في مقالٍ سابقٍ ناقشنا كيف أن التخلّي عن الأنظمة من قبل الأفراد يعيق عملية التقدم في المجتمع، وكيف أنّ العديد من النظريات المتعلّقة بالنظم تبدو بسيطة بشكل مخادع. يهدف الجزء الثاني هنا إلى إظهار الكيفية التي تمّ من خلالها، وبشكل سهل، تشويه الجدل السياسي حول إلغاء السجن، ولكن أيضاً كيف يمكن لهذا النقاش أن يؤدّي إلى إدانة النظام بأكمله إذا تمّت قراءته بشكل صحيح.

إذا كنا حقاً من الفاعلين في التصدي لقضايا الشأن العام ونهدف إلى تولّي زمام المسؤولية في مجتمعاتنا، فيجب علينا أن نتفق على المفاهيم الأساسية المشتركة للقضايا المطروحة، تماماً كما يجب أن يفهم أحدهم على الأرجح أساسيات ميكانيك السيارات إذا كان يريد التوقف عن التعرّض للخداع من قبل ميكانيكيّ محتال. على الرّغم من كون الحديث عن التقاطعية هو من أهمّ أدبيات اليسار، فإنّ النقاشات الحادّة المستندة إلى تجارب شخصية مرتبطة بنضالات فردية مختلفة هي التي تسيطر على جزء كبير من الخطاب والحوار في اليسار الأميركي اليوم. ينتهي الأمر بالعديد من المنظمات اليسارية الأميركية أن تعرّف نفسها في رسائلها وبياناتها بسلسلة من "المطالب المضادة" أو بقائمة من الأمور "المرفوضة". تركّز هذه المنظمات بفخر على معارضتها للعنصرية وللتمييز على أساس الجنس ولرهاب الآخر المختلف ولرهاب المثلية الجنسية وللإسلاموفوبيا - كما لو كانت هذه القضايا التي تشكّل لبّ الحركة اليسارية عند هؤلاء هي بحاجة دائمة لأن تكون في موقف الدفاع كي يحيا الإنسان حياةً لائقة. وفي كثير من الحالات أيضاً، تنتهي هذه الحركات عند عملية الدفاع عن مبادئها ومنطلقاتها، أي مناقشة لائحة "المرفوضات" ومقارنتها بلوائح منظمات يسارية أخرى والاختلاف على أيّها أهمّ وأولى. يؤدي هذا السقف وهذه السياسة في العمل إلى أن ينتهي الأمر بالمتعاطفين مع اليسار إلى نقاش لا نهاية له، يدفع بالتنظيمات اليسارية دائماً نحو انقسامات لا نهاية لها. وأيّ محاولة لتجميع هذه القضايا الاجتماعية الأساسية في إطار موحّدٍ عامّ وواضح تنتهي دائماً بانزعاج جميع الأطراف بسبب عدم رضاهم عن مستوى تمثيلهم في أيّ إطار توافقي.

لقد وجدت العنصرية المبنية على نسبة الميلانين في البشرة ضمن ثقافة المركزية الأوروبية منذ فترة طويلة قبل بدأ حركة الاستعمار، كما أنّ "الإجرام الأسود" كان محورياً في النظريات العنصرية للعلم الزائف الغربيّ الذي أنتجه القرن التاسع عشر، وكذلك فإنّ دوريات شرطة العبيد كانت مركزية في صعود الشرطة الأميركية. لا تُغيّر هذه الحقائق الفاقعة والصارخة حقيقة أنّ كون معظم مساجين الولايات المتحدة هم من السود وكون النسبة لا زالت في تصاعد مستمر هو أمرٌ له جذوره الممتدة عميقاً في منطق تحقيق الأرباح والاقتصاد السياسي الأميركي. لا ينبغي لأيّ من هذا أن يساهم في التقليل من أهمية دور السود وتجربتهم؛ في الواقع، يجب أن يؤدّي تجاهل الرأسمالية لأهمية ومركزية الحركة السوداء إلى توجيه مزيد من أصابع الاتهام بخصوص خلفية هذا التعامل مع السود إلى دافع الربح الموجود عند الرأسماليين. إنّ إنكار هذا الكلام يمكن تشبيهه باتّهام من يناقش في مجازر اليهود في أوروبا بالنازية، بغضّ النظر عن مدى محاربته للفاشية في كلامه وأفكاره.

