أكاد أجزم أن فكرة التنمية الاقتصادية المستدامة لم تكن ضمن أي مشروع رؤيوي اقتصادي منذ تأسيس لبنان الكبير، أي قبل 100 عام. ما يسمى بالنموذج الاقتصادي اللبناني "الفريد"، هو عبارة عن أفكار متناثرة زرعها مؤسس الجمهورية الفعلي ومنظرها الفكري ميشال شيحا في عقول زعماء الطوائف وبعض أركان الكيان في حقبة ما بعد الاستقلال، لتصبح عبر الأيام جزءاً من الخيال النخبوي العام.

 لا بد من محاولة تقييم "النموذج" بعد سقوطه المدوي، وإعلان الدولة اللبنانية "الإفلاس" بالتزامن مع العجز عن دفع سندات "اليورو بوند". سوف ابدأ التحليل بمراجعة حقبة ما بعد الحرب الأهلية، لارتباطها المباشر بالانهيار الحالي، ومن ثم أنتقل إلى ربطها بحقبة ما قبل الحرب الأهلية وأزمة "بنك إنترا".

ارتبط اقتصاد ما بعد الحرب باسم رفيق الحريري ومنظّره المالي فؤاد السنيورة ارتباطاً وثيقاً، إلى حد صار من المتعذر الفصل بينهما. مشروع الحريري الاقتصادي هو بنظري "باراشوت" سقط على رؤية ميشال شيحا، بعد أن شكّله الحريري بفعل تجربته في المقاولات العامة في السعودية. والحريري لم يكن يخفي رؤيته هذه، بل عبّر عنها مِراراً وتكراراً، والتي تتلخص بإعمار المطار المطار وبناء الطرقات الواسعة والتي بنيت رؤيتها وفلسفتها على مشاريع سلام لم تحصل ومساعدة المقاولين على تطوير أعمالهم ليصبحوا أصحاب شركات كبرى تساعد على خلق فرص عمل للشباب. في خضم تلك المرحلة، لم يجرؤ أحد على التذكير، ولو حتى همساً.

 إن هذه التجربة مستقاة من تجربة المملكة السعودية في بناء الطرقات السريعة الى تم التخطيط لها في الثمانينات، وأدت الى فشل تنموي يحكى عنه حتى يومنا هذا. لكن الحريري كان محقاً أن هذا سيؤدي إلى تكبير قدرات المقاولين، ونحن نرى بأم العين أن هؤلاء المقاولين أصبحوا أكبر من الدولة، وأن معظمهم هجر لبنان عند أول فرصة. من نافل القول إن سياسة تطوير البنى التحتية سليمة بالعموم، لكنها يجب أن تكون مشروطة باستراتيجية عامة، ترسم الرؤية المستقبلية للدولة. فكيف لنا أن نبني أوتوستراد بين منطقة "أ" ومنطقة "ب" لمجرد البناء؟ الاستراتيجية العامة يجب أن تحدد لماذا نبني هذه البنى التحتية وليس تلك؛ هل نبني طرق مواصلات لتحفيز حركة التجارة؟ أم نعيد بناء سكك الحديد المدمرة خلال الحروب الأهلية لوصل الساحل اللبناني تجارياً؟ هل نساعد أهل البقاع عبر استراتيجية زراعية مبنية على الأمن الغذائي؟ هل نبني رؤية تصديرية مبنية على قدرتنا التنافسية التفاضلية كما وصفها ديفيد ريكاردو؟ كل هذه الأسئلة الأساسية كانت ممنوعة وإلا فلكم العصا السورية. ألغيت وزارة التخطيط لأن الاسم كان يذكرهم بالاتحاد السوفياتي، بكل ما في هذا الأمر من سذاجة وقصر نظر وعدم مسؤولية، وفات هؤلاء أن لبلدان مجلس التعاون الخليجي خططاً عشرية وتطوير مستمر لرؤية التخطيط العام. لم يجلب الحريري ما نجح في الخليج العربي بل كل ما فشل، وتحول إلى خردة، وتخلت عنه دول الخليج. أرادت الإدارة السياسية اللبنانية بيع كل القطاع العام، ويحكى أن رئيس الجمهورية العربية السورية حافظ الأسد، تدخل شخصياً لوقف الاقتراح في مجلس الوزراء.

