شهد العام 2020 تسارعاً في إخراج العلاقات بين بعض الدول العربية وكيان الاحتلال الإسرائيلي إلى العلن. تحت اسم "السلام الإبراهيمي" وضع المطبّعون خطواتهم، مسبغين عليها بعداً "شرعياً". لكن أيضاً مفاهيم كـ"الرفاه" و"البحبوحة" و"الاستفادة من الطاقات الكامنة" و"اللحاق بركب التطور الرقمي الهائل"، سيقت في إطار تزيين الهدف الأكبر المتمثل بـ"مواجهة التطرّف" و"سكّان القبور". إلا أن السؤال عن ضمان سير خطة "السلام" المبنية على "صفقة القرن"، وفق المسار المرسوم لها، يبقى حاضراً بقوة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العوامل الكثيرة التي من شأنها أن تشكّل سداً منيعاً في وجه "المغامرة" الجديدة التي يقف أعضاء محفل السلام على أعتابها.

في 17 أيلول 1978 أبرم الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر، اتفاقية كامب ديفيد التي هيأت للتوقيع بعد ستة أشهر على أول معاهدة سلام بين كيان الاحتلال ودولة عربية.

صلاة السادات - بيغن

في بداية المؤتمر، كُتبت صلاة مشتركة من أجل نجاحه. في هذه الصلاة طلب المشاركون من الله "الحكمة والهداية"، ودعوا الناس من جميع الأديان للصلاة من أجل "السلام والعدالة". بعد انتهاء المؤتمر، شكر السادات الذي لُقّب بـ"الريّس المؤمن"، الله على "الإلهام والإيمان اللذين أتاحا له الوفاء بوعده للسلام"، وشبّه قوى المقاومة المعارضة للاتفاقية بـ "سكان القبور".

لاحقاً، اختار السادات أن يبدأ رحلته مع "السلام" مع عيد الأضحى المبارك، حيث أدى صلاة الأضحى في المسجد الأقصى. يقول شمعون شامير، وهو أستاذ جامعي ودبلوماسي إسرائيلي سابق، إن السادات كان يأمل في أن يساعده ذلك على صد أي شكوك بشأن الشرعية الدينية لمبادرته.

يومها، تم وضع الحجج الدينية الإسلامية في مقدمة حملة السادات لإضفاء شرعية عامة واسعة على اتفاقية السلام مع كيان الاحتلال بعد سنين طويلة من المعارك الطاحنة بين الجيش المصري وجيش الاحتلال. هذا التوظيف للدّين أراده السادات، فيما أراد، مواجهة القوى الإسلامية التي كانت تسعى لنزع الشرعية عن مسعاه المناقض لواقع البيئة المصرية، وتاريخها. ونظراً لأهمية الدين في حياة معظم المصريين، والمعارضة الدينية القوية التي واجهتها مبادرة السلام، فإن تحرك السادات في هذا الإطار ولّد العديد من الجدالات الدينية.

يقول أوفير وينتر، الكاتب في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وقسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة تل أبيب، إن مبادرة السادات للسلام جاءت (من ضمن عدة اعتبارات) نتيجة لاعتبارات سياسية واقعية، بما في ذلك الحاجة إلى الإغاثة الاقتصادية بعد "خمس حروب كارثية مع إسرائيل" في أقل من ثلاث عقود؛ والرغبة في استعادة السيطرة على موارد شبه جزيرة سيناء لأهميتها الاستراتيجية، والقيمة الرمزية للبلد.

ويضيف، إن تحرّك السادات باتجاه السلام هو اعتراف بأنه لا يمكن هزيمة "إسرائيل"، طالما أن الولايات المتحدة ملتزمة ببقائها؛ والأهم من ذلك، هو إقرار بقرار فصل مصر عن النفوذ السوفيتي لتدور في فلك الولايات المتحدة.

