوي عليه من سلطة وخطاب ومال وجماهير- كونه يمثل المساحة الخصبة لازدهار نظام التفاهة. وتمثل الديمقراطية، بما تنطوي عليه من مراكمة لكل هذه العناصر، بالضرورة، المجال الأخطر لذلك.

 لعل ما ينفع في مواجهة هذا التسطيح والابتذال الفكري والمسلكي هو " التفكير النقدي"، وأن يتوقف أصحاب العقول والمُثل عن التبرّم، والأهم من ذلك هو التوقف عن جلد الذات، وأن يبادروا الى استرداد زمام المبادرة من التافهين.

الكتاب: نظام التفاهة
تأليف د.آلان دونو
ترجمة وتعليق: د. مشاعل عبد العزيز الهاجري