إن أي فلسفة تنموية يجب أن تبنى على أسس الخير العام والتنمية المستدامة. لا يمكن أن ننشئ مطاراً دون استراتيجية تطويرية تقوم على إعادة الاستثمار المباشر، لناحية تطوير البنى التحتية التي تستهلك عبر سنوات العمل، وإلا سوف تكون الكلفة أعلى بأضعاف حين تنعدم الصيانة الدورية. شهدنا في لبنان مشاريع بنى تحتية مكلفة استثمارياً وتتطلب معدلات صيانة عالية من ناحية الاستثمار الدوري. لم  تستطع الدولة الاستمرار في الصيانة كونها  تفتقد إلى استراتيجية إنفاقية للاستثمار العام. كان لنا اقتصاد مبني على العشوائية والمشاريع غير المنتجة، دون تخطيط ودون رؤية، مثل "ليغو" لعب الأطفال تتحطم عند أول اصطدام.

هنا قد يخالفني البعض، وبالأخص المستشارين الاقتصادين في تلك الفترة وبعض من تعاقبوا على إدارة مجلس الإنماء والإعمار، مشيرين مثلاً إلى الأوتوستراد العربي وأوتوستراد بيروت – الناقورة، الذي لم ينته بناءه حتى يومنا هذا. لهؤلاء أقول: نعم، لهذه البنى التحتية دور، أهمه ربط مطار بيروت بوسط المدينة، لكن الفوائد الكبرى ستكون لصالح قطاع العقارات. ترتفع أسعار تلك العقارات، وترتفع معها أسعار أسهم "سوليدير"، وتعم الثروة والأفراح على مالكي العقارات والأسهم.. ويا لتلك الفرحة! عقارات مهجورة وأسهم ما من أحد يشتريها اليوم. لقد تم ربط اقتصاد لبنان بشكل غير مباشر بتذبذبات أسعار النفط والغاز، بالإضافة الى الربط السياسي بأنظمة الحكم في مجلس التعاون الخليجي، حتى إذا ما ارتفعت أسعار النفط زاد الطلب على العقارات وارتفع سعرها، وإذا ما نال لبنان رضى حكّام مجلس التعاون زادت السياحة وارتفع الإنفاق وتعززت الدورة الاقتصادية. لقد جعلوا لعنة تذبذبات حركة أسعار السلع والنفط المحرك الأساسي للاقتصاد، أما القرار السياسي وراء سياحة المقيمين في دول الخليج فزاد الطين بلة. هنا لا بد من السؤال: هل هذه تنمية وبناء اقتصادي سليم قابل للاستمرار؟ الجواب: لا. هذا ليس اقتصاد ولا هذه تنمية. "الباراشوت" غير التنموي وغير المستدام، أدخلنا في حلقة مفرغة عجز سياسيو لبنان عن كسرها، رغم خبرتهم في تدمير وكسر كل شيء!

وقد يقول البعض الآخر إن هذا التحليل غير سليم، ولبنان يملك بنى تحتية لها قيمة مادية فعلية. لكن ما قيمة أي من هذه الأصول إذا لو تتم صيانتها عبر السنين؟ وما قيمة البنى تحتية مع انعدام الإنفاق الاستثماري بسبب غياب النمو الفعلي للاقتصاد، وبروز الحقن الوهمي، وتكبير حجم الاقتصاد على حساب التنمية.

لنوضح ما حدث في لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية عبر المثال الثالي: رب عمل يملك ورشة صغيرة برأسمال 100 دولار أميركي، يستطيع الاستدانة بقدر معيّن، لنقل 80 دولاراً لتطوير أعماله. بعد مضي الوقت تنمو الأعمال في الأوقات الطبيعية، وتزداد الأرباح، ويكبر رأس المال، ويدفع رب العمل دينه. لكن تصوروا لو أن المصرف، وبشكل مجنون، وبضمانات شخصية زائفة، أقرض رب العمل 800 دولار، ثم تعثرت الأعمال واستثمر رب العمل المال في استثمارات غير مجدية.حينها لو خسر رب العمل 100 دولار، فذلك سيعني أنه خسر كامل رأسماله وبقي صافي قيمة القرض. لقد اقترضنا واستثمرنا في لبنان كما رب العمل الثاني، فالمطار والطرقات والمرفأ المدمر هو ما استثمرنا به خلال 30 عاماً، ثم ذهب رأسمالنا ولم يبق إلا القرض. وها نحنا نشهر إفلاسنا ونكمل مشوار العجز. وهذا حاضرنا اليوم: ديون متراكمة تصل إلى الـ100 مليار دولار، وودائع مصرفية بنفس القيمة تبخرت، وما نملكه من بنى تحتية ومؤسسات عامة قد تصل قيمته بأفضل التقييمات إلى أقل من 10% من حجم الدين العام.

