"RAGE" اختصار مركب من الأحرف الأولى لأسماء الدول روسيا – أميركا – ألمانيا – أوروبا (الاتحاد الأوروبي). من المفهوم طبعاً أنّ الصين تحافظ على علاقاتها السياسية الخارجية مع عدد أكبر بكثير من هذه الجهات الأربعة. ولكن من أجل تبسيط المقاربة، سنركّز الكلام هنا على هذه الجهات الأساسية، ونحاول إظهار شبكة العلاقات التي تحكم علاقة الصين بها وارتباطها فيما بينها، لأنّ هذه العلاقات هي التي تصنع المشهد السياسي العالمي اليوم. هي قصة طويلة بلا شكّ، لكنّنا سنقوم بتقصيرها. دعونا نبدأ بروسيا.

روسيا والصين

استولى الصينيون لعقود من الزمن على منطقة الحدود الصينية الروسية، وبشكل غير علنيّ. لكن كيف حدث هذا؟ يعيش حوالي ثلثي سكان روسيا في الجزء الأوروبي من البلاد وبالتالي فإنّ ثلث السكان فقط ينتشر على المساحة الأكبر من البلاد. منذ انهيار الكتلة الشرقية، وخاصة منذ أن حدّد بوتين تركيزه على ثروات البلاد وركّز اهتمامه ومشروعه الرئاسي على الجزء الأوروبي من البلاد، حصلت موجة قوية من الهجرة الداخلية لدى الروس. بدأت بعض المدن بالاضمحلال وأغلقت العديد من المصانع، فيما أصبحت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية الروسية مهملة. اجتذب هذا الفراغ تدريجياً الشعب الصيني الذي احتلّ الأرض للزراعة، مدفوعاً بتغيّر المناخ والتغيّرات الطبيعية المرتبطة به (ذوبان التربة الصقيعية، وفترات أطول من تواجد الغطاء النباتي). نحن لا نتحدث هنا عن بضع كيلومترات مربعة. يمتدّ النفوذ الصيني في بعض الأماكن بالفعل عدّة مئات من الكيلومترات إلى داخل الجغرافيا الروسية. وبطبيعة الحال، وَجدت المنتجات الزراعية المزروعة في روسيا الصينية طريقها إلى الأسواق الصينية وليس الروسيّة. ونظراً لعدم قيام أحد بمنع الصينيين أو تحويل العلاقة إلى طابع ذي إطارٍ تجاريّ، فقد قام الصينيون بالاستفادة من المواد الخام الطبيعية مثل الخشب في وقت لاحق، وتم استخراج الموارد المعدنية، كما استبدلت الثقافة الروسية في هذه المناطق بالثقافة الصينية. يمكن مناقشة ما إذا كان من الممكن إلغاء هذا الاستيلاء غير القانوني على الأراضي والعودة بالزمن إلى الوراء. ومع ذلك، بدأت نار المقاومة والاحتجاجات مؤخراً بالاشتعال في صفوف السكان الروس المتبقين، وقد أدّت الاحتجاجات إلى جدالٍ مع الصينيين. كيف سيكون رد فعل الحكومة الصينية إذا سقط ضحايا أو حصلت حركات عنفية؟ ما يثقل كاهل الجانب الروسي هو حقيقة أن نظام بوتين يقوم على حكّام المقاطعات، الذين يتعرضون الآن لضغوط هائلة من السكان. بإمكان الدولة الصينية إذاً أن تُهدِّدَ بوتين وأساسه الشرعي للحكم بشكلٍ غير مباشر.

