الصورة التي رسمها المؤرخ ايوجين روجان عن ما واجهته الدولة العثمانية في آخر أيامها في كتابه "سقوط العثمانيين: الحرب الكبرى في الشرق الآوسط 1914 – 1920"، تتقاطع مع ما تواجهه الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، من حيث سلوك الخصوم وتحديات إبقاء النفوذ وتوسيعه. لا تختلف كثيراً تكتيكات واستراتيجيات خصوم تركيا العثمانية وخصوم إيران الإسلامية، لجهة محاولات الإنهاك والتفكيك. أصبح نفوذ طهران وأطراف محور المقاومة من أفغانستان شرقاً حتى منطقة شرق المتوسط غرباً واليمن جنوباً، محلاً للاستهداف المتواصل بصورة مشابهة لاستهداف السلطنة العثمانية والرامي إلى عزل الأطراف عن المركز (أو المراكز عن بعضها).

يحضر دوماً في ذهن الساسة الإيرانيين معاهدتي "گلستان" و"تركمانچای" في أوائل القرن التاسع عشر، والتي تنازل فيهما – بشكل أساسي – القاجار عن ايالاتهم القوقازية لروسيا القيصرية. ويستحضرهما الإيرانيون حتى الآن مجازاً للتذكير بخطورة تقديم تنازلات للغرب، يمكن أن تتسبب في فقد إيران لسيادتها (وصولاً للتشكيك بنوايا الشركاء الروس). ما يميز نموذج التحديات العثمانية في القرن العشرين عن الاتفاقيتين السابق ذكرهما، هو أنه أوسع جغرافياً ويتعدد فيه المناوئين – مع إفضاء كلا السياقين (العثماني والقاجاري) إلى إضعاف أو تفكيك وحدة الكيان السياسي. بشكل مشابه للسياق العثماني، هدفت إدارة دونالد ترامب إلى بناء ائتلاف إقليمي – دولي واسع للضغط على الجمهورية الإسلامية وتفكيك محورها. هزت تداعيات الحملة الأميركية والدور الإسرائيلي في الأعوام الثلاثة الأخيرة وخاصة أواخر عام 2019 ومجمل عام 2020 نماذج حوكمة أطراف المحور، وأثرت على الردع العسكري قبالة أميركا و"إسرائيل".

شكّل الحراك الجماهيري الإصلاحي الذي شهدته طهران عام 2009 والعقوبات الغربية التي بدأت في 2011 و2012، بوادر تحد ثنائي طويل المدى، باتت تواجهه طهران وحلفاؤها الإقليميون خلال العقد المنصرم: أي حضور ضغوط داخلية وخارجية متوازية ذات طبيعة ناعمة وخشنة. ظلت العقوبات الاقتصادية تستهدف أغلب أطراف المحور، بالتزامن مع احتجاجات شعبية واسعة ذات طبيعة مطلبية كما حدث في إيران في 2017 ثم في 2018، أما عربياً فتمثل ذلك بالانتفاضة في سوريا عام 2011 ثم الحراك الشعبي اللبناني والعراقي في 2019. تنامت تدريجياً في هذه الانتفاضات العربية نبرة معادية لطهران وأطراف محورها، يضاف إلى هذه الضغوط الداخلية والاقتصادية الاستهداف العسكري الإسرائيلي المتواصل للحضور الإيراني والفصائل الأخرى في سوريا منذ 2018، واستهدافات إسرائيلية وأميركية لذلك الحضور في العراق في 2019 و2020.

يمكن رسم خطوط موازية بين هذه النوعية من الضغوطات التي تتعرض لها طهران ومحورها وبين ما واجهه العثمانيون بين 1908 و1913، من حيث بروز تحديات داخلية وخارجية متواصلة هددت وحدة الإمبراطورية. شهد البلقان تحت حكم العثمانيين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين موجات ثورية تهدف إلى الانفصال في اليونان ومقدونيا وبلغاريا، وفي الوقت ذاته كانت هناك حرب وشيكة بين العثمانيين والروس. قبل ذلك، أي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كانت الاضطرابات في صربيا وبلغاريا مدخلاً للتدخل العسكري الروسي في قلب الإمبراطورية من بوابة البلقان.

تسليماً بالهيمنة الروسية، أفضى مؤتمر برلين عام 1878 إلى إرغام العثمانيين على التنازل عن خمس أراضيهم وخمس سكانهم في البلقان والأناضول. أدانت القوى الأوروبية تعامل العثمانيين مع ثورات البلقان، وانتهزت أي حالة من عدم الاستقرار لتفكيك الامبراطورية. تمثل ذلك في ما وفره المخاض العثماني على إثر الحراك الإصلاحي لـ"تركيا الفتاة"، من هامش حركة لقوى أوروبية مكنت ايالات عثمانية من الانفصال، كما حدث في حالات بلغاريا والبوسنة والهرسك وغيرهم في 1908.