أما في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية، فبرزت بعض المقولات التي أصبحت مع الوقت من مقدسات الأدبيات الاقتصادية التي يمنع المساس بها. ومن تلك المقولات، ما تصف لبنان بأنه: الوصل بين الشرق والغرب، ذو موقع جغرافي مميز، مركز خدمات العالم العربي، مصرف دول النفط.. لقد جرى بناء اقتصاد بمفهوم سطحي، مبني على أسس اقتصاد السوق، فيما هو بعيد كل البعد عن مكونات الاقتصاد السليم. زاد حجم الاقتصاد عبر مراحل مختلفة، ساعدتها الطفرة النفطية وعدم وجود قطاع خدماتي مصرفي في الخليج العربي ليصبح لبنان الدولة - السمسار. دخل لبنان منذ تلك المرحلة لرحلة الاعتماد على الخدمات للأشقاء الخليجين، كما تذكرهم الصحف اليومية ومحبي السمسرة. في خضم تلك الطفرة راكمت العائلات اللبنانية المعروفة رساميل هائلة، وهي عائلات خدمت المستعمرين العثماني والفرنسي، لتبني لنفسها امبراطوريات خدماتية وتجارية قائمة على الاحتكار، ولتكبر فيما بعد وتصبح صاحبة مصارف كبرى، وهذه المرة عبر احتكار رأس المال. إن ما يعجز المراقب عن فهمه: كيف يكون الاقتصاد "اقتصاداً رأسمالياً حراً" والاحتكار عموده الفقري؟ وذلك حين يكون أسس الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق "المنافسة المطلقة". كيف لاقتصاد حر أن يكون وأن يستمر ضمن "كارتيلات" محتكرة؟ نعم، يكون. ودائماً، ميزة لبنان في فرادته!

عندما نذكر زيادة حجم الاقتصاد، نقصد هنا زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وهنا صلب الاختلاف في التحليل. هل زيادة حجم الاقتصاد تعني نمواً اقتصادياً؟ هل تراكم الثورة لدى محتكري النظام يعني توزيع عادل وتنمية مستدامة؟ لا. لم تصمد تلك التجربة طويلاً، فقد مزقت الحرب الأهلية كل الكلام الجميل عن اقتصاد الستينات وبحبوحة كميل شمعون ومؤسسات فؤاد شهاب. كيفما تتم قراءة التجربة الاقتصادية اللبنانية قبل الحرب الأهلية، تجدها مشروعاً فاشلاً يدور حول مراكمة الثروة والاحتكار و"مرقد عنزة في جبل لبنان". كل تغني باقتصاد ما قبل الحرب، هو رومانسية ونستولوجيا لبعض اللبنانيين وليس لفقرائه.

يقودنا هذا التحليل لربط 100 سنة من عمر الكيان بحاضرنا، والتساؤل: أي اقتصاد نريد، وهل نحن أمام تحدي بقاء الكيان كما هو؟  