السعودية والتطبيع: الشرعية متوفرّة

الاعتبارات الدينية، واستعادة السيطرة على الموارد، حاضرة بقوة في أدبيات التسويق للسلام التي تدفع إليه السعودية دولاً عربية عدة. التسليم بمقولة أنه "لا يمكن هزيمة "إسرائيل"، طالما أن الولايات المتحدة ملتزمة ببقائها"، يشكّل أيضاً قوة دفع أساسية للسعودية والدول السائرة خلفها. وأيضاً "ساكني القبور" موجودين كعامل تخويف يبرر الركون إلى الحضن الإسرائيلي. في نظر السعودية وحلفها وخطابهم الإعلامي المستجد والمستيّد، فقد أصبحت إيران موطن "ساكني القبور" الأصلي، بعدما كانوا منتشرين في كل بقعة جغرافية كانت تُعتبر ملاذاً آمناً لمعتنقي عقيدة العداء لـ"إسرائيل"، ورافضي السلام، إسلاميين كانوا أم يساريين أو حتى قوميين. صارت إيران اليوم "البعبع" الذي تخيف به السعودية شعوباً ودولاً عربية عدة. العدو الذي تجمع له ما استطاعت من قوة، وتزيح من دربها كل أولوية يمكن أن تشغل الشعوب، حتى لو كانت القدس وفلسطين.

الكثير من مواقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يعلن فيها  أن إيران هي أولوية الأولويات بالنسبة لبلاده. وهو ما يعني أن الرياض لن تتجه إلى التصعيد مع واشنطن من أجل القدس لأنها تحتاجها في مواجهة إيران.

في مقال نشرته "فورين بوليسي" قبل نحو ثلاث سنوات، قالت الكاتبة كيم غطاس، إن تركيز السعودية الرئيسي اليوم ينصب على هزيمة إيران "التي يحتاجون فيها لمساعدة أميركية"، مشيرة إلى "تقارير عدة عن التعاون الأمني السعودي الإسرائيلي لمواجهة إيران، التي تعد أولوية إستراتيجية أهم من الدفاع الرمزي عن القدس".

استبدال الأعداء والهدف ثابت

يجاري الإعلام السعودي، على نحو متصاعد، هذا المنطق. وعلى المكشوف، صار الإعلام السعودي، والمعروف بأنه لا ينطق عن الهوى، يتحدث عن بإيجابية عن العلاقات مع "أبناء العمومة" في "إسرائيل"، من باب أن "المصلحة" تقتضي أن تصبح تل أبيب حليفاً في مواجهة الخطر الإيراني. وانخرط الكثير من رجال الدين المعروفين في الترويج لهذا المنطق.

طبعاً، يُحمّل الخطاب العربي المطبّع، إيران مسؤولية ما آلت إليه خياراتهم الاستراتيجية والأيديولوجية الكبرى. يقولون إن تقرّبهم من الكيان الصهيوني يحميهم من الأطماع الإيرانية التوسّعية المذهبية. إلا أنه، كما هو معروف، فموقف إيران من "إسرائيل" هو موقف مبدئي سياسي وأيديولوجي بالدرجة الأولى، باعتبار فلسطين قضية إسلامية مركزية.

هذه الوقائع تفتح الباب واسعاً على محاولة فهم التبدّل الظاهري المتسارع للخطاب السعودي تجاه كل من إيران فلسطين على السواء، وقدرته  على التأثير على شرائح واسعة داخل المجتمع السعودي، وخصوصاً من النخب، الذين يدورون في الأغلب في فلك العائلة الحاكمة.

في كتابه المعنون "علم النفس السياسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، يقول عالم النفس الأميركي هيربت كيلمان، إن التغيير السياسي على المستوى النفسي يتم عادة على مدى فترة من الزمن وضمن مسار متدرّج.

وتطبيقاً على الحالة السعودية، فقد تم في المستوى الأول تعزيز شعار مكافحة الإرهاب في الخليج، بهدف قمع أي تعاطف شعبي مع منظمات تُصنف إرهابية. بالطبع المقصود بالمنظمات الإرهابية هنا الفصائل والأطراف التي تعادي "إسرائيل". وتمظهر التأثير النفسي للسياسة الإسرائيلية في مستواه الثاني، في اختراق المجتمع السعودي على الدعوة للإصلاحات الدينية والاجتماعية. وفيما يُظهر المجتمع استعداداً لتقبّل هذا التغيير، عندا يمكن الانتقال إلى المستوى الثالث من الاستراتيجية النفسية الإسرائيلية، بفتح قنوات للتعاون المباشر ضد عدو مشترك: إيران وحلفائها. وأخيراً، تعمل "إسرائيل" في المرحلة الرابعة، بشكل واضح ومتوقع مسبقاً نفسياً على فكرة المحاور المتصارعة، باعتبارها تصطف في محور السعودية والدول العربية الشريكة الأخرى، ضد محور "ساكني القبور".

