ليست اللّغة ظاهرةً عابرةً في مسيرة شعبٍ ما، سرعان ما ينطفئ وهجها، إنّها حضارةٌ وهويّة، ووجود مترّسخٌ في جذوره، لذا لا يأن ندرس مرحلةً تاريخيّة من دون التّوغّل في عمقها على مستوى التّحوّلات الّتي تطالها، والأسباب الّتي تؤدّي إلى ذلك، والنّتائج المترتّبة عليها. فهل استطاعت اللّغة العربيّة الصّمود في وجه متغيّرات العصور المتلاحقة؟ أهي حقًّا جامدة كما ينعتونها، أم أنّها قابلة للتّجديد؟

اتّهاماتٌ كثيرةٌ تواجهُها اللّغةُ العربيّةُ، كالقول بعدم قدرتها على التّكيّف مع كلّ وافدٍ حضاريٍّ جديد، ولاسيّما على صعيد التّكنولوجيا، نتيجة ضحالة المصطلحات الّتي تلبّي الحاجة الملحّةَ إلى تسمية الاختراعات الحديثة بمسمّياتٍ عربيّةٍ، ككلمة ويتساب مثلًا، وفيسبوك، وإنترنت، وغيرها من التّرجمات الّتي وقفوا طويلًا عندها ليجدوا مرادفًا لها دقيقًا وبسيطًا في اللّغة العربيّة، فأبقوا اللّفظ ذاته وكتبوه بحروف عربيّة. أضف إلى ذلك غياب علامات التّأنيث من كلمات مؤنّثة، الأمر الّذي حرّض الكثيرين عليها، ولاسيّما النّساء وكلّ من يدافع عنهنّ، بحجّة انحيازها إلى الذّكور، كاستخدام نائب بدلًا من نائبة، وبقاء الصّفات الّتي على وزن فَعول بصيغة واحدةٍ مع المذكّر والمؤنّث (حنون، ودود، ضحوك..). كما شهد عصرنا ثورةً كبيرةً على معجم واسعٍ فيها صار غريبًا جدًّا، وبعيدًا كلّ البعد من احتياجاتنا العصريّة وحياتنا اليوميّة، والأهمّ من ذلك كلّه إيجاد مشكلةٍ كبيرةٍ في فهمها، وتركيز المناهج المدرسيّة على إدراج قصائدَ ونصوصٍ لا تشبهنا، لأنّها تعود إلى عصورٍ سابقةٍ (الجاهليّ والعبّاسيّ والأندلسيّ وغيرها)، نحن نعيش في زمنٍ مختلف، ومتطلّباته مغايرة، فلا بدّ إذن من طرق أبوابٍ جديدة منفتحة على الحياة بحلّتها الجديدة، وكانت النّتيجة دعوةً كبيرةً إلى تجاوز القواعد اللّغويّة لارتباط نشأتها بتلك العصور، والنّظر إليها بعينٍ أخرى لتصبح في متناول الجميع بدلًا من تقوقعها في ذلك الماضي، وإحاطتها بهالة التّقديس.

في الحقيقة، إنّ اللّغة العربيّة لم تكنْ رجعيّة ولن تكونَ، فلو نقّبنا فيها، لوجدناها الأكثر قدرةً على التّجديد، لأنّها تتفرّد بميزة خاصّة، وهي الاشتقاق اللّغويّ الّذي ينفي عنها صفةَ الجمودِ، ويظهر قدرتَها على التّأقلم مع كلّ جديدٍ فعلًا، لكنّ المشكلة تكمنُ في سيادة الحضارة الغربيّة النّاتجة من اسئثارها بالتّطوّر التّكنولوجيّ الّذي أجبر العالم أجمعَ على إتقان لغاتها، بفعل الحاجة إلى ذلك. وبالنّسبة إلى علامات التّأنيث، فإنّ أوّل ما يدحض هذا الاتّهام هو كون كلمة "اللّغة" مؤنّثة، وهي الأعمّ والأشمل، وما دون ذلك يندرج تحت لوائها، ونضيف أيضًا أنّ بعض أسماء العلم الخاصّة بالذّكور مؤنّثة تأنيثًا لفظيًّا (عنترة، وعروة...)، فهل يمكن أن نعدّ الأمر إهانةً بحقّ الذّكور؟ لغتنا أكبر من هذه المقارنات اللّامنطقيّة والفارغة.

وانتقالًا إلى المصطلحات الغريبة، ألا يظهر جليًّا مدى طواعية اللّغة في ابتكار مفردات تتناسب وعصرنا الحاليّ، من خلال ما يستخدمه أدباؤنا من تراكيب لغويّة تتجاوز ذاتها يوميًّا؟ لقد ابتكروا ليس معجمًا واحدًا فحسب، بل معاجمَ واسعةً جدًّا تستطيع احتواء ما سوف نفكّر فيه مستقبلًا حتّى، هذا يعني أنّنا لسنا مقيّدين بقيود القواعد، لأنّ آفاقها شاسعةٌ أيضًا، وقد وضعت لتمنع الخطأ، تمامًا كما يُبنى منزلٌ على أسس متينة كي لا يهتزّ مع كلّ ريحٍ عاصفةٍ، وهنا أودّ أن أطرح سؤالًا: لو أردنا أن نتقنَ اللّغة الإنجليزيّة مثلًا، ألسنا بحاجةٍ إلى إتقان قواعها كي لا نقع في الخطأ؟ وفي اللّغة الفرنسيّة، هل نستطيع أن نخاطب المذكّر بصيغة المؤنّث والعكس صحيح؟

أمّا في ما يتعلّق بالمناهج، فالمسؤوليّة ملقاةٌ على عاتق واضعيها وليس على عاتق اللّغة، إذْ يستطيعون رفدها بالمئات، بل بالآلاف من نصوص شعراء وأدباء معاصرين، ويستطيعون أيضًا تقديمها ببساطةٍ وسهولةٍ وحيويّةٍ تتلاءم مع الفئات العمريّة المختلفة كافّة، عندما يربطونها بالواقع، ويبيّنون قيمتها ودورها في الحياة.

العقم في الأفكار، والمناهج، والأساليب التّربويّة، واللّغة العربيّة بريئة من تقصيرنا بحقّها وحقّ أنفسنا في الدّرجة الأولى، لأنّنا إذ نتملّص من مسؤوليّتنا تجاهها، فنحن نتملّص من ذاتنا وكينونتنا الحقيقيّة، إذْ لا كرامةَ لنا ولا احترامَ حين نهين لغتنا، وننظر إليها بعين الاستخفاف والدّونيّة، أحبّوا لغتكم لتكبروا بها في عيون الآخرين.