نسمع الكثير من الإعلاميين والمحللين، بأن الجميع لا يمانع من حصول الانهيار الكامل لتحسين ظروف التفاوض. هنا لا بد من التذكير أنه وفي خضم أي انهيار مالي واقتصادي، تستطيع التفاؤل حين يصبح الجميع متشائماً. فالاقتصاد والعلاقات الاقتصادية ليسا تكويناً ثابتاً بل دينامية مستمرة تطور نفسها، كوننا نحاول الاستمرار. وكما ذكرنا في المقال السابق، تعثر المصارف حوّل الاقتصاد إلى اقتصاد نقدي، وهذا لم يكن بفعل سياسات بل ضمن الدينامية الاقتصادية للشعب اللبناني الذي تعوّد المآسي، ليس حباً بها بل كرهاً. وهنا أنا لا أشير إلى أن الحل الاقتصادي لأزمتنا، يتوقف على حل المشكلة نفسها بنفسها دون أي دور للدولة ومؤسساتها. الحل يتطلب جرأة ومصارحة، وطبعاً كلفة يدفعها محتكرو النظام الاقتصادي، وعلى رأسه اصحاب المصارف وأصحاب الودائع الكبرى وهو يكون على الشكل التالي:

- إعادة صياغة مفهوم اقتصادي تنموي جديد، بعيد عن فلسفة ميشال شيحا واقتصاد السمسرة.

- وضع استراتيجية عشرية وبتخطيط متكامل للمشاريع التنموية القادرة على الاستمرار ضمن تقلبات الدورة الاقتصادية.

- تأسيس مصارف برأسمال جديد، تشتري جميع المصارف العاملة حالياً والمفلسة ضمنياً، على أن يكون للدولة اللبنانية فيها أسهماً وسلطة مطلقة في مجلس الإدارة.    

- إجراء اصلاحات تشريعية لمفهوم شمولية الموازنة الذي مرّ عليه الزمن. إذ لا يمكن أن تكون المؤسسات العامة غير قادرة على الإنفاق الاستثماري أو ما يعرف بإنفاق الصيانة والإهلاك والاستهلاك، حيث الصرف الاستثماري يقع حالياً ضمن الموازنة العامة، على أن يجري ذلك بعد تعديل قانون المناقصات العمومية ليخضع أي انفاق للشفافية المطلقة.

- إعادة هيكلة مصرف لبنان، وتقليص دوره وحدود استثماراته. فكيف لمصرف مركزي أن يمتلك شركة طيران محلية؟

- إنشاء صندوق سيادي لما تبقى من أملاك شركة "إنترا" وأملاك عمومية، بنص قانوني بأن ملكية الصندوق هي ملكية عامة، ويمنع التنازل عنها أو بيعها، وشرط ألا تكون من الأصول القابلة للتسييل في حالات الإفلاس.

- تأسيس صناديق استثمارية للضمان الاجتماعي، وتعاونية الموظفين، وصندوق الجندي. تقوم هذه الصناديق باستثمار التحصيلات الشهرية لضمان متقاعدي المسقبل، بعيداً عن مراكمة متطلبات على الدولة اللبنانية.

- إدراج الشركات المملوكة للدولة في البورصة المحلية، أي بورصة بيروت، عبر بيع حصة صغيرة للعموم من شركات الاتصالات والكزينو، على سبيل المثال، وتحويل جزء من أسهم هذه الشركات للصناديق الاستثمارية المذكورة أعلاه، كدفع لقيمة مستحقات متراكمة على الدولة.

- تعديل جميع القوانين المرتبطة بالتنمية المحلية، لإعطاء سلطة أكبر من ناحية الاستثمار المحلي للبلديات.

- إلغاء جميع الاحتكارات، عبر تعديل القوانين، وإلغاء جميع الوكالات الحصرية.

- تعديل قوانين المؤسسات العامة، لتصبح قادرة على الاقتراض مباشرة وليس من خلال مركزية الدولة. إن الاقتراض المباشر لهذه المؤسسات، يجعل المسؤولية على عاتق الإدارة القائمة على هذه الشركات، فتصبح مسؤولة مباشرةً أمام المقرضين من أصحاب السندات أو المصارف التجارية.

- تعديل جميع القوانين التي تحد من استقلالية القضاء.

 

في الخلاصة، هذه بعض من الأفكار التي يمكن دراستها وتطويرها وإقرارها في فترة زمنية قصيرة للجم الانهيار، لأن الانهيار العام ليس حتمياً وليس قدراً، والإرادة الشعبية قادرة على أن تحول الأزمة إلى فرصة. طبعاً هذه الحلول ليست العصا السحرية، ولن تقود إلى استقرار سعر الصرف ولن تعيد القدرة الشرائية لليرة بوقت قياسي