نقرأ مراراً وتكراراً في وسائل إعلامنا أننا في "بداية النهاية" بالنسبة للوباء: فبالرغم من أن أعداد الإصابات والوفيات ما تزال بارتفاع، فقد تم بالفعل تلقيح الملايين، بحيث يوجد الآن على الأقل ضوء يضرب به المثل في نهاية النفق. وعلى الرغم من القلق بشأن الكيفية التي سنعيش بها خلال الأشهر القليلة المقبلة، هناك تنهدات ارتياح. لقد استحقينا هذا الاسترخاء لأن ما كان محبطاً وضاغطاً للغاية بشأن الوباء كان على وجه التحديد أنه لا يوجد مخرج واضح في الأفق: الشعور بنهاية العالم استمر بلا نهاية. الآن يبدو أن الكابوس سينتهي قريباً، سنحاول طمسه من ذاكرتنا والعودة إلى الحياة الطبيعية في أقرب وقت ممكن. بعض المثقفين عازمين على إيجاد معنى أعمق في كل كارثة، حتى أنهم يستحضرون الأبيات الشهيرة من ترنيمات "يوحنا البطمسي" إلى "فريدريك هولديرلين": "لكن حيثما يكون الخطر، فإن ما يُنقذ يتزايد أيضاً"، باعتبارها ذات صلة بمأزقنا. فما هو الشيء ذو الصلة بالضبط؟ هل الأمر ببساطة هو أن العلم أنقذنا من خلال اختراع لقاحات في وقت قياسي؟ هل هذا الوباء ذكرنا بموتنا وضعفنا وبالتالي شفانا من غطرستنا - فنحن جزء من الطبيعة، ولسنا أسيادها؟

ومع ذلك، سيكون من الأنسب تغيير أبيات هولديرلين بالقول: "ولكن حيثما ينمو ما ينقذنا، هناك مخاطر أيضاً". هذه المخاطر متعددة - لنبدأ بتحذير خبراء منظمة الصحة العالمية من أنه "على الرغم من أن جائحة الكورونا كانت شديدة الخطورة، إلا أنها ليست بالضرورة الخطر الأكبر"، وأن العالم يجب أن يتعلم كيف يتعايش مع Covid-19. لم يقتصر الأمر على انتشار وباء كورونا أبعد مما هو متوقع (فالأرقام لازالت ترتفع)، بل إن أوبئة جديدة تلوح في الأفق، ثمة احتباس حراري، حرائق وجفاف تدمر بيئتنا، والآثار الاقتصادية للوباء ستضرب في وقت لاحق في عام 2021 مما يعطي دفعة جديدة للاحتجاجات الاجتماعية، سيبقى التحكم الرقمي في حياتنا، وستنفجر مشاكل الصحة العقلية.

سيتعين علينا أن نتعلم كيف نعيش ليس فقط مع الكورونا فحسب، بل ومع كل هذا المزيج من الظواهر المترابطة. وهذا هو السبب في أننا نمر الآن بأكثر اللحظات خطورة في كامل تاريخ الجائحة: فالاسترخاء الآن سيكون كالنوم خلف عجلة قيادة سيارة تتحرك بسرعة على طريق منحنٍ. علينا أن نتخذ الكثير من القرارات التي لا يمكن أن تستند جميعها إلى العلم - مرحلتنا الآن هي مرحلة الخيارات السياسية الراديكالية.

صحيح، قد ينقذنا العلم، فقد كانت غريتا ثونبرج محقة في أننا يجب أن نثق به. لكن، وبروح علمية حقيقية يجب أن نعترف أيضاً بأمرين لاحظهما يورغن هابرماس: نحن لم نتعلم أشياء جديدة فحسب، بل تعرفنا أيضاً على مدى الأشياء الكثيرة التي نجهلها. بالإضافة إلى أننا اضطررنا للتصرف في مثل هذا الموقف المبهم، دون أن ندري ما ستكون عليه آثار أفعالنا، ولا يتعلق هذا بالجهل بالجائحة نفسها فقط – فعلى الأقل لدينا خبراء هناك – بل وحتى في عواقبها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ليس الأمر ببساطة أننا لا نعلم ما يجري، فنحن نعلم أننا لا نعلم، وهذا الجهل بحد ذاته حقيقة اجتماعية، إنه متصل في كيفية عمل مؤسساتنا.

يجب أن نخطو خطوة إلى الأمام هنا: لا يقتصر الأمر على أننا نعرف أكثر، وأكثر منه ما لا نعرفه. بل يبدو أحياناً كما لو أن الواقع نفسه يتصرف كما لو أنه نسي قوانينه الخاصة. نحن نعرف النكتة حول "المعرفة في الواقع": يعرف الحجر القانون الذي يجب أن يطبق عندما يسقط، وما إلى ذلك. ولكن الدرس الأساسي لفيزياء الكم هو أن الطبيعة نفسها لا تعرف جميع قوانينها، وهذا هو سبب تفاعل ألبرت أينشتاين بقلق مع فيزياء الكم وفرضيتها الأساسية المتمثلة في غياب ضوابط الطبيعة - بالنسبة لأينشتاين، كان هذا يعني ببساطة أن فيزياء الكم هي نظرية غير مكتملة تتجاهل بعض المتغيرات غير المعروفة. هناك مفارقة كبرى في الحقيقة أنه، على الرغم من أن كلاً من آينشتاين ونيلز بور كانا ملحدين، إلا أن أكثر محادثاتهما شهرة تدور حول الله: حيث قال أينشتاين "الله لا يلعب النرد"، ورد بور "توقف عن إخبار الله بما يجب فعله". لم يكن خلافهم حول الله بل حول طبيعة كوننا: لم يستطع أينشتاين قبول أن الطبيعة نفسها، بمعنى ما، "غير مكتملة". يبدو أن الوباء يعطي الحق لنيلز بور.

