من مالي، هاجَرَ مامودو غسّاما إلى فرنسا بطريقة غير شرعية، ثم عاد إلى وطنه بطلاً مشهوراً، حائزاً على الجنسية الفرنسية بسبب فعل بطولي لم يستغرق منه أكثر من 30 ثانية!

مامودو شابٌ يبلغ من العمر 22 عاماً، أجبرتْه حربُ الإرهاب الطاحنة وتردّي الأوضاع الاقتصادية في بلاده إلى التّوجه نحو فرنسا بحثاً عن مستقبل مستقرّ له ولعائلته. في يوم من أيام باريس الدّافئة، كان مامودو يتناول الطّعام في أحد المطاعم، سمع صراخاً وسط ضجيج أبواق السّيارات وزحمة المارّة. شَخُصَت العيون نحو الطابق الرابع من المبنى المجاور للمطعم: طفلُ يتدلى، على وشك السقوط من شرفة منزله. رفع المارّة هواتفهم لتوثيق المصيبة، والبعض الآخر نادى فرق الإسعاف للنّجدة. مامودو ترك الجموع، تسلّق واجهة المبنى كـ"رجل عنكبوت"، اجتاز الطّابق الأول ثم الثّاني وسط تشجيع "المُشاهدين" إلى أن وصل إلى الطّابق الرّابع، أمسك بيد الطّفل وأنقذه من مصير الموت.  وثّقت الهواتف بطولة مامودو في فيديو، وجعلته حديث فرنسا والعالم. استقبله رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه شاكراً له مبادرته، وأعلنه سريعاً بطلاً حائزاً على الجنسية الفرنسية.

"البطل" حقيقةٌ مُلهمة يتعطّش لها ماكرون كثيراً، وغالباً ما يُردّدها على مسامع الشّعب الفرنسي في حفلات تكريم الجنود الفرنسيين المقتولين مؤخراً في مالي. يصرُّ دائماً على الحضور لإقامة مراسم تكريمهم في مقبرة العظماء (Panthéon)، حيث يُدفن عظماء فرنسا. هناك وفي جوّ عاطفي قومي وطني، أطلق ماكرون في أحد خطاباته جرس الإنذار وعبّر بصراحة يشوبُها القلق عن العصر الذي تعيشه الدّيمقراطيات الحديثة عامّةً، وفرنسا خاصةً: "عصرنا ينقصُه الأبطال، نحنُ بحاجةٍ الى الأبطال، إلى الأحلام والبطولات والخطاب الوطني الجامع". لدى ماكرون إيمانٌ عميقٌ بأهمية البطل في المُجتمع والأمة. بالنّسبة له، البطل "مصدر إلهام للأفراد ومعزّز أساسي للرّابط العاطفي بالوطن". فكلّما تسنّت له فرصة ما لطرح مسألة البطولة لا يفوّتها، وآخرُ هذه الفرص ما قاله في خطابه الذي توجّه به إلى الطّاقم الطُبّي في زمن كورونا: "الوطن ممتنّ للأبطال أصحاب القمصان البيضاء" مُستحضراً بذلك عبارة فرنسا التّاريخية المنقوشة على صرح البانتيون "الوطن ممتنٌّ للأشخاص العظماء".

وفيما رجالُ السياسة ومراكز الأبحاث الفرنسية المتخصصة في العلوم الإنسانية تُعلن عصر نهاية البطل لكل الأيام héros pour toujours)) وولادة أبطال جدد ليوم واحد (héros d’un jour)، يُعلن جزءٌ من العالم ترقية جنرالاً عسكرياً يُدعى قاسم سليماني "بطلاً عالمياً" شُيّدت له نُصُب تذكارية في أكثر من دولة، و أُقيمت له مراسم تكريم، ونُشرت له كتب تفسّر مدرسته، وأُسّس له مكتب لنشر تاريخه وقِيَمه كنوع من "الوفاء" والامتنان لأفعاله البطولية.

