لطالما كانت مراكز الاستطلاعات ركيزة أساسية ترسم نتائج استطلاعاتها سياسات ومسارات الحملات الانتخابية بين المتنافسين، لا بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك حدّ القول إنها كانت عاملاً أساسياً مقرراً لنتيجة الانتخابات، ونبوءة صادقة يتحضر الجميع للتعامل مع مرحلة ما بعد الإنتخابات بناءً عليها. هذا الواقع لم يكن يوماً محصوراً داخل الولايات المتحدة أو مرتبطاً بالانتخابات الرئاسية هناك فقط، إلا أن تأثيره الأقصى غالباً ما كان يظهر خلال الموسم الانتخابي قبل شهر تشرين الثاني/نوفمبر كل أربع سنوات أي في ذروة السباق نحو البيت الأبيض.

 تتعاقد الحملات الانتخابية مع شركات الاستطلاع، لتقدم لها الأخيرة تقاريرها التفصيلية عن الاتجاهات الانتخابية للناخبين، مشرّحة هؤلاء ما بين مناطق وإثنيات وجماعات وأديان. وجرت العادة بأن تأخذ الحملات الانتخابية بهذه التقارير، وترسم خطط عملها على أساس هذه النتائج، كأن المرشحون دمى تحرّكها هذه الاستطلاعات، فتحدد لها المناطق التي يجب أن تتوجه إليها، وتكتب لها – بطريقة غير مباشرة – خطاباتها التي توجهها إلى الجماعات التي تُظهر الاستطلاعات أن المرشّح لا يبلي حسناً عندها، كما تأخذ عنها قراراتها وتخط لها مبادئ حملتها الإنتخابية بما يتناسب مع التوجهات الانتخابية التي تحصد للمرشح العدد الأكبر من الأصوات. نمت هذه الظاهرة على مرّ السنين، ودخلت في شباك المصالح الكبرى وتأثيرات اللوبيات الناشطة في واشنطن، حتى غدت امبراطورية قائمة بحد ذاتها. 

في انتخابات عام 2016، لم تكلّف المرشحة عن الحزب الديمقراطي آنذاك هيلاري كلينتون نفسها عناء القيام بجولات انتخابية في ولاية ويسكونسن في الأيام الأخيرة ما قبل موعد الإنتخابات. كانت تعتمد في قرارها هذا على استطلاعات الرأي التي أعطتها تقدماً مريحاً في الولاية التي لم تعتد إلا أن تكون ولاية زرقاء تنتخب الحزب الديمقراطي منذ عام 1988. ونامت كلينتون مرتاحة البال في ليلة الإنتخابات متوسدة استطلاعات الرأي التي كانت تعطيها تقدماً مريحاً بما يفوق السبع نقاط في السباق نحو البيت الأبيض. لكنها استيقظت على وقع شكر دونالد ترامب مناصريه لانتخابه رئيساً للولايات المتحدة. ولعلّ ما جعل هيلاري تظن للحظة أنها لم تستيقظ بعد، بل تعيش كابوساً ستستفيق منه في البيت الأبيض، كان سماع ترامب يشكر أنصاره في ويسكونسن، وفي ولايات ديمقراطية أخرى كميشيغان وبينسيلفانيا، لأنهم أعطوه هذا التقدم التاريخي على غريمته. كانت هذه الولايات الثلاث – المسماة سابقاً بالحزام الأزرق – الضربة الأقسى التي تتلقاها امبراطورية الإحصاءات واستطلاعات الرأي.

بعد أربع سنوات من الصدمة، بدا أن مراكز الإستطلاعات هذه لم تتعلّم شيئاً من الفضيحة التي حلّت بها في الإنتخابات السابقة. عادت جميعها لتتحدّث – على مدى أشهر سبقت موعد الانتخابات – عن انتصار كاسح لمرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن. وإذ رافقت الإنتخابات الرئاسية لهذا العام انتخابات الكونغرس، ذهبت الاستطلاعات بعيداً لتتنبّأ بموجة زرقاء كاسحة تعزز من سطوة الحزب الديمقراطي على الكونغرس، و"تحرّر" مجلس الشيوخ من سطوة جمهورية مستمرة منذ عام 2014، كما تنصّب جو بايدن رئيساً من خلال نتائج انتخابات تاريخية تترجم رسالة ديمقراطية شديدة اللهجة، وتعبّر عن تراجع جمهوري غير مسبوق.

