ساهمت الاحداث المتتالية منذ 17 تشرين الاول/اكتوبر 2019، في تجديد النقاش حول ماهية الاقتصاد المطلوب في لبنان، ما حفّز على الانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي إلى النموذج الانتاجي، رغم التساؤلات حول طبيعة هذا الاقتصاد الانتاجي. منذ عام وإلى الآن، ما زال هذا البحث يتمحور حول السبل المتاحة لتطوير الاقتصاد التقليدي من صناعة وزراعة وسياحة وغيرها من المكونات الاساسية، والذي بدأ بناؤه مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وهو ما يحتاج الى تراكم سنين من العمل والخبرة حتى يُعول عليه في إدخال العملة الصعبة. يعرض هذا المقال طرحاًً موازياً ومكملاً، متونه الأساسية قائمة على الاقتصاد الرقمي (اقتصاد المعرفة) الذي يُعتبر أسرع الحلول لإدخال العملة الصعبة، وهو لا يحتاج بالمناسبة إلى مواد أولية ورأس مال كتلك التي يحتاجها الاقتصاد التقليدي –وهذا ما نفقده في لبنان- بل يحتاج إلى رأس مال بشري وانترنت بجودة عالية، وهي عناصر متاحة بنسب منطقية، مما يجعل النقاش بنّاءً ومنهجياً وقابلاً للتنفيذ.   

                                                                    

 مكونات الاقتصاد الرقمي

 

الاقتصاد الرقمي هو الاقتصاد الذي يعتمد بشكل بنيوي في نشاطه على استخدام التكنولوجيا لتوفير الخدمات والأعمال الالكترونية من جهة، وتسهيل التجارة الإلكترونية من جهة أخرى. وذلك ما يساهم في تحقيق التفاعل والتكامل بين الثورة الرقمية بأبعادها المختلفة على صعيد التكنولوجيا والاتصالات وبين الاقتصاد القومي للدول، إذ تلعب التكنولوجيا دوراً جوهرياً في زيادة معدل النمو الاقتصادي وخفض معدل البطالة بين الشباب، بالإضافة الى تعزيز وتنظيم الحركة الاقتصادية والتجارية والمالية بين الدول والجماعات، وتحقيق التنمية المستدامة.                                                                          

المقصود بالأعمال والخدمات الالكترونية هي التحول على مستوى الأداء والإدارة من التقليدي إلى الرقمي، لا سيما من خلال الأتمتة في الإدارة، وتقديم الخدمات الحكومية الكترونياً، كالتصريح عن المداخيل ودفع الضرائب، طلب الاوراق الثبوتية، شراء الطوابع رقمياً، وغيرها من المسائل التي تساهم في تسريع الخدمات وتوفرها على مدار الساعة، وتخفيف من الاحتكاك بين المواطن والموظف الحكومي وذلك ما يحد من الفساد المحتمل ويقلل حجم العاملين في القطاع العام وبالتالي يخفّض موازنات القطاع العام، حيث تحتل الاجور في لبنان مساحة كبيرة من الموازنة العامة للدولة.

كما يشمل هذا المكون صناعة المنتجات الرقمية، كالبرامج والتطبيقات في مختلف ميادين الحياة الطبية والعسكرية والخدماتية. تجدر الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من الشركات الرائدة في هذا المجال موجودة في لبنان،  مثل "ميروكس وايفر تيم" التي تغطي خدماتها عدداً كبيراً من دول العالم، وأثبتت تجربتها واقعية الطرح الذي نقدمه.                                      

 أما التجارة الالكترونية فتهدف إلى تحقيق عمليات البيع والشراء، وتبادل السلع والخدمات والمعلومات ما بين أطراف النشاط الاقتصادي عبر المجال الإلكتروني، باستخدام الانترنت والتطبيقات الإلكترونية لا سيما عبر إيجاد روابط فعالة ما بين أطراف العرض والطلب، حيث يلعب التسويق والإعلان الإلكتروني دوراً مهماً في نجاح تلك العمليات.

 

الاقتصاد الرقمي في بلدان المشرق

 

خلُص تقرير للبنك الدولي تحت عنوان "منطقة المشرق: التحوُّل الرقمي لتحقيق النمو الشامل وخلق الوظائف" إلى أن أمام بلدان المشرق (لا سيما لبنان، الأردن والعراق) فرصة مهمة لتعويض ما فاتها، خاصةً في دعم وتطوير منظومة اقتصاداتها الرقمية، وتحسين أوضاعها لتصبح من المنافسين الاقتصاديين الأقوياء على الصعيد الاقليمي والدولي. كما أوضح التقرير أن بناء منظومة لاقتصاد رقمي إقليمي سيستفيد بشكل كبير من عامليين أساسيين تتميز بهما بلدان المنطقة، ويتجليان بشكل أساسي في المستوى المتقدم من المنافسة في التعليم العالي، ووجود وعي رقمي وشغف في التكنولوجيا لدى الشباب العربي، بالإضافة إلى موقع استراتيجي يتيح لهذه الدول إمكانية التحول إلى مركز للخدمات والتجارة وأنشطة الربط والاتصال المتقدم. وتتمتع هذه المنطقة بموقع جغرافي مركزي في ما يتعلق بالبنية التحتية العالمية للإنترنت، بحيث ستتمكن هذه الدول من الاستفادة من إمكانية الوصول السهل إلى وصلات الكابلات البحرية الرئيسية. وفي هذا الصدد، اعتبر المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي بأن "التحوُّل الرقمي يستطيع أن يعالج بعض أبرز التحديات المحدقة بمنطقة المشرق في هذه المرحلة الحرجة، خاصةً الحاجة إلى تعزيز النمو الشامل للجميع وخلق الوظائف المطلوبة بشدة لشباب المنطقة المفعم بالحيوية".                                                                