أمام هذا المشهد المتناقض في العصر ذاته، لا بدّ من طرح جملة أسئلة: من هم أبطال اليوم في الغرب؟ ولماذا غاب أبطال "كل الأيام" عنهم؟ من هم أبطال الشرق؟ ولماذا استمروا في أفعالهم البطولية؟ وأين دور الإعلام في كل ذلك؟

البطل والعدوّ متلازمان. والعدو شرطُ وجودِ البطل، وساحةُ المواجهة بينهما ميدانُ اختمار القدرات ومجال بروز الفضائل البطولية. يأتي ظهور البطل في إطارٍ معلومِ المحدّدات والظّروف، ثبّته الباحثُ الفرنسي جان بيار آلبير (Jean Pierre Albert) في سيناريو موحّد عالمياً. وضّح الباحث السيناريو في نص تحت عنوان "من الشهيد إلى النّجمDu martyr à la star " منشور في كتاب "صناعة الأبطالla fabrique des héros ". بحسب الباحث، يظهرُ البطل في زمن مرور جماعته بأزمة معقّدة عجز عن حلّها المسؤولون المعنيون. والبطلُ غالباً ما يولد من خارج المنظومة الحاكمة ومن فئة المظلومين المعذّبين، ولهذه المكانة الاجتماعية المُهمّشة الأثر الأكبر على تحقيق صدى أكبر وأكثر استمرارية لفعله البطولي. ففي تعريفه لمعنى البطولة، لا يولي الكاتب اهتماماً لحجم الفعل البطولي، إنما يركّز على الأساس والجوهر ألا وهو قبول البطل - بدافع ديني ووطني- خوضَ غمار الخطر والمعاناة إلى حدّ الموت، من أجل مصلحة المجتمع. والموتُ من أجل القضية يُرقّي البطل إلى رتبة شهيد، والشّهادة ما هي إلاّ التّجلّي العلني والمصداق الأبرز على التزام الفضائل البطولية. والموتُ لا يكون بطولياً إلا اذا تحقّق الوصل بين الفعل البطولي للشّهيد والمجتمع، أي استمرارية اشتغاله ما بعد الموت في تحقيق الفائدة للوطن على مستوين اثنين: الأول إيمان الجماعة بوجود الوطن بل واعتباره قيمة مطلقة توازي المرتبة المقدّسة، والثّاني تعزيز التضامن بين أبناء الشّعب بحيث يصبح البطل أو الشهيد رمزاً للتّفاني من أجل الجماعة. إلى جانب الدّور اللاّمتناهي للبطل الشّهيد في مجتمعه، يُبادل المجتمع شهيدهم بواجب اتّباعهم والاحتذاء بهم كشخصيات مُلهمة في سلوكياتهم الدّينية والأخلاقية، كشكلٍ من أشكال الامتنان وسدّ الدَّيْن.

لكلّ عصرٍ بطل ... وضحية؟

"لكلّ عصرٍ بطل" مَثَلٌ كوريٌّ يُعبّر عن رمزية البطل بوصفه علامة العصر والمؤدّي لوظيفة اجتماعية أساسية في بناء الأفراد والجماعات الإنسانية. ويفترض في الوقت عينه فرضية تَغَيُّر صورة الأبطال مع تَغيّر العصور. يختلف البطل من زمن إلى آخر، باختلاف العوامل الذاتية المرتبطة بالبطل كالقدرة والمكانة الاجتماعية، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية مرتبطة بطبيعة الصّراع والتّحولات في السّياق الثقافي الإيديولوجي للمجتمع.

في العصور القديمة، يُعرَّف البطل بنصف الإله أو الإنسان الأعلى، أي مزيج بين الخارق والإنساني. وهو أقرب إلى الأسطورة لما يُحقّقه من مآثر عظيمة. يحتلّ المُحارب مكانة أساسية في ميدان إظهار الأفعال البطولية إلى جانب مروحة واسعة من بطولات مرتبطة بفنون الرّياضة والأدب والفن والفلسفة التي تمحورت حول قيم الخير والنبل والشّهامة والمجد والقدرات الخارقة. ومع العصور الوسطى، وبروز المسيحية تغيّر مفهوم البطل، لم يَعُد هو الإله إنّما من سخّره الإله لتحقيق المُخطط المرسوم من قبله، وبالتّالي اكتسب البطل ميزة الشّفاعة. وتمثّلت صورة البطل في القدّيسين المُتواضعين الّذين يحاربون الرّذيلة ويتحلّون بالفضائل البطولية. وكذلك، هناك الفارس المحارب الباحث عن المجد، والمُدافع عن الملك الذي يكتسب شرعية سلطته من الإله. وبين الصورتين، يأتي الملك في قمّة صورة البطل الذي يجمع بين خصال القدّيسين وقوة الفارس فهو الحاكم والمقاتل وفاعل الخير.