دعونا نبقى في هذه المنطقة. تعتبر روسيا الجمهوريات السوفيتية السابقة هذه بمثابة ساحتها الخلفية: أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان. لكنّ الصينيين يعلنون عن رغباتهم بشكل متزايد في سياق تنفيذهم لمشروع طريق الحرير بزيادة نفوذهم في هذه المناطق. من وجهة نظر الرئيس الروسي، فإنّ التعبير عن مخاوفه بشأن تهديد حدوده هو أمرٌ أكثر من مبرّر. بعبارة أخرى، يمكن أن تزداد التوترات بين الدولتين. لكنّهم بالكاد يفعلون ذلك؛ وهذه مفارقة يجب تفسيرها لأنها تتكرّر كنمط في كثير من حالات العلاقات الدولية. هذا المثال تفصيل صغير من العلاقة بين الصين وروسيا. روسيا بحاجة إلى دعم الصين في سوريا على سبيل المثال للوقوف في وجه التدخلات الأميركية. لذلك، يجبُ دائماً الموازنة بين تحريك أحدهم لحجرٍ ما على رقعة الشطرنج وبين الآثار التي يمكن أن تحصل جرّاء تحريكه على المصالح الحيوية الأخرى. إنّ الأوقات التي كان يوجد فيها مفهومٌ موحّدٌ للسياسة الخارجية لبلد ما انتهت منذ فترة طويلة. يؤدّي هذا الواقع بالتحديد إلى زيادة مستوى التعقيد وبالتالي إلى تحوُّلٍ ضروريٍّ عن الأخذ بالتأثير السببيٍّ البسيط في دراسة العلاقات السياسية، مما يجعل استشراف المستقبل صعباً ويحتاج إلى اطّلاعٍ دقيق وتحليلات أكثر منهجية. تشهدُ العلاقة بين هاتين الدولتين زيادةً كبيرةً في التعقيدِ بسببِ دخول الهند بينهما. تعملُ روسيا حالياً على تحويل الهند إلى قوة عسكرية كبرى. هذه الحقيقةُ غيرُ مقبولةٍ حالياً في الصين. يتصاعدُ الصراعُ بين الصين والهند على مناطق مختلفةٍ في المنطقة الحدودية في جبال الهيمالايا منذ أشهرٍ، وهناكَ قتلى وجرحى من الجانبين. ووقعت اشتباكاتٌ دامية هناك عام 1962. حقيقةٌ أخرى هي أنّ اتفاقية التجارة، التي تسمى الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، ستشمل الصينَ والهندَ واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا وأعضاء من مجتمع جنوب شرق آسيا، ستؤثّرُ عليها هذه التوترات بين الهند والصين. يقال إنّ هذه الصفقة التجارية الجديدة تشمل نصف سكان العالم، لكن الهند تخشى أن تغمُرَها البضائعُ الصينية. ومع ذلك، يحتفل النقاد مؤخّراً في جميع أنحاء العالم بعالم اقتصادي آسيوي مستقلّ، عالم سيضعه الاتحاد الأوروبي في الظلّ مستقبلاً. كلّ هذه التنبؤات والنبوءات لها نقطة ضعفٍ واحدة فقط: لقد تمّ إجراؤها جميعها قبل كورونا. لا يُطلق على فيروس كورونا لقب "مغيّر قواعد اللعبة" دون سبب واقعيّ. دعونا نضع البيانات السابقة على المحك.

من المتوقع أن يوفّر الاقتصاد الآسيوي نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2040. كورونا ليس فقط مغيّراً للمعادلات، ولكنّه أيضاً مصعّدٌ لها. كورونا يعزِّزُ عمليات التموضع المناطقي والإقليمي التي تتضخّمُ منذ سنوات. وهذا يعني أنه سيتعين على الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يبدأ بالعمل وفق اعتبارات سياسية أمنية وحمائية، ليقوم بإنتاج المزيد من السلع في مجال نفوذه مستقبلاً. وهذا بدوره يعني أنّ السّوق الآسيوية ستنتج كميات أقلّ بهدف التصدير.

