منذ أن دقت الالفية الجديدة ناقوس قدومها، شهد عالم النقل والسيارات الكثير من التغيرات الاستراتيجية المفاجئة نتيجة واقع عالمي جديد ترأسه التكنولوجيا. الجدير بالذكر هنا أننا نرى اليوم بعض رؤساء الشركات التقليدية المصنعة للسيارات ما زالوا ينكرون إعلامياً ضخامة خطر إبداع التكنولوجيا على مبيعات ومستقبل الشركة، ولكن في المقابل، يتراءى امامنا في السوق والشاشة آليات جديدة مبتكرة تابعة لشركات مصنّعة تقليدية عالمية اخرى بدأت لتوّها في تدارك حجم التأخر.

عالم السيارات ما قبل الثورة التكنولوجية

منذ القرن التاسع العاشر، بدأت صناعة وسائل النقل ولكن بشكل حرفي يدوي وحسب الطلب بتكاليف باهظة جداً، حيث عرفت في تلك الآونة شركتا "مورغان" و"استن مارتن" في هذا المجال. ثم اخترعت السيارات المحركة عبر البخار والبترول لتنطلق عندئذ شركة "فورد" في صناعة السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلية. فورد اتبعت نموذج عمل قائم على منتجات موحدة بكميات كبيرة وتكاليف منخفضة إلا أنها كانت تفتقر للتنوع في التصميمات والشكل. لمعت بعد ذلك المدرسة "السلونية" التابعة لرئيس شركة "جنرال موتورز" الأميركية والذي اتفق على إنتاج السيارات سنوياً بأشكال واستعمالات مختلفة أي ما لا يفعله نظيره فورد. الجدير بالذكر أن الشركتين كانتا الاضخم عالمياً حتى عام 1970، إلى أن بدأ الاتحاد الأوروبي بتبني هاتين المدرستين والتعلم منهما. ومن ثمّ لمعت "تويوتا" اليابانية لتنافس بشكل كبير عبر استراتيجيات منظمة جديدة تركز على توظيف موظفين متعددي المواهب والخبرات، واستعمال آلات ذاتية. كانت "تويوتا" تريد أن توفر الوقت والطاقة عبر تجنب نفايات التصنيع وتقوية موظفيها لأقصى الحدود. استطاعت هذه الشركة اختراق الاسواق الاميركية والاوروبية لنوعيتها الممتازة وسعرها المنخفض إلى جانب الموثوقية التي أسستها في عقول وقلوب الزبائن. وأخيراً، نصل إلى نموذج اليوم، الرائد والمعتمد على منصات وبرامج مختلفة محددة حيث أصبحت الشركات بعدد مكونات  السيارة وصار الاعتماد بشكل كبير على موردين جدد وكثر ليسوا كشركات السيارات التقليدية وإنما شركات مختصة فقط في صناعة بعض أجزاء السيارة كالمقاعد والإلكترونيات وغيرها، فيما يبقى على الشركات المصنعة التقليدية أن تقوم بصناعة جسم السيارة مع التلحيم والدهان إلى جانب القسم الميكانيكي أي المحرك وغيره.

 قبل بداية الألفية الجديدة كانت العلاقة بين شركات السيارات والموردين عامودية، إلا أنها تطورت فيما بعد لتصبح أكثر تنظيماً وترابطاً وذات قيمة مشتركة. فشركة فورد اليوم مثلاً لن تستطيع أن تلبي حاجة السوق بعد 50 أسبوعاً إذا توقفت 147 شركة من مورديها عن العمل.

وهذا ما دفع بعض الشركات الموردة لأن تنطلق لوحدها باستقلال أو بأقل اعتماد خارجي ممكن، وتتحول إلى شركات مصنعة للسيارات بشكل كامل وتصبح أنجح الشركات العالمية كشركة "تسلا"  التي تبدي اهتماماً كبيراً بعمليّتي التسويق والتوزيع بشكل إلكتروني وإنشاء علاقة مباشرة مع الزبون، على عكس الشركات التقليدية الأخرى والتي تعتمد في معظم عمليتي التسويق والتوزيع على التجار والوكلاء فقط.

