"خطط الحكومات ليست مما يُستنبط من بطون الكتب ولا مما تجود به القرائح، إنما هي مما يمليه الواقع الجغرافي ويكرره التاريخ في أدواره المتباينة"

محمد شفيق غربال

 

يسيل الكثير من الحبر وتتطاير ملايين الكلمات لتسويق قناعة واحدة يُراد لها السيادة: لا داع للقلق. تغيرت مفاهيم الأمن وتبدلت الاستراتيجيات ولا ثوابت في السياسة، أينما تكون المصالح فولوا وجوهكم واضبطوا البوصلة. وهكذا، تُبَسط الأمور وتُسطح ويتم القفز على بديهيات الزمان وضرورات المكان، ويُختلف على تعريف محدد لـ"المصالح"! ولا أنسب من النموذج المصري كمثال على هذا التدليس. سيما المتعصبين لـ"فرعونية مصر" وخصوصيتها وتفردها و..الخ. لو دقَّق هؤلاء وغيرهم ــ من منطلقاتهم ــ لوجدوا أن ما يتعصبون  لأجله وينادون به يملي ما يعارضونه. فمصر لا تملك ترف الانكفاء بحكم الطبيعة، التي هي أقوى من الأهواء أو الرغبات. بمعزل عن المصطلحات والتسميات التي قد تعبر عن شخصية بلد ما وتبلور توجهاته وتحدد مساراته، لو جرَّدت مصر من عروبتها أو إسلاميتها واكتفيت بكونها فرعونية، ستجد في صفحات التاريخ ما يبدد أوهام الانعزالية و"نفض اليد".

يقول أنتوني دي سميث في كتاب "الأسس الثقافية للأمم": "مع حكم الدولة الوسطى، كانت عملية تمصير النوبة قد بدأت وأصبحت هذه العملية أكثر شدةً بتعيين مُراقب مسئول عن كوش في المملكة الجديدة في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد. كان السببُ في إعادة الغزو يعود في جزءٍ منه إلى رغبة الفراعنة في عدم وجود مملكة مشاكسة على جبهةٍ ثانية أثناء حملتهم على فلسطين وسوريا". عدد هائل من المصادر والمراجع فضلاً عن الآثار،  تشير  كلها وتتحدث عن الامبراطورية المصرية القديمة، لكن الاقتباس السابق لتأكيد بعدين أساسين سنحاول القاء الضوء عليهما، نظراً لإلحاح القضايا المتعلقة بهما، البعد الأسيوي والبعد النيلي ــ إن صح التعبير ــ لأن "أفريقية مصر" و"متوسطيتها" بحاجة لنقاش مستقل.

إذن، وقبل المسيحية والعروبة والإسلام، هناك ما يدل على أن حركة مصر وتفاعلها مع محيطها ضرورة من ضرورات وجودها، حتى لو بدا أنها مستقرة دائماً على ضفاف النيل. في "فلسفة التاريخ" ألحق هيجل وادي النيل بالنظم الأسيوية النهرية الكبرى، ومن مصادفات الجغرافيا، أن النيل يجنح ناحية الشرق بنسبة الثلث الى الثلثين، فالمسافة بين شاطئ البحر الأحمر عند القصير وضفة النيل الشرقية حوالي 150 ميل. ستلاحظ أن المعمور المصري أقرب إلى المعمور الشامي منه إلي المعمور الليبي، فالمسافة بين بور سعيد وغزة (250 كم تقريباً) هي نحو ثلث المسافة من الإسكندرية إلى أقرب معمور ليبي. تاريخياً، الثقل دائماً والخطر في البعد الأسيوي (المشرقي)، وما جاء من الغرب (التفاعل مع الليبيين إبان مصر الفرعونية، ولاحقاً الوجود الفاطمي) فهو استثناء يثبت القاعدة، أو على حد قول جمال حمدان: "رغم أن مصر في أفريقيا موقعاً إلا أنها في آسيا واقعاً.. في أفريقيا جغرافيا ولكنها في آسيا بالتاريخ".