مشهد التفكك العثماني لا يبعد كثيرا عنه سعي إدارة ترامب و"إسرائيل" لإضعاف أو اقتلاع حركات وفصائل شيعية مسلحة، من بوابة الضغط الذي يوفره الحراك الجماهيري في لبنان والعراق (وقبلهما سوريا)، وصولاً إلى محاولة إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في سياق استغلال أو تحفيز حراكات احتجاجية سابقة أو مستقبلية. وعلى الصعيد الإقليمي، تظهر المساعي الأميركية والإسرائيلية لإضعاف المحور الذي تقوده إيران في ربط أو إلحاق اتفاق نووي جديد في 2021 أو بعد ذلك بتوافقات إقليمية مع طهران، تستهدف تقليص أو تفكيك ترسانتها الباليستية، وتحجيم شركائها الإقليميين. لطالما حضرت زاوية إقليمية في المحادثات النووية بين إيران وأميركا والقوى الأوروبية قبل عام 2010، سواء ضمن سلة مقترحات من طرف إيران أو الأوروبيين، ولكن لم تمس مقترحات الأمن الإقليمي أو مبادرات التعاون الأمني قدرات الردع الإيرانية بالقدر الذي ترغب فيه "إسرائيل" والقوى الغربية.

يذكر الدبلوماسي الإيراني سيد حسين موسويان في مذكراته "الأزمة النووية الإيرانية" ما كتبه رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية محمد البرادعي في مذكراته، عن عملية نقل للرسائل من طرف علي لاريجاني إلى كونداليزا رايس في أيار/مايو 2006، بشأن رغبة طهران في حوار مباشر مع واشنطن مع انفتاح طهران على الحوار بشأن موضوعات إقليمية عده تتجاوز الملف النووي كالعراق وأفغانستان وحزب الله وحماس. يضاف إلى ذلك مرونة إدارة محمد خاتمي مع الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001 وما بعده، ورسالة حسن روحاني للغرب عام 2003، بشأن رغبة إيرانية في "صفقة كبرى" مع الولايات المتحدة.

لم يكتب لهذه المبادرات النجاح ولم تعاود إيران تقديم هكذا عروض، لأنها ربما تمس أدوات الردع الإيرانية، وخاصة بعد العقوبات غير المسبوقة بعد عام 2010. من خلال دعم إيران لحركة أنصار الله اليمنية، بات للأولى حضور قوي في محيط باب المندب، وخاصة بعد 2015. خط التماس الإيراني – الخليجي/الأميركي في اليمن يتشابه أيضاً مع خط التماس العثماني – البريطاني في باب المندب، وهو الحضور الذي استعملته بريطانيا لعزل موانئ العثمانيين في البحر الأحمر. الآن تفسح أنصار الله مساحة لإيران لتطويق دولتي السعودية والإمارات جنوباً، وامتلاك النفوذ على مجرى مائي عالمي. أما على صعيد الجوار المباشر لإيران -غرباً- في العراق، صارت هيئة الحشد الشعبي دعامة تستطيع طهران الإرتكاز عليها ضد أميركا وتنظيم "داعش". وشرقاً، في أفغانستان، يقترح مثلاً وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أن تتحول قوات فاطميون إلى كيان مشابه لهيئة الحشد يرتبط بالدولة الأفغانية.

لربط أطراف محور المقاومة، باتت إيران بحاجة إلى تأمين مواصلات برية وجوية وبحرية بمساحات شاسعة، وهو ما يتقاطع ويتمازج مع مسعى مركزة طهران نفسها أيضاً إقليمياً كمحور لشبكة من الطرق والسكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز، لتحييد العقوبات الاقتصادية المتنامية. ترغب إيران في أن تصبح بوتقة للربط السككي والطرقي بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط. وتهتم إيران بشكل خاص من الناحية الجيوسياسية بمد خطوط تصل إلى شرق البحر المتوسط، حيث يخلق ذلك خطاً آخراً مواز بين إيران الجمهورية الإسلامية وتركيا العثمانية، بجهة العمل على التوسع سككياً. استطاع العثمانيون تأسيس شبكة مواصلات مترامية الأطراف، ولكن كان التحدي هو الحفاظ عليها ومنع انهيارها، إذ تمثل ذلك بشكل خاص في الخط السككي بين المدينة المنورة ودمشق وخط برلين – بغداد.

واجهت الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها عام 2020 خسائر عدة، وفيها عانى الردع العسكري من تآكل، ولكن اكتسبوا قدر من المرونة أيضاً. ستعقب مرحلة إدارة دونالد ترامب مرحلة إعادة بناء وترتيب للبيوتات الداخلية لأطراف المحور وخاصة في العراق. اما على المستوى الاقتصادي، فقد يتم رفع جزء من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وغيرها مع صعود جو بايدن، وهذا ما سيوفر السيولة الاقتصادية ويعزز احتمالات البناء والحشد العسكري والتوسع السككي بين إيران وجوارها. ولكن يبقى السؤال والتحدي الأهم على الإطلاق هو ما إذا كان سيستمر بروز قطاعات شعبية من الحواضن الشيعية للمحور، تعادي توجهات ومصالح المحور بشكل وقتي أم طويل الأمد، في ما يتعلق في جزء منه بأسباب اجتماعية – اقتصادية بنيوية يصعب علاجها.