 

في أواخر القرن العشرين، ظروف جديدة ورؤية حديثة للأنظمة والقواعد لعبت دوراً كبيراً ومتضاعفاً في إرساء استراتيجيات حديثة في عالم السيارات، حيث زادت الالتزامات القانونية الراعية للوضع البيئي العالمي المستتب المتمثل بتغيّر المناخ بسبب انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون إلى جانب جزيئيات التلوث المنتشرة بكثافة خاصة في المدن. فعالم النقل هو مسؤول عما يقارب عن 24% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المباشرة من احتراق الوقود بحسب وكالة الطاقة العالمية. وهذا ما دفع بعض السياسات التشجيعية أن تتبنى سيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود. وهذا ما دفع السياسات الأميركية بتفويض قانون "سيارة صفر انبعاثات" في تسعينات القرن الماضي، حيث بات يتوجب على شركات السيارات المصنعة بيع 2% على الأقل من هذا النوع من السيارات لكي تحافظ على حقها في بيع منتجاتها.

وهذا ما دفع بعض الدول الأخرى كاليابان دعم هذه السياسات للحفاظ على أسواق شركاتها. أما الاتحاد الاوروبي فقد تطورت سياساته القانونية بشكل تدريجي لافت بعد اتفاقية "كيوتو" واتفاق باريس وحتى تعيين القانون الأخير المتحقق منه عبر تقنية حديثة، والذي يُشدد حازماً أن تُصنع السيارات بانبعاث يصل الى 95 غراماً فقط من ثاني أوكسيد الكربون في الكيلومتر الواحد.

لذلك سارعت بعض شركات السيارات بالاتفاق مع شركات البترول والطاقة لإنتاج أنواع جديدة من الوقود غير الأحفوري كالوقود الحيوي الأقل تلويثاً والمستخرج من بعض النباتات كالذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة، وأيضاً اللفت في أوروبا، وقصب السكر في البرازيل.

ولا شك أن التقنيات التكنولوجية التي طرأت على مجال الصناعة أثرت بشكل واسع على مستقبل عالم النقل والتنقل، ونقصد بذلك اختراع بطارية الليثيوم الفعالة في السيارات الكهربائية والتي تخدم في زيادة نطاق المسافة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، والاتصال اللاسلكي. فالسيارات الكهربائية الحديثة التي بدأت مع الان كوكوني  ومارتين ابرهارد واللذين استطاعا اختراع أول موديل كهربائي ببطارية ليثيوم وانتهيا في تأسيس شركة "تسلا" الأميركية، أدهشا "جنرال موتورز" لتقوم هي الاخرى بصناعة السيارة الكهربائية.  

وفي المقابل، يسمح الاتصال اللاسلكي بإجراء اتصالات جديدة مع السيارات، وإنشاء منصات تواصل واتصال للتنقل الفوري كما هو الحال مع شركة  "أوبر" التي سلّعت السيارة وحوّلتها إلى خدمة بعد أن كانت منتجاً جذاباً. وبالإضافة إلى ذلك، تتيح وسائل الذكاء الاصطناعي استخدامات أجهزة الكمبيوتر والرؤية الروبوتية  لتطوير السيارات ذات القيادة الذاتية، ومن ابرز الشركات التي تقدم خدمات مذهلة في هذا المجال شركة "موبيلي" الإسرائيلية المستحوذة على 70% من مجمل حاجة السوق العالمية. هذه الشركة بالذات تقدم الخدمات والحلول لأنجح الشركات العالمية مثل "تسلا" في مجال اتصال وتوصيل السيارة إلى جانب تطويرها وامتلاكها أحدث بيانات الخرائط.

إذاً، لنتفق على أنّ الاتجاهات الجديدة الأكثر حداثةً لعالم السيارات أصبحت تنتهي في أربعة أشكال: السيارة الكهربائية، القيادة الذاتية، السيارة المتصلة، وتقاسم الركوب في ذات السيارة.

حتى الآن، لا نستطيع تأكيد إمكانية نشوء نظام عالمي جديد في مجال النقل والتنقل لا تكون فيه شركات السيارات المصنعة التقليدية هي رأس الهرم وأساس قوة التفاوض، في حين أنَ الاحصاءات تدل على ارتفاع كبير وكاسح في أرباح الشركات التي تقدم خدمات تكنولوجية، فالسيارات التي لا تواكب التطور التكنولوجي الراهن لا يقبلها زبائن اليوم، والشركات المصنعة التقليدية تفتقر لخبرات التكنولوجيا وتعتمد على المئات من موردي الخدمات، وتقوم باتخاذ قرارات اندماجية مفاجئة فيما بينها، لتعزيز قوتها كما هو المتوقع ان يحدث بداية هذا العام بين شركتي "بي أس إيه" الفرنسية و"فيات كرايسلر" الإيطالية-الأميركية  ليشكلا سويةً رابع أكبر صانع سيارات في العالم ، بحسب ما ذكرت صحيفة " "Le Parisien الفرنسية.