عبر تاريخها الممتد، لن تعدم ما يبرهن على أن مصر بحدودها الجغرافية الثابتة ومجتمعها الراسخ في طمي النيل لم تكن أبدا منعزلة عن محيطها، بل دائمة الحضور والتفاعل، مستقلة أو إيالة تابعة، الفارق هنا يكمن في استغلال هذا الموقع وأثره، بطريقة أخرى، منذ أواخر العصر الفرعوني وإلى منتصف القرن العشرين كانت مصر بمثابة موقع بخدمة من يحكمه، هناك من سَخَّره وسكانه لخدمة مشروعات استعمارية كبرى (بريطانيا)، أو من سيطر عليه تحت رايات الخلافة (أموي، عباسي، فاطمي، مملوكي، عثماني ..الخ)، وأيضاً من استغل مصر كمُنطلق وقاعدة لتحقيق هدف شخصي وطموح سياسي (محمد علي). على الهامش: المدقق سيجد أن الشعب المصري طوال تاريخه كان أكثر تصالحاً مع من يحكمه شريطة أن تكون مصر مركز الحكم، حتى لو كان الحاكم مملوكاً مجلوباً، أو على غير الملة والدين واللغة (البطالمة)، أو على غير المذهب (الدولة الفاطمية)، بخلاف ما يحمله المصريون من ضغينة تجاه العثمانيين. طوال تلك الفترات كانت مصر ومحيطها العربي من يد إلى يد، غير مدركين لمصطلحات مثل وحدة اللغة أو الأمن القومي أو غيرها مما تحتمه العوامل الجغرافية والدينية والثقافية. وبالرغم من ذلك، وعلى طريقة من يتعلم باللمس في غرفة مظلمة، يحترق أو تصعقه الكهرباء، يصيب حيناً ويخطئ غالباً، استطاع العرب وبعد نزيف دام لقرون طويلة تلمس طريق الوعي بالذات، وفي القلب كانت مصر التي قادت حركة هائلة في تاريخ القرن العشرين. وبإدراك من تسنم السلطة في مصر للضرورات والحتميات، مارست دورها الطبيعي في منطقة أدركت الانتماء إليها، تؤثر فيها بقدر ما تتأثر بها، تأكدت أنه لا مكان إلا "للخلاص الجماعي"، ولا مفر من مواجهة معارك الاستقلال والتحرر من التبعية. أثبتت الحوادث ـ وقتذاك ـ ما يشي بأنها تعي جيداً درس التاريخ في الشرق، إضافة إلى الحفاظ على مصدر حياتها في الجنوب بحضور فاعل في كامل القارة الأفريقية.. كانت الرؤية واضحة والعدو محدد (دولة الاحتلال، الاستعمار ومن يساعده عمداً أو جهلا، بالداخل أو الخارج، أفراداً أو كيانات).

لكن مصر التي بدت في فترة ما قائدة لمحيطها، مالكة لزمام أمرها، مدركة لضرورات المكان والزمان، مستوعبة للدروس وعالمة بنوايا الأعداء، دار عليها الزمن واستحالت بلد يدرك الجميع أهميته إلا حُكّامه، تحت دعاوى باطلة وأوهام تقوقعت على ضفاف نيلها، الذي أصبحت مياهه مرتهنة، ومهددة هي بالموت.

"أيها الرفاق.. ارفعوا رؤوسكم قليلاً وأطلوا على العالم، وتأملوا، ثم قرروا"

ماو تسي تونغ ـ بتصرف

 

في الثامن عشر من آب/أغسطس عام 1841 م وفي خضم التحضير لتقسيم تَركة "الرجل المريض"، أرسل روتشيلد خطاباً إلى وزير الخارجية البريطاني وقتذاك ورئيس الوزراء لاحقاً بالمرستون، يقول فيه: "إن مصر وحدها تستطيع أن تقوم بدور مؤثر في توحيد العرب بعد أن تسقط الدولة العثمانية، ولهذا فإنه يتحتم حجز هذا البلد في موقعه وعدم السماح بخروجه إلى المشرق، وإذا استطاع اليهود إنشاء مستعمرات كافية وقوية في فلسطين، فإن هذه المستعمرات تستطيع حجز مصر في إفريقيا، وهذا يعطي للقوى الأوروبية يداً طليقة في المشرق العربي". حينها أبصر الجميع وأدركوا معنى استقلال مصر وقيادتها، حتى لو بنموذج كتجربة محمد علي، لأنه لم يكن لدى المصريين ولا بقية العرب حينها إدراك ما تعنيه صحوتهم أو وحدتهم.. لكن غيرهم أدرك وخطط ونفذ.