"آسيا تنتج المزيد من السلع لسوقها"، "الأجور في آسيا آخذة في الارتفاع" و"الطبقة الوسطى في آسيا تمثل نصف نمو المستهلك". تمّ تقديم هذه البيانات الثلاثة في العديد من التقارير كحجج قائمة بذاتها. ولكنّها في الحقيقة تمثّل عناصر تغذية راجعة تهدف لتعزيز الذات عند الآسيويين. كلّ هذه الحجج والتوقعات انقلبت رأساً على عقب أوّلاً بسبب كورونا، وثانياً لأنها لم تشتمل على عاملٍ أساسيّ هو تغير المناخ. سيقلب تغيّر المناخ الطريقة التي نعيش ونعمل بها خلال السنوات القليلة القادمة. إن المنطقة الآسيوية، بمدنها الكبيرة والعديدة على السواحل، مهدّدة بالفعل بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر. إندونيسيا، على سبيل المثال، في طور المضي قدماً في خططها لنقل العاصمة جاكرتا، والبدء في الانتقال إلى التضاريس العالية على الفور. نفس المصير سيهدّد العديد من المدن الآسيوية الأخرى خلال السنوات القليلة المقبلة. لا تزالُ الافتراضات المذكورةُ أعلاه تستنِدُ إلى نمو ثابت وسريع للسكان. تستنتج الحسابات الأخيرة مع الالتفات إلى كورونا وتغير المناخ أنّ عدد سكان العالم لن يزداد إلى أكثر من 11 ملياراً في عام 2050، ولكن فقط إلى 9.7 مليار. سوف تتأثر آسيا بشكل خاص. لكي يعمل الاقتصاد الآسيوي بشكل مستدام، يجب أن يوضع اتفاق بين المشاركين فيه، وهذا بالضبط ما تعارضه روسيا. ستضعُ الوحدة الآسيوية روسيا في موقف غير مريح. ستكون روسيا حينها دولة وحيدة تقف بين كتلتين اقتصاديتين عملاقتين، آسيا من جهة والاتحاد الأوروبي من الجهة المقابلة، ولأنها لن تستطيع الانتماء إلى كتلة دون أخرى سوف يتمّ سحقها بمرور الوقت. الفناء الخلفي الروسي ضروريٌّ لإكمال مشروع طريق الحرير؛ هنا تكمُنُ ساحةُ المعركة التي يتمّ فيها تحديدُ معالم العلاقة بين الصين وروسيا وما إذا كان سيتمّ تحقيق شيءٍ من الاقتصاد الآسيوي. لا ينبغي أن ننسى أبداً أن صراعاً عسكرياً محتملاً على الفناء الخلفي لروسيا – سيضطر بوتين حكماً إلى قيادته حتى يتمكّن من التمسك بالسلطة – سينتهي بشكل أكثر ضرراً للصين مما هو لروسيا. بالنسبة لروسيا، يقع فناؤها الخلفي في الطرف الآخر من البلاد، بعيداً عن معظم مدنها الكبرى. بالنسبة للصين، ستكون المعركة مباشرة على عتبة الباب.

 أميركا والصين

أصبح التنافس بين الولايات المتحدة والصين إطاراً رائجاً لمقاربة العلاقات الدولية في السنوات الماضية. علاقة باتت تحدّد شكل المناقشات الاستراتيجية وكذلك الديناميكيات السياسية والعسكرية والاقتصادية الحقيقية، فالمنافسة الصينية الأميركية على السلطة والمكانة لها أبعاد مختلفة. وهذا يشمل أيضاً تصورات متزايدة للتهديدات بينهما ويثبّت بشكل متزايد مكوناً سياسياً – أيديولوجياً في المواجهة. وكما هو الحال خلال نزاعات الشرق والغرب، يصرّ الأميركيون على أن يكونوا قادة العالم الحرّ والديمقراطي والليبرالي – رغم أنهم مخطئون. وصف دانييل جانسر (مؤرّخٌ سويسريّ وباحث في مجال السلام) الولايات المتحدة بأنّها إمبراطورية (منطقة واسعة من السلطة والحكم) تجعلُ قوّتها أساساً من خلال وجودها العسكري في جميع أنحاء العالم وتأثيرها الاقتصادي (بالمناسبة: لم تنتصر أميركا في حرب منذ الحرب العالمية الثانية). إليوت وينبرغر (كاتب مقالات ومحرر أميركي) يصف الولايات المتحدة بأنّها دولةٌ فاشلةٌ لا توفّر الأمن لمواطنيها (خاصة فيما يتعلق بكورونا)، وبأنّها دمّرت النظام السياسي (لم تعد ديمقراطية بل باتت دولة تقودها النخب السياسية والاقتصادية) وتسلّلت أيديولوجياً من قبل الأفكار البروتستانتية الراديكالية. بالرغم من أنّ الأيديولوجيا السياسية للأميركيين بعد قرون من صراع الشرق والغرب تركت سبيلاً للتواصل مع الأمم الأخرى، ولكن ليس من الضروريّ أن تبادلهم الشعوب الأخرى ذات الشعور. ويبدو أنّ العداء الأيديولوجي بين الصين وأميركا حالياً يزيد من حدّة الصراع، ممّا يربك إحساسنا حول طبيعة المستقبل بينهما.