في المقلب الإسلامي، ظهر الإسلام في بيئة عربية كانت تُعرّف البطل بذلك الشّخص الذي يتميّز بالشّهامة والكرم والنبل والأخلاق والقوة الجسدية، إلا أن التحوّل الذي فرضه الإسلام هو في وُجهة وغائيّة الفعل البطولي، بمعنى تجيير كل الأفعال البطولية للخير وتحقيق العدالة والحرية، بعيداً عن الفكر القبلي القائم على العصبيّة والظلم والتسلّط والعدوان. وبالتّالي، صارت البطولة في سبيل الله ونشر الدين الإسلامي ونُصرته، والتضحية بالنفس حتى الشهادة إحياءً للحقّ. لم تنحصر البطولة في الإسلام في صورة البطل المجاهد، إنما شملت أيضا المفكرين والعلماء وكذلك بُناة الحضارة الإسلاميّة.

أما التحوّل الجوهري لمفهوم البطل هو مع عصر النّهضة، حيث استقلّ الإنسان عن الكنيسة وتحوّل إلى مركز الكون ومحور الفعل، وسادت قيم المساواة والعدالة. الصّورة التّقليدية للبطل صارت موضوعاً للسّخرية والتهكّم، ووُلدت صورة جديدة للبطل والتي نجد فيها مكانة مميزة للمرأة. فصار تعريف البطل(ة) تلك الشخصية الملتزمة بقيم الجمهورية، إضافة إلى أنها شخصية من عامّة الناس، موهوبة وذكية وقادرة على اتّخاذ القرار، والمُعاندة لسلطة الكنيسة.

ومع تمتين دعائم الكيان السياسي المتشكّل حديثاً والمّسمّى بـ"الدولة الأمة"، أُعيدت صورة البطل التّقليدية من جديد مع إدخال قيم خلقها عصر النهضة، فباتت صورة البطل مزيجاً من التّراث الكلاسيكي (الشّجاعة، النبل الأخلاقية) وتراث التنوير ( الكفاءة والديمقراطية والعلمانية، والالتزام المطلق بقيم الجمهورية) وكان نابليون بونابرت أحد أبرز تجلّياتها.

وبعدما خمدت نار الحرب العالمية الأولى وخفت ضجيج البروباغندا الإعلامية، بدأت تتكشّف في الدّول الغربية الدّيمقراطية هُوية الضّحايا. وكلّما ظهرت الضّحية انزلقت هوية البطل نحو المجهول. وتحوّلت الحرب من حرب الأبطال إلى حرب الضّحايا التي جرّدت المعارك من أي صفة مرتبطة بالبطولة. أصبحت الضّحية هي المقدّس وما كان يٌسمى بالبطل صار شيطاناً. ولكن، مع قدوم الأنظمة التوتاليتارية في النصف الثاني من القرن العشرين، عاود مفهوم البطل بالظهور من جديد تحت عنوان "البطل المقاوم" المقاتل في فرنسا، لـ "البطل العامل والمسلّح" في الاتحاد السوفياتي، و"الإنسان الأعلى الرّجولي" في ألمانيا النّازية.

أبطال ليوم واحد

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتفقت الدول المتحاربة فيما بينها على نسيان لغة الحرب في الغرب ونشر لغة السلام، على أن تدخل في عالم الاستعمار  ونهب الثروات المقنّع تحت شعارات الانتداب في منطقة الشرق الأوسط. غاب العدوّ في الغرب ومعه تقاعد "البطل المقاوم". وُولد أبطالٌ جدُد في بيئة مستنزفة اقتصادياً عُرفوا بالأبطال الخيّرين، يمثلون قيم العدالة والتضامن والإنسانية كالكاهن أبيه بيار ( (Abbé Pierreالذي أسّس جمعية لرعاية الفقراء وتقديم المعونة لهم. وعند البحث عنه يتردّد في كل مقال تعريفي عنه مقتطف من كلمته الشهيرة التي توجّه بها عبر الرّاديو إلى الشّعب الفرنسي بنداء إنساني عاجل: "أصدقائي، إخوتي، النّجدة! هناك امرأة تموت متجمّدة"، وذلك بعد أن ضربت فرنسا موجة صقيع عام 1954. بعد طيّ صفحة آثار الدمار والحرب، بدأت الدول الغربية تفتقد شيئاً فشيئاً الأبطال. هنا جاء الإعلام والسينما لصناعة الأبطال الخارقين، فظهر "باتمان" ثم رجل العنكبوت "سبايدرمان" وغيرهم. وهؤلاء هم أبطال يتمتعون بخصال الأبطال الكلاسيكيين ولكنها مدعّمة بخصال جديدة: حب، صداقة، احترام،... ولكن في بلاد فيتنام المحترقة بنيران الطّيران الحربي الأميركي، شهدت ميادين القتال وجود أبطال حقيقيين يُصارعون محتلاّ بأرواحهم الثائرة وأجسادهم النّحيلة. هناك في فيتنام، اجتمع البطل والضّحية (الشعب الفيتنامي) ليس كنقيضين تٌلغي الثانيةُ الأول، إنّما كشاهدين على وحشيّة العدوّ الأميركي. إنّها الحقيقة التي لا تريد أميركا الكشف عنها، فجاءت بمصانع الإنتاج السينمائي الهوليودية الكبرى لتصنع من جنود أميركيين هُزموا في أرض فيتنام أبطالاً إنسانيين.. واستُبدلت مفاهيم النّصر والهزيمة والتكتيك والمقاومة بمفاهيم الدّراما والمسرحة وسينوغرافيا الحرب.