بناء على ما سبق، أطلقت وسائل الإعلام الأميركية – التي يسيطر على معظمها التوجه المعادي لترامب – أَعِنّة خيالاتها، وراحت تتحدّث عن تاريخ سيُكتَب في 3 تشرين الثاني/نوفمبر عندما يصبح جو بايدن أوّل مرشح ديمقراطي يحصد أصوات ولاية تكساس "الجمهورية الهوى" منذ عام 1976، وعن انتصارات بالجملة في الولايات المتأرجحة كأوهايو وفلوريدا وكارولينا الشمالية. وبالعودة إلى ولاية ويسكونسن، صدر في 25 تشرين الأول/أكتوبر، أي قبل أسبوع واحد فقط من موعد الانتخابات، عن شبكة "ABC" الإخبارية، استطلاع للرأي يظهر بايدن متقدماً على ترامب بسبعة عشر نقطة! وأما على صعيد حظوظ الفوز بالصوت الشعبي بين مجمل الناخبين في جميع الولايات، فقد صدر قبل ثلاثة أيام فقط من موعد الانتخابات، عن شبكة "NBC" الإخبارية، استطلاع للرأي يظهر ترامب متأخراً بعشر نقاط كاملة.

الجزء الثاني من القصة تكشفه الساعات الأولى من فجر الرابع من تشرين الثاني/أكتوبر، أي بعد ساعات قليلة من إغلاق مراكز الاقتراع في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لم تتأخر وسائل الإعلام بالإعلان عن فوز مريح لدونالد ترامب في ولايات تكساس وأوهايو، كما أُعلن ترامب فائزاً بولاية فلوريدا بفارق يقارب الأربع نقاط، وهو ما يُعتَبر فارقاً مريحاً في ولاية تنافسية مثل فلوريدا لم تحسم في الانتخابات السابقة إلا بفارق النقطة الواحدة. أما شبح ويسكونسن، فعاد ليطارد "خبراء" الإحصاءات والإستطلاعات، فبالرغم من فوز بايدن بالولاية، إلا أن الفارق الذي فاز به المرشح الديمقراطي لم يستطع أن يصل حتى إلى عتبة النقطة الواحدة. وفي ما يتعلق بالصوت الشعبي، فقد وصل ترامب إلى ما يقارب الـ75 مليون صوت، متفوقاً على أرقام باراك أوباما عام 2012 الذي كان صاحب الرقم الأعلى من الأصوات بين جميع رؤساء الولايات المتحدة على مرّ التاريخ. لكن بايدن يتفوق بمجموع أصوات تاريخي يفوق الـ08 مليون. الجدير ذكره هنا هو أن الفارق بين المرشحين يقارب 6 ملايين صوت، أي ما لا يفوق الأربع نقاط بكثير.

من خلال مرور سريع على النتائج، يمكن للجميع أن يستنتج الآن، حجم الكارثة التي لحقت بإمبراطورية مراكز الإستطلاع. من ادعائها فوز بايدن بولايات تكساس وأوهايو وفلوريدا، مقابل انتصار مريح لدونالد ترامب. من تقدم بسبعة عشر نقطة في ولاية ويسكونسن، إلى فارق بأقل من نقطة. من صوت شعبي يتقدم فيه بايدن يما يفوق العشر نقاط، إلى فارق لا  يكاد يتعدّى الأربع. ولتكتمل عناصر المهزلة، قد يتمكّن الحزب الجمهوري من الحفاظ على سيطرته على مجلس الشيوخ، وهو ما ينتظر نتائج انتخابات الإعادة في ولاية جورجيا. وفي مجلس النواب، لم يكن أشدّ المتفائلين بين الجمهوريين يتوقع هذا النجاح الباهر للحزب في الانتخابات، إذ قلّص الفارق بشكل ملفت مع الحزب الديمقراطي. 