ماذا لو رفعنا رؤوسنا قليلاً وحاولنا التأمل.. هل نستطيع رؤية الحقائق؟ أحياناً تكون الأشياء من الوضوح بحيث لا تُرى!

في الشرق يربض كيان مسلح كقوة استيطان واحتلال ورأس جسر للغرب في قلب المنطقة العربية، نجح تماماً ــ ولا ريب في ذلك ــ في عزل مصر وراء سيناء. وبذلك انشمرت تاركة من الفراغ ما يستدعي تدخل قوى أخرى، وهذه طبيعة الأمور، وليتقلص دورها مع الأيام إلى مجرد راع لسلام كاذب بين دولة الاحتلال والفصائل الفلسطينية، أو مباركة كل مُحدِث تطبيع. والأهم ــ بل المأساوي ــ أن دولة الاحتلال قد ورثت جزءاً من دور مصر في محيطها الطبيعي، إضافة لبقية الورثة (السعودية، تركيا، إيران، قطر والإمارات)، وما تبقى من أصول العالم العربي إما تحطم كلياً وخرج من سياق الحوادث وصار نهباً وفريسة، أو على بعد سنوات من ذلك.  وبذلك تحققت أكثر التوقعات تشاؤماً وتجسدت الكوابيس كالصروح والأضرحة، يهلل لها البعض ويسوق لبركاتها وقدرتها الخارقة في جلاء الهموم وستر العيوب وجلب الرخاء والازدهار.

صارت إيران أقرب للشام، وتركيا تمارس لعبتها المفضلة (قفزة الضفدع) لتستقر في ليبيا. مع كل تنازل عربي وخذلان مصري تتعالى الأصوات المنددة وتتغضن الوجوه المندهشة، وكأن ما آلت إليه الحوادث وليد اللحظة. كثيرون توقعوا ما نحياه اليوم، وهنا أتذكر كلمات إلياس مرقص بعد أسابيع من زيارة السادات إلى القدس، قال: "إسرائيل تريد تعفن الجسم العربي وانهياره، بعد فصل مصر عنه. إنها لا تريد أي تسوية مع باقي العرب بمن فيهم الفلسطينيين.. بل تريد أن تكون سيدة المنطقة الضعيفة والمنقسمة". ألم يتعفن الجسد العربي؟ أوليست "اسرائيل" في طريقها لسيادة المنطقة؟

خَلُص معظم من كتبوا عن الحضارة المصرية إلى ما فحوى إنها حضارة بيئية بامتياز، فهي تعبر عن البيئة الطبيعية وتعتمد عليها وتعيش في كنفها بشكل حميم. ولعل المَعلم الرئيسي لهذه الحضارة ــ وسر وجودها بالأساس ــ هو نهر النيل، فهناك عند منابعه، حيث الطبيعة التي لا تحتمل التأويل، ولا يمكن تجميلها بمدد من فلسفات أو سياسات ولا مبررات من أديان.. نكتشف حقائق موازين القوى وبصمات تركتها عقود من الضعف والإهمال.. وربما الخيانات!

مئات من الكتابات الرصينة المتخصصة تناولت إشكاليات المياه في الوطن العربي، ليست مصر وحدها للأسف، سوريا والعراق تحت تهديدات تتعلق بالفرات ودجلة، إضافة لرغبة دولة الاحتلال في السيطرة على كل قطرة مياه في محيطها الأردني واللبناني والفلسطيني بطبيعة الحال. لكننا هنا نتعرض لعموميات الوضع وتجلياته فيما يخص مصر بما إنها موضوع الحديث. للتكثيف، سنحاول تسليط الضوء على عدد الدول المتواجدة في منطقة القرن الأفريقي وعقدة المصالح التي غابت مصر عنها مما يفسر ضعف موقفها إزاء قضية ــ أو بالأحرى صراع ــ "سد النهضة". هنا، يبرز التساؤل: كيف صارت إثيوبيا رقماً صعبا لدرجة جعلت الجميع يدير ظهر المجن إلى مصر؟

