الوعد الأول: في انفتاح السوق وحتمية تحقق الرفاه الإقتصادي. مصر كنموذج من خلال عدسات جوسلين صعب وعطيات الأبنودي.

 

مرآة الحقيقة:

 

كانت لحظة صياغة بيان السينمائيين الشباب العرب في العام 1968 نقطة تحول رئيسية في صناعة السينما في المجال العربي. كانت اللحظة مفصلية في ترسيخ الوعي بقاصمة الهزيمة وضرورة التحول من الميلودراما وما شابهها من الأعمال السينمائية السائدة في الساحة حينها إلى أشكال واقعية، أكثر إهتماماً بهموم الناس وألامهم. عاصرت كل من جوسلين وعطيات هذا الجيل وكانتا فاعلتين في صيغة حال سينمائي جديد في المنطقة. 

 

"كل ما هو صلب تبخر إلى أثير، كل مقدس دنس"

البيان الشيوعي ماركس وإنجلز

 

لم تكن المخرجة السينمائية الشابة جوسلين صعب تتخيل وقت وصولها لمطار القاهرة في العام 1977 لصناعة فيلمها الجديد، أنها ستنتهي نزيلة في زنزانة سجن المطار نفسه خلال أسابيع قليلة. أقبلت الصحفية والمخرجة السينمائية، وهي شابة خبيرة في الاقتصاد وحائزة على درجات عليا فيه، بروح متحفزة لدراسة المدينة التي كانت يوماً ما قلب العروبة النابض وقبلة ثوريي العالم الثالث من لومومبا إلى غيفارا وشمران. أقبلت جوسلين وهي مهتمة بدراسة روح الثورة في المكان وفي الذاكرة  في ظل انتفاضة الخبز في كانون الثاني/ يناير 1977. ونظراً لحساسية الموضوع ولتفادي الإشكال الأمني، تمت صياغة الفيلم التسجيلي لغاية تسليط الضوء على ظاهرة فريدة ومكان معين على وجه الخصوص، وأخذ المشروع اسم المكان "مصر، مدينة الموتى". فالمكان كان مدينة الموتى ومن خلال البناء التراكمي لأحداث العمل برز أن الهدف الواضح من العمل هو تبيان الآثار المختلفة التى تركتها سياسات الانفتاح الاقتصادي والتوجه النيوليبرالي في الاقتصاد من تحجيم دور الدولة وفتح المجال للقطاع الخاص الذي سلكه السادات كمقدمة، قبل توجهه نحو التطبيع مع العدو ضمن سردية ضرورة السلام لتحقق الرفاه الاقتصادي. تتمركز مشاهد الفيلم التسجيلي حول مدينة الموتى "القرافة"، حيث يمتزج الواقعي بالسريالي ويجاور الموت الحياة. وركّز الفيلم على الصداقة والعلاقة الفريدة التي جمعت الشاعر أحمد فؤاد نجم بالمغني الشيخ إمام.

تاريخياً شكلت مدينة الموتى نقطة توقف للحجيج في طريقهم للديار المقدسة. لكنها صارت نقطة التقاء لحجيج جدد في انتقالهم وهجرتهم من الريف نحو مقدس جديد خلق صورته المتخيلة رأس المال المديني الطفيلي الناشئ في ظل سياسات الانفتاح الاقتصادي المتمركزة حول الاستهلاك. خلال عملية الانتقال، وكنتيجة للتحول الاقتصادي المتسارع، تم تفكيك أغلب البنى والتصورات المحلية القديمة فخلقت ظروف التكوين الصعبة المتحكمة شخصياتٌ جديدة أنعدمت لديها المقدرة على التخوف من أساطير الماضي القديم من الجن والأرواح الشريرة وتبدل الخوف القديم لخوف حقيقي ومبرر من وحوش جديدة تتمثل في صور مختلفة، خلقها السوق بحركته المستمرة لتدوير رأس المال الأجنبي وسلب فائض القيمة من جهد الفلاحين والعمال ليستقر في جيوب النخب الطفيلية الجديدة. خلقت سياسات الخصخصة والانفتاح واقعاً اقتصادياً جديداً لا يحتمل، تجذرت فيه نسبة التفاوت الطبقي وظهرت الآثار بصورة أوضح مع زيادة معاناة الطبقات الفقيرة والمعدمة.. فكانت الانتفاضة من قبل المستضعفين ضد كلاب الغابة.

 

"غابة كلابها ديابة نازلين في الناس هم

واللي ينام في الغابة راح يتأكل هم

 

النذير المجذوب:

واسأليلي

كل عالم في بلدنا

كل برج وكل مادنه

كل صاحب من صحابنا

كل عيَّل من ولادنا

حد فيهم شاف علامة من علامات القيامة"

أحمد فؤاد نجم

في خضم غمرة بؤس واقعنا المعاصر، يبقى المخرج الوحيد لنا في وحدة المستضعفين في ما بينهم وخلق تحالفات عريضة بين مختلف الكيانات المقاومة ضد قوى الاستكبار. فالوحدة هي الطريق الوحيد الذي يضمن لنا شيئاً من الكرامة. جوسلين بروحها الثورية كانت بنت زمنها وانغمست بكل جوارحها في لحظة الدفق الثوري الممتد من سايغون إلى طهران، وشاهدت وذاقت حلاوة النجاح وتجرعت مرارة الإخفاق، فكانت جزءاً من تيار الثورة الهادر المبشّر بالخلاص للمستضعفين في شتى بقاع الأرض. خرجت إلى الصحراء في صحبة معمر ورفاقه في اللحظات الأولى لمشروع قومي كان يرى فيه إمكانية وراثة حراك ناصر، وإن تغير حاله بعد ذلك كما عايشت شعوب الصحراء الغربية في انتفاضاتهم لتقرير المصير، وما زالت صيحة المستضعفين مدوية بأن الصحراء ليست للبيع  وحاضرة في وجه غطرسة الإمبراطوريات اللاحقة. تتبعت جوسلين خطى زملائها في الدراسة؛ أبو الحسن بني صدر ورفاقه بعد عودتهم لإيران، مع تحقق أحد أهم أحداث القرن المنصرم بانتصار الثورة ضد شاه إيران وبدء تخلق يوتوبيا لم تكتمل.

 

يُتبع