- الأمة والصحوة:

للأمة الإسلامية دور حضاري حتماً. وللصحوة الإسلامية فيها دورها الآخر. ثمة عوامل ثلاثة في رأيي هي المسؤولة عن تغييب الأمة عن دورها:

العامل الأول: الركود الفقهي الذي جعل الحاضر والمستقبل أسيراً للماضي.

العامل الثاني: هو الركود الفكري الذي غيب العقل البرهاني (في الوقت الذي نرى فيه التوجيه الرباني هو في أن نتدبر هذه الأمور جميعها (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)).

العامل الثالث: هو سيطرة الاستبداد كما قال أحد الفقهاء؛ أي أن نجمع على طاعة المتغلب بصرف النظر عن الشورى أو المشاركة. هذه العوامل برأيي هي المسؤولة عن تدمير حيوية الأمة وبالتالي تحضير الأمة كلها للاستبداد والاحتلال الأجني الذي فرض على الأمة كلها سلطانه.

إن سلطان الأمة الإسلامية الضائع طيلة قرن مضى، لم يزل رهن الاحتلال بصورتيه المباشرة وغير المباشرة. فالاحتلال المباشر نراه ونعاينه في كل من بغداد، وليبيا، وغيرها من الدول الإسلامية المحتلة. والاحتلال غير المباشر هو احتلال فكري وثقافي للنفوس. أما الأمة الإسلامية اليوم، فمطالبة بأن تتحرر من أمرين: الوافد من الماضي من ركود واستبداد، والوافد من الخارج من احتلال أجنبي. وفي رأيي؛ إن المشروع الوحيد الذي يحرر الأمة من الوافدَين هو الصحوة الإسلامية، الوافد من الماضي بما فيه من ركود فكري واستبداد، والوافد من الخارج بما فيه من استلاب ثقافي وفكري.

الصحوة الاسلامية هي مشروع التعامل مع الوافد من الماضي بصورة تجعلنا نلتزم بالقطعي وروداً والقطعي دلالةً، ولكن أن نفهم هذه القطعيات فهماً مقاصدياً لا فهماً صورياً ولا فهماً سطحياً.

أما الوافد من الخارج. فيجب أن نستقبله لا محالة، بحيث نقبل منه العقلاني والمفيد والنافع من فكر إنساني فيه ما فيه من إشعاع العقل والتكنولوجيا، لكن بصورة غير مستِلبة. إذ تجعلنا قادرين على التعامل مع الماضي دون انكفاء ومع الوافد من الخارج دون تبعية. في رأيي التحدي الحقيقي للأمة الآن هي أن تتعامل مع الوافدَين بهذا المنطق.

- المواطنة في دوائرها الأربع:

لا شك أبداً أن "الوطن"، الإنتماء الوطني، نوع من الإيمان. فالدفاع عن الأرض والعرض شيء من الإيمان. ولكن الوطنية لا تستغرق كل الولاءات، هناك الولاء الوطني أو القومي وهناك الولاء للأمة وهناك أيضاً الولاء للأسرة الدولية. لكل من هذه الولاءات دائرته الخاصة، وهذه الدوائر يجب أن تتكامل لا أن تتناقض. فالوطنية وظيفة مهمة للشعوب، لكن يجب أن نجردها من العصبية حتى تنفتح قومياً، وجميع القوميات لها دورها لأن الرابطة الثقافية مهمة، لكنها لا ينبغي لها أن تتصادم بالدائرة الإسلامية. نعم، يوجد لدينا الحلقة الوطنية، ثم القومية، فالاسلامية، ثم الحلقة الدولية، وكلها ينبغي أن تتكامل بشكل تصاعدي.

نحن بني البشر ينبغي أن نقيم علاقات مع البشر الآخرين؛ علاقات مبنية على المنافع المتبادلة وعلى السلام، وهذا يفتح المجال أمام التفكير بالإنسانية كدائرة ولائية أيضاً. هي حلقات متكاملة برأيي.

- الحركة الإسلامية وسؤال الديمقراطية:

الحالة الآن من أسوأ ما تكون. ففي حِمأة الدوائر التي تحدثنا عنها تأتي مسألة الديمقراطية وقبول الآخر، في معترك كل دائرة من هذه الدوائر. نعم، هناك مسألة الديمقراطية. وأنا لا أتحدث عن الديمقراطية بصفة عامة لأنه اذا تحدثنا عنها بهذه الصفة يمكن أن نعتبر التجربة الغربية المقياس الأوحد لها. ولكني أتحدث عن معانٍ معينة فيها. أولها المشاركة؛ فالشعوب ينبغي لها أن تشارك في رسم معالم مصيرها. ثم إن المشاركة صورة من صور الشورى، وتكمن أهميتها في كونها المساحة السياسية المعبرة عن علاقة المسؤول بالشعب. فالمساءلة عنوان "الدين/ النصيحة". ثم الشفافية؛ أي الصدق في الحكم وسيادة القانون. كل هذه المعاني التي ينبغي أن نعتمدها في العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وينبغي أن نطالب بهذا. وهذه صورتنا التي ينبغي أن نمارس فيها الديمقراطية في مجتمعاتنا.

ثم نأتي إلى الاقتصاد، وتلك معضلة أخرى. أولاً، نحن مكلفون بإعمار الأرض بالنص القرآني. ثانياً: ينبغي أن نقرّ بضرورة إعتماد الملكية الخاصة. ثالثاً؛ ينبغي أن أن نسن ضرورة اعتماد التكافل بين الناس، باعتبار أن الحرية الإقتصادية المطلقة يمكن أن تؤدي إلى ظلم مطلق، كما قال الإمام علي (كرم الله وجهه) في عبارته؛ "ما متع غني إلا بما جاع فقير. إذاً، لا بد من وجود مشروع اقتصادي فيه دور للقطاع الخاص والاستثمارات، والرأسمالية المقبولة شرعاً، مع تقييد الأمر بأهداف اجتماعية وغايات سامية، أهمها التكافل الاجتماعي. إذاً، نحن أمام اقتصاد يعتمد جانبياً على اقتصاد السوق والملكية الخاصة، والتنافس والحرية، لكن في إطار أهداف اجتماعية تجعل من هذا المال وظيفة تمنع الصدام بين طبقات المجتمع. فالأمر منوط بأهداف تحقق العدل في المجتمع.