بالإضافة لذلك، يتمّ استغلال الصراع التجاري الأميركي – الصيني سياسياً ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل الحوكمة العالمية. كما يثير الرئيسان ترامب وتشي الصراعات الثنائية من خلال أساليب قيادتهما المختلفة ويضرّان بالقواعد والمؤسسات الدولية بطريقتهما الخاصة. حتى لو تمّ فهم الصراع أو الحالة التنافسية الموصوفة هنا على أنها تنافس ثنائي تمّ تنظيمه جزئياً، فإنّ معناه ونتائجه هي بلا شكّ عالمية: فهو يؤثر على العلاقات مع القوى الأخرى، ويؤثر على الديناميكيات الإقليمية – حتى في أوروبا – ويحدّد أشكال العمل في المنظّمات والمحافل الدولية – مثل مجموعة العشرين أو الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية – وكما توضح لورا فون دانيالز، فإنّ هذا الصراع التنافسي غالباً ما يقوّض قدرات المؤسسات الدولية ذات القيادة متعدّدة الأطراف. يصبح هذا واضحاً بشكل خاص مع منظمة التجارة العالمية (WTO)، التي تنتهك قواعدها كلتا الدولتين والتي أضعفت إدارةُ ترامب وظائفها أيضاً. تقوم الصين ببناء منتديات ومنظمات دولية جديدة، خاصة في بيئتها الإقليمية، تتوافق مع الرؤية الصينية لكيفية إدارة العالم سياسياً وتجارياً. على عكس الولايات المتحدة، لم تنسحب الصين أبداً من المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف. بدلاً من ذلك، تحاول الدولة بنشاط توسيع نفوذها على الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظّمات الفرعية. يحدث هذا جزئياً، وليس أقلّه في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث تتحمّل الصين مسؤولية أكبر وتكاليف أعلى. ومع ذلك، فهي تحاول في الوقت نفسه فرض شروطها وقيمها السياسية بلغة الأمم المتحدة. على سبيل المثال، تركت الولايات المتحدة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بينما تسعى الصين إلى فرض أفكارها داخل المجلس، على سبيل المثال من خلال الترويج لنسبية أهمية حقوق الإنسان الفردية. تعتبر البيانات الرسمية والتقارير الإعلامية شديدة الأهمية عندما يتعلق الأمر بالاحتجاجات الأخيرة في هونغ كونغ. تتعرّض الولايات المتحدة لهجوم شديد في هذه القضية. من المفترض أن يقدّم الكونغرس الأميركي ووكالة المخابرات المركزية الدعم المالي للاضطرابات، وليس فقط دعماً كلامياً. وهنا يأتي دور السرد مرة أخرى، فقد حاولت الولايات المتحدة إضعاف النظام الصيني أملاً بتحقيق تغيير النظام في بكين في نهاية المطاف. لأنه مع هونغ كونغ أصبحت "المصالح الجوهرية الوطنية" مثل وحدة أراضي الصين على المحك. فقط لنتذكر: بدون أيّ شعور بالذنب وبدون خوف من الإجراءات التقييدية الدولية، خرقت الصين جميع العقود الدولية المتعلقة بهونغ كونغ: قانون الأمن والقانون الأساسي لدولة واحدة ونظامين.

تمّ الترحيب رسمياً بانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة لعام 2016 من قبل الصين؛ كانت التقييمات العلمية متفائلة بحذر بشأن آفاق العلاقات الثنائية. استخدم ترامب الخطاب المناهض للصين في حملته الانتخابية، لكن كان يُعتقد أنه يعترف بنمط معروف. كما صوّر المرشحون السابقون للرئاسة الأمريكية (كارتر، ريغان، كلينتون، بوش الابن) الصين كمنافس وخصم في الحملة الانتخابية. لكنّ بعد فترة رئاسية مليئة بالتوترات يبدو أن هناك خيبة أمل عميقة. كان من المسلم به صراحة عدم القدرة على التنبّؤ بقرارات ترامب وبمدى إمكانية تصعيده للوضع، كما وأنّ المخاطر التي يمثّلها على نمو الصين قد تم التقليل من شأنها.