هذه اللاحتمية التي تصل إلى كل مستوى "دون ذري" تفتح المجال لتدخلاتنا - ولكن فقط إذا افترضنا ذلك بالكامل، بمعنى آخر، إذا رفضنا الحتمية في كل من صيغتيها الرئيسيتين؛ الطبيعية والعناية الإلهية. العالم اللاهوتي السلوفيني الذي دعا إلى إبقاء الكنائس مفتوحة على الرغم من ]حجم[ لوائح الحجر الصحي، رد على توبيخه بأن أرواح كثيرين ستُفقد بهذه الطريقة، بشكل بسيط ومباشر: "ليست الصحة من مهام الكنيسة، بل الخلاص". باختصار، موت ومعاناة الآلاف لا يهم عندما يتعلق الأمر بخلاصهم إلى الأبد من خلال الله... هذا ما كانت تفعله الأم تيريزا في كالكوتا: كانت مهمتها رعاية "الجياع، العراة، المشردين، المكفوفين، الجُذام، وجميع الأشخاص الذين يشعرون بأنه غير مرغوب فيهم، وغير محبوبين، وغير مكترثين بالمجتمع، والأشخاص الذين أصبحوا عبئاً على المجتمع ونبذهم الجميع "- ولكن، كما أوضح النقاد، هي اهتمت بخلاصهم أكثر من صحتهم، وتحويلهم على فراش الموت إلى الكاثوليكية. لذلك يمكننا بسهولة أن نتخيل ما كانت ستفعله الآن عندما يجتاح الوباء العالم: لا لقاح، ولا حتى أجهزة تنفس صناعي، بل العزاء الروحي فقط في بيئة تحتضر وتعيش الساعات الأخيرة من حياتنا. ويمكننا أيضاً تخيل ما الذي سيحدث في المستقبل القريب إذا ما تفجر الوباء أكثر (من خلال طفرات جديدة للفيروس) وجعل اللقاحات غير فعالة: سيموت الناس بنحو أكبر مما حدث مع الإنفلونزا الإسبانية، وسيفتقرون إلى أي رؤية لكيفية احتواء الوباء، سوف تستقيل السلطات لمجرد توفير الرعاية للمحتضرين، بما في ذلك حبوب الموت غير المؤلم، بينما ستقدم الكنيسة نوعاً من الهداية الجماهيرية لتقليل الاكتئاب، بوعد بالخلاص للمؤمنين.

بالتالي، فإن أفضل ما يميز خيارنا النهائي هو بداية نص كتبه وودي آلن عام 1979: "أكثر من أي وقت آخر في التاريخ، تواجه البشرية مفترق طرق. مسار واحد يؤدي إلى اليأس واليأس المطلق. والآخر إلى الانقراض كلياً. دعونا نصلي لنمتلك الحكمة لنختار بشكل صحيح". الخيار الصحيح هو قرار افتراض اليأس واليأس المطلق من مأزقنا: فقط إذا مررنا عبر نقطة الصفر هذه، سنكون قادرين على بناء مجتمع جديد قادم، وقد تقودنا الخطوة الخاطئة إلى مجتمع منقسم جديد مع ذوي امتياز يعيشون في فقاعات منعزلة بينما تعيش الأغلبية في ظروف همجية. اليوم أكثر من أي وقت مضى، المساواة ليست مجرد فكرة غامضة ولكنها ضرورة ملحة: اللقاحات للجميع، والرعاية الصحية الشاملة، والنضال العالمي ضد الاحتباس الحراري... هنا لا بد لي أن أسجل علامة صغيرة غير متوقعة في هذا الاتجاه: أوغور شاهين، الرئيس التنفيذي لشركة "Bio NTech"، وهو تركي يعيش في ألمانيا لعب دوراً رئيساً في اختراع أفضل لقاح، قال في مقابلة أجريت في نهاية عام 2020: "في الوقت الحالي لا يبدو الأمر جيداً، هناك فجوة تظهر بسبب نقص اللقاحات الأخرى المعتمدة وعلينا سد الفجوة مع لقاحنا الخاص". لحظة رائعة عندما يريد الرئيس التنفيذي لشركة ما أن يصبح المنافسون أقوى لأنه يعلم أنه بإمكانهم فقط جميعاً كسب المعركة ضد الوباء.

لذلك ربما تكون أفضل طريقة للاستنتاج هي تكرار التحذير المعروف جيداً والذي يضاف أحياناً إلى فكرة الضوء في نهاية النفق: فلنتأكد من أن هذا الضوء ليس ضوء قطار آخر يندفع نحونا من على الجانب الآخر من النفق.