لتبيان أهمية التحول باتجاه الاقتصاد الرقمي، سأعرض واقع لبنان ودول الاتحاد الاوروبي للعام 2020 بالأرقام والنسب لإظهار المكانة التي تحتلها القطاعات الرقمية في اقتصادات هذه الدول. في لبنان ووفق دراسة أعدّتها شركة "ماكنزي" حول مستقبل الاقتصاد اللبناني،  تبلغ مساهمة الاقتصاد الرقمي من إجمالي الناتج المحلي في لبنان  حوالي 1.4 مليار دولار، ويصل عدد العاملين في هذا القطاع إلى حوالى 44 ألفاً، وعدد الشركات الناشئة نحو 200.                                                                      


 في عام 2014 تم تطوير نظام تسجيل عالمي لقياس الجهوزية والتقدم في التحول الرقمي، تحت اسم  مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي. والذي يقوم بتصنيف دول الاتحاد الاوروبي من خلال جمع وتنظيم البيانات الإحصائية في خمسة أبعاد رئيسية تقوم على: الاتصال، رأس المال البشري، استخدام الإنترنت، دمج التكنولوجيا الرقمية والخدمات العامة الرقمية. فوفق المعطيات المتوفرة في التقرير للعام 2020، تمتلك فنلندا والسويد والدنمارك وهولندا الاقتصادات الرقمية الأكثر تقدماً في الاتحاد الأوروبي، حيث  شكلت القيمة المضافة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. وسجلت الاقتصادات الخمسة الأكبر في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا) المساهمة الأكبر في القيمة المضافة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عام 2017: ألمانيا (133 مليار يورو) ، والمملكة المتحدة (111 مليار يورو) ، وفرنسا (103 مليار يورو) ، وإيطاليا (61 مليار يورو) ، وإسبانيا (37 مليار يورو). لقد استحوذت هذه الدول الخمس معاً على 65% من إجمالي القيمة المضافة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الاتحاد الأوروبي عام 2017.   

 

                                                                                                            

كيفية التحول الى اقتصاد رقمي

هذا التحول في الاقتصاد من تقليدي إلى رقمي يحتاج إلى خطة رقمية سيادية متقدمة، تشكل خارطة طريق  لتوجيه القطاع العام والخاص نحو المسار الصحيح بهدف تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام، وهو ما عملت عليه سابقاً وزارة التنمية الإدارية في لبنان من خلال وضع الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي عام 2018، والتي وللأسف لم يتم إقرارها من قبل الدولة، مما عرقل دور الخبراء في وضع المخطط التنفيذي لتطبيق المعايير العالمية والممارسات الفضلى على المنصات الرقمية والأمن والخصوصية ووضع معايير موحدة للتشارك بالمعلومات والبيانات بين مختلف إدارات الدولة.

 إقرار هذه الاستراتيجية هي نقطة الانطلاق لتصميم وصناعة أي اقتصاد رقمي، كما يكتسب عنصر بناء القدرات البشرية أهمية توازي اعتماد التكنولوجيا، وذلك من خلال الشراكات التي ممكن للقطاع العام والخاص بناؤها مع عمالقة التكنولوجية الضخمة لاسيما "هواوي"، "غوغل" وغيرهم، وللإشارة فقد فاز فريق الجامعة اللبنانية منذ سنتين بالمرتبة الأولى على بلدان الشرق الأوسط والثالثة على مستوى العالم في مسابقة "هواوي".

لا بد من التأكيد أيضاً على أهمية وضع استراتيجيات وقوانين وطنية لتعبيد الطريق أمام شركات البرمجة الوطنية والخارجية، تشمل تسهيلات لفتح مكاتب وفروع لها في لبنان، وإعفاءات من الضرائب المرتفعة بالإضافة الى حماية خصوصية الاشخاص والبيانات من خلال إقرار الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، ناهيك عن أهمية إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني في الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي، وتحسين خدمات الانترنت عبر اعتماد الألياف الضوئية، وتهيئة البنية التحتية لتشغيل الجيل الخامس من الانترنت، وليس انتهاءً بزيادة الإنفاق على مراكز البحث والتطوير في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

                                                   

خاتمة:

إلى جانب الأهمية التي يكتسبها الاقتصاد الرقمي، تبرز التحديات في حال إدارة هذا الاقتصاد بطريقة غير سليمة، مما سينعكس سلباً على الحركة الاقتصادية والمجتمعية ككل، ومن أهم التحديات احتمال تفاقم أوجه عدم المساواة والبطالة لا سيما في القطاعات الانتاجية التقليدية، وهيمنة عدد صغير من الفاعلين الاقتصاديين، بالإضافة إلى ظهور مخاطر على الخصوصية والأمن تهدد البيانات الشخصية والعامة والبنى التحتية (وما الهجوم السيبراني الاخير على إدارة المنشآت النووية الأميركية سوى صورة مصغرة عن وجه الحروب المستقبلية). ولمواجهة هذه التحديات التي تواجه الاقتصادات الرقمية الناشئة، لا بد من وضع القواعد والقوانين الصارمة في وجه عمالقة التكنولوجيا، وامتلاك التقنيات المستخدمة من أجل  ضمان سيادية الاقتصاد الرقمي. وما أزمة حجب تطبيق "التيك توك" في الولايات المتحدة والعقوبات التي طالت شركة "هواوي" الصينية، سوى دليل على أهمية السيادة الرقمية للدول.