رُفضت الاتهامات التجارية التي وجهها ترامب للجمهورية الشعبية باعتبارها لا أساس لها من الصحة وغير جوهرية وغير مشروعة. يمكن القول أنّ الولايات المتحدة في عهد ترامب قد تحوّلت في مقاربتها للصين بشكل واضح نحو مسار احتوائيّ، من بين تحولات أخرى في بيان استراتيجية واشنطن تجاه منطقة المحيط الهادئ الهندية. لكنّها سياسة مرتبطة أيضاً بجوّ الاعتداد بالنفس الذي صاحب العهد الرئاسي الماضي. أمّا اليوم، وعلى أرض الواقع، فإنّ احتواء الصين لم يعد ممكناً، وإذا تمت محاولة ذلك، فسوف يلحق ضرراً أكبر بأميركا. بعد مجيء بايدن، لا يبدو أنّ الأجواء السياسية في الولايات المتحدة ستدعم استمرار موقف المواجهة تجاه الولايات المتحدة. بل تسود اليوم أجواء متفائلة بحذرٍ بخصوص إيجاد حلّ للنزاع التجاري. كانت الحرب الباردة الجديدة "غير واقعية". في التقارير الرسمية والمنشورة، كان الرأي السائد هو أنه في ضوء التوترات الثنائية في المجال الاقتصادي، سيتعيّن على كلا الجانبين تقديم تنازلات حتى لا يؤذيا نفسيهما. من ناحية أخرى، لطالما حذّر المشككون من أن سلاماً تجارياً موثوقاً به بشكل دائم لن يكون ممكناً مع الرئيس ترامب. يبقى أن نرى كيف سيكون الوضع مع مجيء بايدن وإدارة الديمقراطيين للسياسة الخارجية.

أوروبا والصين

 ماذا عن أوروبا؟ يجب على أوروبا أن تتجنّب المنطق الثنائي القطب الذي يتعيّن عليها بموجبه الاختيار بين المجال الاقتصادي والتكنولوجي الأميركي أو الآخر الصيني. تحتاج أوروبا إلى تطوير سياسة خاصة بالصين تكون جزءاً من السعي لتحقيق السيادة الأوروبية أو الحكم الذاتي الاستراتيجي والانفكاك عن السياسة الأميركية؛ هذا يتطلب فهماً "للجغرافيا السياسية العابرة للبلدان الأوروبية". الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للصين. كما أنّ الصين، بعد الولايات المتحدة، هي ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي. نمت التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي بمقدار 250 ضعفاً منذ عام 1975 ووصلت إلى 680 مليار دولار في العام 2018. في الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون البلدان المنافسة في التصنيع والتصدير هي المحرّك الأساسي الدافع باتجاه وضع سياسة أوروبية خاصة بالصين. يعاني الاتحاد الأوروبي من سياسة الرسوم الجمركية العقابية التي تفرضها الولايات المتحدة تجاه الصين (على الألمنيوم والصلب خاصة) أو بشكل غير مباشر بسبب إعادة توجيه التدفقات التجارية (تصدير فول الصويا). نتيجة لزيادة الرسوم الجمركية الأميركية على الصلب والألمنيوم، اضطر الاتحاد الأوروبي إلى استيراد منتجات الصلب من دول ثالثة على حساب مصلحة صناعة السيارات. وكما اتفق الرئيس الأميركي ترامب ورئيس المفوضية الأوروبية آنذاك في تموز/يوليو 2018، فإنّ الأوروبيين – كتنازل لواشنطن – دعموا الموقف الأميركي بشأن البرازيل – المورّد التقليدي الرئيسي لفول الصويا إلى الاتحاد الأوروبي. تهدّد الصراعات التجارية الأوروبية – الأميركية علاقات دول الأطلسي، كما تساهم في إخفاء أهمية إيجاد حلول مشتركة تنطلق من المصالح المشتركة. هذا هو بالضبط ما تدركه الصين وتحاول توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وداخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ويبدو أنّها على طريق النجاح ما لم يغيّر بايدن جذرياً في مقاربة سياسة أميركا الخارجية.