يعدّ تحطيم أميركا لجميع الأرقام القياسية العالمية لعدد نزلاء السجون ظاهرة حديثة نسبياً. بدأ الانفجار في عدد نزلاء السجون من السود وصعوده إلى رقم قياسي حقيقي في السبعينيات – عقد الركود التضخمي في الولايات المتحدة. أدّى الارتفاع غير المسبوق في الأجور وقوة المفاوضة الجماعية والنقابية (لبعض) العمّال خلال الإجماع الكينزي بعد الحرب إلى دفع تكاليف العمالة إلى الأعلى، ممّا أدى إلى انخفاض الأرباح الرأسمالية تدريجياً. بحلول عام 1970، وصل ضغط الأرباح هذا إلى نقطة حرجة - فقد أصبح الإنتاج أقل وأقل ربحية، وبدأت الأجور المرتفعة بشكل متزايد تطالب بمنتجات لم يعد يتمّ إنتاجها بسبب نقص الربح المحتمل من بيعها. انفجر التضخم (مع زيادة الطلب على توافر البضائع)، وانفجرت البطالة في نفس الوقت، حيث أصبح العمال الآن مكلفين للغاية بحيث لا يمكن توظيفهم بشكل مربح. لقد أفقدت الأزمة مصداقية عقود من صنع السياسات الديمقراطية – الاجتماعية، وأدرك الاقتصاديون اليمينيون – التيار الرئيسي الآن – بشكل صحيح أن التكلفة العالية للعمالة هي السبب في المشكلة. لقد سعوا إلى قمع نمو الأجور بأي وسيلة وجدوها ضرورية، بما في ذلك كسر النقابات، وتأليف تكتلات الضغط على الحكومات للسماح بنقل رأس المال (وبالتالي المصانع والعمال) إلى البلدان ذات تكاليف العمالة المنخفضة، والأهمّ من ذلك، التخلي عن سياسات الإنفاق العام التي تولد فرص العمل. كان لمثل هذه السياسات عمق دولي؛ فقد كانت الاستعانة بمصادر خارجية على نطاق واسع أمراً مستحيلاً ما لم يكن دافع الربح نفسه قد دفع دينج شياوبينج لفتح سوق العمل الصيني في عام 1978. لا تنجح الاستعانة بمصادر خارجية إلا إذا كان لديك أسواق عمل رخيصة يمكنك الاستعانة بمصادر خارجية لها. فعلت الولايات المتحدة ذلك، وتمّ إنقاذ الأرباح – حتى لا نقول استعادتها.

وعلى الرغم من ارتباطها في المقام الأول برونالد ريغان، إلا أن سلسلة الأحداث هذه كانت قائمة بالفعل في عهد كل من جيرالد فورد وجيمي كارتر. كلّ هذه السياسات الحزبية المعادية للعمال كان لها تأثير في قمع قنوات نمو الأجور (النقابات) وزيادة البطالة محلياً (الاستعانة بمصادر خارجية وخفض الإنفاق العام). بطبيعة الحال، فقد تضررت المجتمعات الأكثر تهميشاً اقتصادياً ومجتمعات الأطراف أولاً – الأميركيون الأفارقة – وتسبّب انهيار التوظيف والأجور في انفجار معدلات الجريمة في المجتمعات التي تكافح من أجل البقاء، حيث أصبح اليأس دافعاً مهيمناً.

في الفصل 23 من رأس المال، يخبرنا كارل ماركس أن عدد نزلاء السجون يرتفع باستمرار مع معدلات البطالة، بالنظر إلى أنّ تجريم الفقر يستخدم كوسيلة لقمع أرقام البطالة. ظهر هذا النمط قبل نهاية ولاية ريغان الأولى، جنباً إلى جنب مع إنشاء سجون خاصة، مع وجود المزيد من التمييز العنصري للسجناء. وهكذا اليوم أيضاً استلزم النظام الرأسمالي نفسُه وجود أعداد كبيرة من سكان كاليفورنيا، معظمهم من السود المحتجزين في أيام المدعي العام كامالا هاريس؛ تقنياً، كان يمكن أن يكون مكان كامالا أيّ شخص آخر، على الرغم من أنّها شاركت بسعادة في عمليات اعتقال السود. ومع ذلك كلّه، لا يزال النظام المهيمن أكبر منا جميعاً.

القصة المنهجية التي تم سردها أعلاه تشرح بشكل مدهشٍ ومناسب جزءاً كبيراً من تاريخ الولايات المتحدة الحديث، انطلاقاً من أساسيات بسيطة للغاية، وبوحدة هدف واضحٍ يحتاج الخطاب اليساري الحالي إلى أبد الآبدين ليصل إليها بنفسه. كما أنّها لا تحتاج إلى إثارة النضالات الفردية ضدّ بعضها البعض بلا معنى. في الحقيقة يمكننا الحصول على نفس النتيجة من خلال كلا الاتجاهين. فهل لا زالت النظرية حقاً مخيفة بعد هذا العرض؟ لا أعتقد ذلك. يجب أن نبدأ في استخدامها، وبعد ذلك ربّما يمكننا أن نبدأ انتصارات سياسية تستحق بالفعل أن نحتفل لاجلها.