قيل أننا تعبنا من­ طول الانتظار، فالفقراء على هامش الحياة ينتظرون، والموارد ليست مكدسة متروكة كما يظن البعض، الموارد محروسة بعيون الذئاب. ليس يختلف تصنيف الذئب إن كان ابناً للغابة المجاورة أو ساكناً في البيت معك، فهو ذئب. وأهم ما ينبغي الالتفات إليه، هو ذئبيته واندفاعه المستميت والأعمى والملحّ نحو النهب، حالة ذاتية اوتوماتيكية. قد تختلف الذئاب وينهش أحدها جسد الآخر، لكنها لن تختلف على أمر واحد: ضراوة النهب واستمراريته.

يمر لبنان وحوله كل المساحات التي لا تزال تشم رائحة التحرر بمرحلة فاصلة قد تمتد وقد تنحسر، لكنها أحد أهم الإختبارات التاريخية لفكرة المقاومة، إنه الحصار التراكمي الخانق بلا رحمة. لقد تعبنا في انتظار الخروج من الأسر، ومن كوننا لم نبدأ اللحاق بعد بالطريق السريع نحو التحرر، لأننا لم نخطُ بعد باتجاه القبلة المسكونة بقايا عروج حبيب رب العالمين، والذي يترك حيث سرى تمائم الحياة بكل أبعادها، عمراناً للقلوب والحدود والبساتين، ينعاً للآن وهنا وللماورائي اللامكاني. تعبنا ونحن نرى قديس كرمان يضحك وهو يعبر الضفة الأخيرة فوق نهر اروند، وينتقل الى الأرض التي قتلت كل رفاقه ليكون منقذها وحارسها ومحبرة الدم التي سترويها، ونحن على شرفة التاريخ ننتظر الثأر الأخير، فذي ديون الكرماني كثيرة لا يؤديها ثأر واحد.

الجوع والندرة في الجيب تكوي كرامة الإنسان، نعم هذا مؤكد، وأول ما يهدره الحصار هو القرار. أن تُمسك أنت بقرار حياتك من رغيف خبزك إلى مسكنك ومدارس أولادك، يحرمك من أن تصل إلى ما تريد وما تشاء وإن كان بسيطاً اضطرارياً. ولا يرجع القرار إلاّ بكسر الحصار، ولا تستعاد الكرامة إلاّ بذاك، ولا يمكن طرد تجار الهيكل وبائعي الأنفس إلا حينما يقبض الفقراء على شيء من أقدارهم بيد رجل اجتمعوا حول قلبه يطوفون حوله.

ومما يضيء في الحصار، وجوه المترفين والذي استرقهم الطمع فكانوا قبل وبعد الحصار أعواناً وعبيد، تجاراً صغاراً وبائعي حارات أو ناهبين كباراً يسمون في بلادنا خدّام الشعب، لقد عرّاهم الحصار فصاروا مثل بقعة سوداء على ثوب الفقراء الأبيض. تعبنا من وجوههم لأنها تذكرنا أننا لازلنا في زمن الانتظار الطويل، وتنبش من الماضي السحيق تاريخاً لم يكن فيه أحد يحاصرنا أو يسمع أسماءنا، ربما في مكان خارج التاريخ، كنا نجوع دون حصار ونقتل دون حصار ونموت كالفراشات وهي تطوف دون أن يسمع بها أحد. كنا خارج النص، وأقلامنا كانت تكتب عن الآخرين بمودتها وشاعريتها الرقيقة، والآخرون لم يكونوا ربما يعرفون بما جرى من حبر ودم.

 

يُقال كثيراً عن أننا - جمهور الأمل بالمقاومة، وبعض الأقلام التي تهب وتخبو هنا وهناك في العالم الإفتراضي- يُقال أننا لم نعرف العيش ولم نحب الحياة، وأننا نحتضن التعب، ليس إلا. يقولونها عتاباً واشفاقاً واستغلالاً، وحقداً في أحيان أخرى. فهذا الجمهور الذي أسكرته مشاهد أسرار التحرير، لم يعرف حسب روايته ممن أين تُؤكل الكتف، فيما هم عرفوا العيش ذلاً وانتظاراً عند أبواب الناهبين، يلقون إليهم المال لكي يساعدوهم في نهب بلدانهم، ولو أتيح للناهب أن يكتسح لبنان وما جاوره لافتقر هؤلاء وبطلت الحاجة إليهم.

لن يفهموك فأنت جاوزت الثريا في رؤاهم، أنت شيء لا ينال، أنت عز دون مال، أنت قوت وثراء ليس يُحصى، حينما يقف الحفاة روافضاً في محفل الناهبين، على صغر السلاح الذي يحملون، مثل وقفة موسى عند فرعون قال: "أمّن هذا الذي هو مهين"، تنهار قيمة النقد الذي يلبسون وتفقد حلي الترف بريقها، وثم يبيعهم الأميركي بل يضحي بهم ككبش فداء اليوم، عله بإغراق البلاد بالفقر يسقط الفقراء الذين ظلوا واقفين. تعبنا من الأمل بأن يعي أتباع الأميركي رخص الدولار الذي يشتريهم به مقابل اعناقهم التي سيذبحها هو عند اللزوم.

خلف الخنادق، وراء هذا الخندق تحديداً، تتمدد انشقاقات المعسكر، نتنياهو الى الانتخابات الرابعة، ترامب في دوامة التفكيك، والعرش الجاهلي في مرحلة انتقالية حساسة، يتلقفها ترامب والآن بايدن بحصد أثمان وحلب ضروع. بهذا التشتت نلاقيهم ونحن بهذا التوحد والتماسك، رغم رحيل الراية منذ عام في بغداد، جاءت وستجيء ألف راية. الإمبراطورية والكيانين الاصطناعيين دخلو معنا مرحلة التعب، هم تعبوا من الترف والاقتتال السياسي على المواريث، ونحن تعبنا لأننا لم نقدم بعد ما يكفي للثأر وللقبلة وللدم، لغتان لا يمكن ترجمة أحداها الى الأخرى، جمهور أحب قاسم سليماني وهو يعبر في سيل الماء وقبلها في سيل الدم، وجمهور يسجد للمتبجّح الأميركي المريض. لن نلتقي إلا تسرباً في انشقاق حضارتهم كسيل العرم.

للوصول يلزمنا انتظار لحظة التاريخ، حيث تنتظم إخفاقات وأزمات الدول التي تحاول خنق ما تبقى من روح الانعتاق، انتظار لا يقل أهمية وخطورة عن الاقتحام والالتحام، لأنه يحدد الموسم المناسب للتغير الجذري، ولا يقل قيمة عن حصيلة القرون الثلاثة الماضية من التعب والجوع، نحن على حافة ثلاثمائة عام من الاستعمار الضاري. انتظار يجدر أن يكون مشفوعاً بالبناء في كل يوم وآن، انتظارٌ شغوفٌ يتطلع إلى ما بعد تلك الحافة، وينظر إلى تراكم الأسلحة لدى الناهبين ذوي المقابض المرتخية والقلوب المرتعشة. لا مكان للقعود في لحظة التعب المفصلية هذه. إما الفقراء، وإما تلك الحضارات المعدنية الصدئة، التي تتفتت وتتقيح انحرافاتٍ أخلاقية وأمراضاً نفسية من رأسها إلى أخمص قدميها، قيح تدفق خارج حدودها وسمم حتى المحيطات والغابات.