كجزء من مشروع طريق الحرير الصيني، شرعت الصين في بدء مشروع اقتصادي يسمى التعاون بين الصين ودول وسط وشرق أوروبا (CEEC; 16+1). تضم هذه الدول الـ 16 خمس دول في البلقان و11 دولة من أوروبا الشرقية، من بينها بولندا والمجر. أثبتت بولندا والمجر أنهما دولتان إشكاليتان في الاتحاد الأوروبي منذ سنوات. تطوّرت المجر إلى نظام سياسي يميني شعبوي وسلطوي لا يتحدى نظام القيم السياسية الأيديولوجية في الاتحاد الأوروبي فحسب، بل يشكك فيه أيضاً. يجبر عدم القدرة على حل هذا الصراع داخل أوروبا دول الاتحاد الأوروبي على اتخاذ مواقف فردية، وبالتالي يؤدّي إلى إحداث فجوة في الخلاف بينها. بعد الانتخابات الرئاسية في بولندا في تموز/يوليو من هذا العام، سيستمر هذا البلد أيضاً في مواجهة التطور الاستبدادي وإخضاع السلطة القضائية والتشريعية للسلطة التنفيذية. يبدو أن أوروبا منقسمة على طول المحور البولندي المجري وتنقسم إلى عدة أجزاء. ومع ذلك، يجب أيضاً الاعتراف بأنه في نهاية القمة الأوروبية الأخيرة ظهرت هناك وحدة كانت مفقودة لسنوات، وربما يعود جزء كبير من الفضل إلى نتائج سياسات ترامب التي عزّزت التموضعات الإقليمية كما سبق وأشرنا، وإلى وباء كورونا.

في أوقات كورونا، حيث يبدو أن العولمة قد توقّفت، أصبح التماسك في أوروبا أكثر أهمية من أي وقت مضى. هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن القضية الصينية هي اختبار لقدرة أوروبا واقعياً على إثبات نفسها. من ناحية أخرى، يحتفظ الاتحاد الأوروبي بورقة رابحة: فالجغرافيا السياسية الشاملة تتبلور انطلاقاً من الموارد التي يمتلكها الاتحاد الأوروبي كقوة تجارية وتنظيمية. فالمعايير الأوروبية في التجارة والتصنيع تضع المعايير العالمية. وقياساً على نظرية القوة الهيكلية في السياسة، فإن الاتحاد الأوروبي يحمل الروافع في يديه، وبالتالي سيبقى دائماً عاملاً حاسماً في السياسة الدولية.

ماذا عن ألمانيا؟ هناك عاملان يحددان الوضع الحالي للسياسة الخارجية الألمانية فيما يتعلق بالاقتصاد. أولاً: السياسة الخارجية الألمانية هي أيضاً سياسة مصلحة أوروبية. ثانياً: تعيش ألمانيا من الصادرات، على الرغم من أن إعادة التفكير على الصعيد العالمي بدأت الآن نحو المزيد من المنظور الأوروبي والمحلي. البحث عن الدور الألماني في العالم عمره 30 عاماً، لكن اليوم تبدو ألمانيا مستعدة للعب دور قيادي داخل الاتحاد الأوروبي. هذا الدور لطالما طالبت به ألمانيا، التي لن تقبل ببعض الفتات من الآن فصاعداً. على سبيل المثال، اشترى المستثمرون الصينيون أكثر من 160 شركة أوروبية بأسعار تتراوح من 100 مليون حتى 43 مليار يورو لكل منها منذ عام 2016. في معظم الحالات، يعمل الأوروبيون من مدراء وموظفين بشكل أفضل مع المشترين الجدد لهذه الشركات. ولكن كما ظهر بعد الأزمة المالية في 2005 وأزمة اليورو في 2008، تمّ الاستيلاء على الموانئ اليونانية وبالتالي الاستيلاء على بنى تحتية حساسة، ولا مانع لدى الصين من لعب ورقة الضغط الرابحة هذه إذا حصلت مناسبة، كما حدث بالفعل في بعض الحالات. لا ينبغي لأحد أن ينسى أن المشترين هنا ليسوا أفراداً أو شركات خاصة، بل نفس الدولة الصينية.