في أيار/مايو 2019 نشرت "نيويورك تايمز" تقريراً يعرض تفاصيل تسريب صوتي لحسن بن حمزة هاشم، السفير القطري بالصومال، يتحدث فيه إلى رجل الأعمال خليفة كايد المهندي القريب من دوائر الحكم القطرية، والذي يدور عن علاقتهم باستهداف المصالح الإماراتية في الصومال.  جانب من حرب للسيطرة على موارد وموانئ القرن الأفريقي وعلى ترسيخ النفوذ. الإشارة السابقة للصراع بين قطر والإمارات إضافة لاستثماراتهم في هذه المنطقة إنما هي فقط  للتدليل على تقزُم السياسة المصرية المُقَصِرة في حق نفسها، فلا أثر يُذكر بمنطقة من المفترض أنها في قلب الأمن المصري.

سيطرت الإمارات في خضم البؤس اليمني على جزيرة سقطرى (ما يعني السيطرة على باب المندب)، كما لديها استثمارات في إرتريا، جيبوتي، وبوصاصو بالصومال (من الواجب الظن أن "اسرائيل" تقود من الخلف دائماً في الحالة الإماراتية). لدى قطر أيضاً استثمارات في سواكن بالسودان والصومال. بجانب التواجد الاقتصادي المتعدد المشارب في هذه المنطقة، هناك تواجد عسكري كبير، فالصين التي تذهب بعض الدراسات إلى أنها في طريقها للسيطرة على الاقتصاد الأفريقي، تستثمر أموالاً طائلة في قاعدة عسكرية بجيبوتي، التي يوجد بالقرب من مطارها قواعد عسكرية لأميركا واليابان. كل ذلك بخلاف التواجد العسكري للقوى القديمة (إيطاليا وفرنسا)، إضافة لتواجد تركي مباشر وإيراني مستتر. أما عن إثيوبيا، فلديها: 1ـ حصة في أسهم ميناء جيبوتي الذي تمر عبره 90% تقريباً من تجارة إثيوبيا، ويعتمد بدوره على إثيوبيا بنحو 70% من طاقة تشغيله. 2ـ حصة من ميناء بور سودان. 3ـ  لدى إثيوبيا شراكة مع "موانئ دبي" في حصة تشغيله لميناء بربرة بأرض الصومال الشمالية. 4ـ مشروع "خط لامو" الذي يضم سكك حديدية وخط أنابيب نفط وطريق بين إثيوبيا وجنوب السودان وصولاً إلى الساحل الكيني، لنقل النفط من أوغادين وجنوب السودان. 5ـ تشارك إثيوبيا في قاعدة عسكرية بجيبوتي مجاورة للقاعدتين الأميركية والفرنسية. كل ذلك إضافة للحضور الإثيوبي في عديد من الملفات الساخنة بهذه المنطقة، مثل دورها في جنوب السودان والمساعدة في عقد الاتفاق بين فرقاء المرحلة الانتقالية بالسودان، عزز مكانة إثيوبيا ووضعها في موقع مغاير لتصورات قديمة.

في المقابل، هناك انكماش مصري جعلها "جديرة" بالتجاهل المخزي الذي كشف بقايا "ستر سياسي" من أيام خلت. موقف مصر في هذا الصراع الوجودي يدعو للتأمل. للمصالح أقوال أخرى، فبقدر إسهامك ووجودك وتأثيرك يعتبرك الآخرون ويحسبون حسابك، حيث تتجلى الحقائق ولا تجدي محاولات التجميل. كل الخطابات العاطفية والاجترار من الماضي لا يغير الحقائق الموضوعية ولا يؤثر في متغيرات الحاضر، من تعتقدهم حلفاء وأصدقاء سيتخلون عنك وقد يضعونك على المذبح لو كانت رقبتك ثمناً لمصالحهم.