وفيما كانت رسوم وأفلام الأبطال الخارقين تحقّق نجاحاً لامعاً، أشبع الإعلام تعطّش الجمهور إلى البطل عام 1969 وذلك بتغطية مباشرة لهبوط أول إنسان على سطح القمر. حدثٌ حظي بتغطية إعلامية ضخمة وهي الأولى من نوعها في التاريخ. حينها لُقّب نيل أرمسترونغ بالبطل الغازي المُسالم، وقُدّمَ إنجازه كانتصار للعالم الحرّ على العالم المغلق والمقصود به ما وراء جدار برلين. ثم تلاه "أبطالٌ" في عالم الرّياضة والاقتصاد والتّقنية والفنّ، حظوا بتغطية إعلامية آنية وسريعة مما حقّق لهم شهرة عالمية. ونظراً لكثرتهم، صار بطل اليوم يمحي ذكرى أبطال الأمس، وهكذا دوليك.

أبطالٌ كُثر، ولكن لأيّ أفعال بطولية؟ هنا يشرح الباحثون عن بداية التأريخ للحقبة التي انفصلت فيها مُفردة البطل عن فكرة البطولة التي تشتمل على صفات الشجاعة والقوة والبسالة والمآثر وتقوم على مبدأ التّضحية من أجل قضية في جوهرها الدّفاع عن الآخر وفناء الذّات بها. وبات الحديث عن بطولة أخرى بسمات تُعلن ولادة ما أسماه  Jean Pierre Albert "ظاهرة نموذجية للإنسانية الفردية" تدّعي خدمتها للإنسانية ولكن في جوهرها هي من أجل الفردانية بالمطلق. وهي ظاهرة وُلدت في سياق ثقافي إعلامي جديد سادت فيه العولمة وقيم الفردانية مع تطور للصناعة الإعلامية القائمة على فكرة "تضخيم البطل ثم تقطيعه ثم ابتلاعه ثم لفظه الى مقتطفات وجيزة سريعة تحت شروط الإبهار والتشويق"، ثم الزجّ به إلى معركة استطلاعات الرأي و"الرايتنغ"، بغضّ النظر عن الإفادة المجتمعية والمآثر التي حقّقها. بمعنى آخر، "الشهرة" حلّت مكان "البطولة".

قاسم سليماني: بطلٌ لكلّ الأيام

أمام هذا المشهد المُشبَع بالرّموز المصطنعة والبطولة الفردانية الذي ساهم الإعلام في تعزيزها وأعلمتها ونشر قيمها، مشهدٌ آخر مختلفٌ كلّيا تجدُه في دول أطلقت على نفسها "محور المقاومة" والتي حدّدت أعداءها بدقة: أميركا و"إسرائيل" والإرهاب التكفيري. في هذا المحور، أبطالٌ بعيدون عن أضواء الشهرة في ظلّ مطاردة مستمرة من الإعلام المعادي بالشّائعات والأكاذيب لشيطنتهم وتجريدهم من أفعالهم البطولية. لحظةُ استشهاد البطل هي بمثابة الإذن بالكشف عن بعضٍ من بطولات الشهيد، فتظهر صورُهم التي خبّأها الرّفاق، وتُنشر كلماتُهم ومواقفهم التي احتفظ بها الأصدقاء. فتجدُهم أبطالاً إنسانيين، دمعتُهم سيّالة وعيونُهم برّاقة ووجوهُهم مبتسمة، على العكس تماماً ما تروّج له الإمبراطوريات الإعلامية الغربية. يوضّح فيليب جيرالدي، وهو ضابط سابق في "مكافحة الإرهاب" في وكالة الاستخبارات الأميركية، أهداف الإعلام والنظام السياسي قائلاً إنّهم في "الغرب يصوّرون هؤلاء الاشخاص [أي قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس] على أنّهم الشّر بعينه، لأن في الوقت الذي تقتلهما فيه أميركا أو إسرائيل يبرّران خطوتهما تلك بهذه الذّريعة. وهذه بروباغندا تحوّلت إلى واقع. وممّا سمعته عنهما، ومما قرأت عنهما، أرى أنهما كانا قائدين عسكريين مؤثّرين. وفي رأيي إنهما أقرب لأن يكونا من الأخيار من أن يكونا من الأشرار".