 في نظرة تحليلية للفشل الذريع الذي لحق بهذه المراكز عام 2016، واستمر بمسار انحداري وصل إلى دركه الأسفل اليوم، يمكن حصر تفسير ما آلت إليه الأمور بين خطّين عريضين يمثّل أحدهما التوجهات السياسية للفئات التي تقف خلف هذه المراكز، وتحاول من خلال استطلاعاتها توجيه الرأي العام الأميركي بما يلائم أهوائها، وذلك بالتواطؤ مع وسائل الإعلام الأميركية، مشكّلةً عناصر مكمّلة لبروباغندا معادية لدونالد ترامب انطلقت منذ ظهوره الطارئ على الحياة السياسية الأميركية التقليدية قبل خمسة أعوام خلت. أما الخط الآخر، فيتمثّل بظاهرة جديرة بالكثير من الدراسة سُمّيت "ناخب ترامب الخجول". تبني هذه النظرية أسسها على نظرة عامة نجحت البروباغندا المعادية لترامب بتعميمها على مناصريه. فبكثير من التحريض والمبالغة، نجحت وسائل الإعلام الأميركية بوسم كلّ من يجاهر بدعم الرئيس الحالي بتصنيفات العنصرية والجهل والتخلّف والرجعية، حتى بات الناخب الأميركي "الترامبي" عند سؤاله من قبل مراكز الاستطلاع عن مصير صوته، يخجل من الإعلان عن دعمه لدونالد ترامب، وهذا ما يؤدي إلى إحصاءات لا تمثّل واقع الإرادة الشعبية. اللافت هنا هو أن هذه الظاهرة كانت موجودة قبل أربع سنوات، وكان نموها متوقعاً بسبب كل الأحداث التي رافقت الرئيس في ولايته، لكن لم يكن أحد يتوقع أن تتوسع إلى هذا الحد، لتصبح مؤثراً أساسياً في مسار الانتخابات وسلاحاً سريّاً مرجّحاً يشهره ترامب في معظم الولايات المتأرجحة.

مهما تكن الأسباب الحقيقية، تبقى النتيجة واحدة؛ إمبراطورية مراكز استطلاعات الرأي سقطت، وخسرت – على الأقل مرحلياً – ثقة الجميع بها، وبالتالي موقعها وتأثيرها المعتاد في أي انتخابات مقبلة. والواقع هو أن هذه الخسارة بدأت حتى قبل يوم الإنتخابات، فدونالد ترامب مثلاً، أقام حملته الانتخابية بأكملها في ظل إهمال كامل لهذه الاستطلاعات وتكذيب متواصل لنتائجها. حتى جو بايدن، وبالرغم من أن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات أظهرته متقدماً بثلاثة عشر نقطة في ولاية مينيسوتا الديمقراطية تاريخياً، إلا أنه أصر على جولة انتخابية هناك قبل موعد الانتخابات بساعات فقط. العبرة هنا هي أن نتائج الاستطلاعات فقدت ثقلها في تقرير خطط الحملات الانتخابية، وكل المؤشرات التي نشاهدها اليوم تنبئ أن هذا المسار سيتصاعد في ظل احتقان غير مسبوق، وتحريض متبادل، وانقسام وتجييش مستمر لن يثمر إلّا  في استخدام الجماعات السياسية جميع وسائلها لتحقيق التفوق في هذه "المعركة"، وبالتالي مزيداً من الخوف لدى الناخبين المستقلين اللذين تُقرر مصير صوتهم مصالحهم الاقتصادية الآنية. كل هذه العوامل ستجتمع لتؤكد أن النهوض من هذه السقطات المتتالية لن يكون سهلاً، بل يُحتمل أن لا يكون ممكناً في وقت قريب