ألمانيا والصين

بدأت ألمانيا بوضع قيود على الصين. تدرك ألمانيا أنّ هناك اعتمادات متبادلة بين البلدين وأنّ المزيد من التعاون مع الصين سيثير استياء الأميركيين. هذا الجانب مقبول الآن إلى حدّ ما. من ناحية أخرى، يعود الفضل في ذلك إلى سلوك ترامب العام وجهود الأميركيين لتصدر مشروع خط أنابيب الغاز بين روسيا وألمانيا. على عكس افتراضات روسيا والولايات المتحدة والصين، فإنّ الحقيقة التالية قد تشرّبها الأوروبيون والألمان جيداً: لقد بدأ عصر لن يكون فيه رقم واحد عالمياً وسيستمرّ لفترة طويلة.

صرّح باراه خانا (متخصص أميركي-هندي في العلاقات الدولية) أن آسيا ستلعب دوراً أكبر بكثير في المستقبل، ووصف هذا بأنه بداية عصر متعدد الأقطاب. ومع ذلك، كان الاهتمام السابق محصوراً جداً في الصين. المستفيد الأكبر من هذا التطور ستكون أوروبا وخاصة ألمانيا؛ والولايات المتحدة في الجهة المقابلة ستكون هي الخاسر الأكبر. ستلعب ألمانيا وأوروبا وحدهما دوراً خاصاً لأنهما ما زالا رائدين على مستوى العالم في مجال التقنيات الصديقة للمناخ والضرورية لمكافحة تغير المناخ. تحتاج الدول الآسيوية الناشئة إلى فنّ بناء الآلات والأنظمة المتطوّرة على الطريقة الألمانية لتنمية اقتصادها.

في النهاية، هناك إجابة واحدة فقط لأيّ توقّعات بشأن أيّ موضوع راهن: فلننتظر لنرى كيف سيخرج هذا المجتمع واقتصاده من أزمة كورونا وتبعاتها.

التاريخ يتكرر

لقد تعلمت الصين من تاريخها عندما فتحت أبواب بلادها وتغلبت على صدمة تدمير أسطولها البحري الذي سبق أن تحدّثنا عنه. الآن يسافرون حول العالم ويعيدون كنوز العالم إلى ديارهم. بالرغم من كورونا سيستمر النموّ الاقتصادي الصيني حتّى آخر نفس ممكن.

في الواقع فإنّ المشهد معكوس؛ لم تتعلم الصين شيئاً من التاريخ. لم تحدُث ثورة ثقافية في الصين منذ مئات السنين. لا تزالُ النُّخبُ السياسية متعجرفةً تجاه الأمم والثقافات والمواقف الأخرى، مع الإقرار بأنّه لا مجال لتهميشها. هذه الغطرسة تحجب رؤية وإدراك وتوقّع الروابط التاريخية والاجتماعية عند الصينيين. في مرحلة ما، وهذه أيضاً نظرية حدود النمو، لن يكون الاستهلاك والنمو كافيين لإسكات الشعوب وقمع المطالبة بالحرية السياسية والشراكة في الحكم.

في مرحلة ما، وقريباً جداً، سيتطلب تغير المناخ تعاوناً دولياً مكثفاً حتى يتمكن الناس من البقاء على قيد الحياة. إن النظام السياسي والاجتماعي في الصين ليس موجّهاً نحو التعاون مع الدول والأمم الأخرى، ولا للتواصل المفتوح والحرّ مع رعاياه ومواطنيه.

الصين ستفشل مرة أخرى إذاً، وقد ازدادت أسهم فشلها مع بداية جائحة كورونا، ولكن يبدو أنّها تمكّنت من السيطرة على الوباء أفضل من غيرها لأسباب عديدة لها تفصيلها. ومع ذلك، هناك شيء واحد مؤكد بالإضافة إلى مصير الصين إن لم تقم بتغييرات جذرية في عقيدتها السياسية: الصين أكبر من أن تفشل لوحدها؛ إذا لم تتمكن الصين من المحافظة على مكانتها الاقتصادية في العالم، فسوف تجرّ العديد من الدول الأخرى غير المستعدّة للاستقلال الاقتصاديّ معها إلى الهاوية.

(ترجمة هادي حطيط)