 هذه هي جدلية العلاقة بين الإعلام والبطولة، بين أن يصنع الإعلام بطلاً مزيفاً وأن يشيطن بطلاً حقيقياً، وفي حالات نادرة أن يُنصف بطلاً حقيقياً.

يقول العميد المتقاعد في الجيش الأميركي مارك هيرتلينغ في مقابلة له على شاشة cnn: "إن قاسم سليماني شخصية رائعة، عمل في المجال القتالي طوال حياته ويُحبّه الجنود الّذين يقودهم. وهو شخص هادئ يتمتع بجاذبية عالية، وعبقري على الصّعيد الاستراتيجي ومُشغّل تكتيكي".  هي شهادةٌ من شخصية تابعت ملف قاسم سليماني طيلة فترة تواجدها في العراق. وإن قاربنا الصّفات الواردة فيها بصفات القائد الواردة في كتاب "فن الحرب" لصن تزو، نجد تطابقاً واضحاً بينهما على مستوى الإدارة والفكر العسكري وعلاقة القائد بالجنود وهيئة الكاريزماتيكية.

سبَقَ لسُليماني أن قدّم طرحاً أشبه بنظرية، بلغة علمية ووجدانية في آن معاً، مُحاولاً تقديم الإجابة على سؤال: "كيف نتحوّل إلى أبطال؟"، منطلقاً من تجربته الطّويلة في ساحات المعارك. هو يعتقد بأن هناك مجموعة عوامل حقّقت مثل هذه التربية والشخصيات العظيمة (في حينها كان يتحدّث عن شهداء الدفاع المقدس) لخّصها بمفردة "الجبهة" أي ساحة الحرب. يُشَبّهُ سُليماني الجبهة بـ"الفرن الذي يخرج منه الأشخاص ناضجين"، ويعرّفها بأنّها "ساحة بروز الخصال والشجاعة". بالنّسبة له، الجبهة تقوم على خمسة أركان كفيلة بأن تحوّل المقاتلين إلى أساطير، وهذه العناصر بحسب سليماني هي:  

الرّوح الجهادية: هي التي تدفع بالمقاتل إلى الإقدام على عمل لا يسمح به العقل العسكري، ولا يخضع لشروطه ولكنه ينجح لأنه أبدع أساليب قتالية جديدة وحطّم الموانع والشروط.

الأخلاق: الأدب هو الحاكم في الجبهات، القائد يقول لجنده الأخ، والجندي يقول لقائدة الأخ. لا تراتبية ولا مناصب ولا مجال للتكبّر والغرور.

المعنويات: هي أن تردّد آيات من القرآن الكريم في اللّحظة التي يكون فيها الانتصارُ ضعيفاً وواقعُ الميدان صعباً، فتُحقّق الآيات القرآنية المُعجزات. ويبقى الأمل بالانتصار حاضراً دائماً.

العبودية: أي العمل لأجل الله [ليس لأجل الذات].

الولاية: اتّباع الإمام وطاعة أوامره كونه يسير في تعاليم ونهج مدرسة بطل ملحمة كربلاء الأبدية.

في الختام: "كلّه خير"

لدى المُنظّر الأميركي فرانسيس فوكوياما نظريةٌ تقول إنّه عندما يسود النّموذج الأميركي على العالم ستكون نهاية التّاريخ؛ أي لن يكون هناك نموذج جديد يستطيع منافسته، وسنصل إلى "الإنسان الأخير" ذي هيئة ليبرالية أميركية. ولكن على وقع هزائم أميركا في العراق وأفغانستان، تراجع فوكوياما عن نظريته وأعلن تأجيل النهاية، ربما لأن الشرق لا زال يحبل بالأبطال.