أصبح بالإمكان الانتقال من الحديث عن "سلام دافئ" إلى "سلام حميم". خصوصاً مع إبداء السعودية والدول التي تدور في فلكها، الكثير من الاستعداد لـ"التطبيع الواسع"، على عكس "حالة السلام" القائمة في مصر والأردن، والتي بقيت محصورة في المستوى الرسمي وداخل حدود مؤسسات الحكم، على عس ما نشاهده في الإمارات والبحرين على الخصوص، بحيث وصل التطبيع الى حدود "الخبز والملح" بين فئات مجتمعية معينة ونظرائهم الصهاينة.

هل تسير خطة "السلام" وفق المسار المرسوم لها؟

الوقائع المسجّلة على هذا الخط تثير الكثير من الشكوك حول إمكانية الوصول بخطة التطبيع الى نهايات سعيدة أميركياً وإسرائيلياً وسعودياً، وتالياً فتح مسار التطبيع العربي – الصهيوني. فصفقة القرن، صحيح أنها أتت ضن سياق تاريخي من السياسات والمصالح المنسجمة، إلا أنها أتت في لحظة تاريخية يغلب عليها طابع التسرّع بفعل ضغط حاجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ"هدية ثمينة" تضعه مجدداً على رأس المكتب البيضاوي. تسرّع دفع المطبعين الى التغافل عن أساسيات عديدة مهمة من شأنها تخريب طموحاتهم. أولها أن كل الدول المطبّعة فعلياً، أو تلك التي أبدت استعدادها للتطبيع، لا تشترك بحدود مع فلسطين المحتلة، ولم تخض سابقاً حروب تحريرية معها، وبالتالي فإن "تاريخية" الإنجاز هنا يتناقض مع حالة "السلام" الفعلية التي كانت قائمة بينهم، فضلاً عن غياب حساسية الجغرافيا وتأثيرها على مسار الأحداث وتفاقمها.

في عمقه، التطبيع هو مشروع أميركي، خطّة استراتيجية كبديل عن الانسحاب الأميركي من المنطقة. تحدّث شيمون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، عن تزاوج "الذكاء الإسرائيلي" مع المال العربي لخلق شرق أوسط مزدهر ومنفتح.

فـ"إسرائيل" التي لم تعدّ مهيئة لأن تكون دولة عظمى في المنطقة لها دور عسكري – بسبب المقاومة – ستحاول لأن تلعب في الاقتصاد دوراً أساسياً. هنا، لا بد أن تكون مرافئ حيفا وتل أبيب وأشدود، هي مرافئ توريد الغاز والنفط من الجزيرة العربية إلى أوروبا. هنا أيضاً تحضر الحاجة لتطويق إيران من خلال اتفاقيات السلام العربية المستجدة، بحيث تضع "إسرائيل" قدماً لها على حدود إيران مع دول الخليج العربية. وفيما تعزز الإمارات (مثلاً) دورها على ساحل المتوسط، يصبح خط الخليج - فلسطين المحتلة هو الخط البديل عن خط خرمشهر – اللاذقية على طريق الحرير.

من الجلي أن العلاقات العربية - الإيرانية مضبوطة على الدوام وفقاً للحسابات الأميركية في المنطقة. وبالتالي، فإن إقدام عدد من الدول الخليجية على التطبيع مع "إسرائيل" في هذه المرحلة، هو خطوة متقدمة، من ضمن الرؤية الأميركية، في العداء مع إيران، ونقل الصراع من الطرف الى المركز.

يدرك المطبّعون الخصومة الأيديولجية والاستراتيجية بين إيران والكيان الإسرائيلي، ويدركون أن التطبيع يحقق في الدرجة الأولى رغبة أميركية، لكننا عندما نتحدث عن دول الخليج، فنحن لا نتحدث عن كيانات أصيلة، إنما عن كيانات تابعة وملحقة. كانت رهن القرار الخارجي البريطاني بادئ الأمر، ومن ثم بعد تبدّل ميزان القوى العالمي انتقلت هذه الوصاية الى الأميركي، الذي صار يقرر السياسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية وحتى الإعلامية لهذه الدول.

ومع استجلاب "إسرائيل" على حدود إيران، ستكون هذه الدول منصّات انطلاق إسرائيلية سواء كانت المواجهة أمنية استخباراتية أو حتى عسكرية إذا تطلب الأمر. وهنا ستدفع هذه الدول الثمن في حال كانت المصلحة الأميركية تقتضي اندلاع مواجهة... أو عكس ذلك تماماً.