كتاب أوباما يشبه رئاسة أوباما، فهو طويل ثقيل الوطء، ولا جديد فيه بالرغم مما يعد به من تغيير.

ومثل رئاسة أوباما ومثل سياساته قبل الرئاسة وبعدها، لا يألو الكتاب جهداً في توظيف وعود أوباما المؤجلة (التي يقر بعدم واقعيتها في ظل النظام القائم في أميركا)، وفي تجميل النظام الأميركي والإمبراطورية الأميركية وإعطائها وجهاً أكثر سماحة وتنوعاً، بينما لا يتغير من واقعها شيء.

أحلام أوباما وهيمنة الوعود المؤجلة

في كتابه يورد أوباما حكايةً لاثنين من النُدل السود يخدمان في البيت الأبيض، إذ لاحظ أوباما أنهما يبالغان في التفاني في خدمته وزوجته فحاول أن يطلب منهما أن يخففا عن نفسيهما قليلاً فقال أحدهما: "إنما نريد أن نستوثق أنك والسيدة الأولى تُعامَلان كما يُعامَل كل رئيس آخر"، وقال ثانيهما: "انظر، أنت والسيدة الأولى لا تدركان ما يعنيه هذا لنا، سيدي الرئيس".

لا ننكر الأهمية الرمزية والعاطفية (التي جعلت في سياق شبيه القس الأميركي الأسود ورفيق مارتن لوثر كينغ، جيسي جاكسون، يبكي أمام الكاميرات أثناء الاحتفال بفوز أوباما بالرئاسة)، لهذه اللحظة، بالنسبة للكثير من الأميركيين السود. إلا أن بقية القصة - التي لا يرويها الكتاب - هي أن النادل الأسود سيبقى نادلاً، والتغيير الوحيد في حياته هو أنه سيصبح أكتر رضى بالاستغلال الطبقي والعنصري الذي يتعرض إليه في موقعه كنادل، ما دام يخدم رئيساً أميركياً. تماماً كما لم يسلم السود الأميركيون من العنصرية (بما فيها عنف الشرطة ضدهم) في زمن أوباما، بينما استُخدِم الثقل الرمزي لوجود أميركي من أصل أفريقي في البيت الأبيض لإخراسهم (ويواصل أوباما هذه المسيرة بعد انتهاء رئاسته، حيث دان انتفاضة السود ضد عنف الشرطة العام الماضي).

أوباما الذي خاض الانتخابات تحت شعارات "التغيير" و"الأمل"، كان حريصاً على عدم التغيير وعدم الاصطدام بالواقع الأميركي. وبينما يجدد أوباما بين كل فصل وآخر التزامه وإيمانه بأميركا، يفرد معظم صفحات كتابه ليبرر كيف اضطرته لعبة السياسة الأميركية إلى تقديم التنازلات وتحويل كل وعوده الانتخابية، سواء كانت وعوداً بنظام رعاية صحية شامل أو بإجراءات مالية تناسب الطبقات الوسطى والفقيرة أو بإغلاق معسكر الاعتقال في غوانتانامو، إلى نسخ معدلة تلائم النظام الأميركي القائم، وترضي خصومه الجمهوريين (حتى عندما كان الكونغرس بغرفتيه في قبضة الديمقراطيين)، ويورد حول ذلك تفاصيل مملة عن الدقائق الإجرائية التي أجبرته على استجداء رضا الأٌقلية الجمهورية بالذات في مجلس الشيوخ، متجاهلاً ربما أن قُرَّاءَه يمكنهم بأثر رجعي مقارنة عجز أوباما بقدرة ترامب على مناورة الكونغرس والقضاء وتمرير إجراءاته التعسفية سواء عن طريق لي أذرع حلفاءه ومعارضيه وعن طريق الحملات الإعلامية الفعالة بل وعن اتخاذ قرارات تنفيذية؛ الفارق طبعاً أنه بينما كان ترامب مخلصاً في تنفيذ سياساته التعسفية والعنصرية، فإن أوباما لم يكن مخلصا في وعوده الإصلاحية.

يختلق أوباما ثنائية زائفة  ما بين أميركا التي يحلم بها ويعد بها (أميركا المتنوعة المتقبلة للآخر، التي لا ترتكب جرائم حرب أو إبادة ضد الآخرين، ولا تعتمد على أقسى أنواع التمييز العرقي والطبقي، باختصار أميركا التي تنافي أميركا التي نعرفها، بل وتنافي أميركا التي حلم بها آباؤها المؤسسون الذين كانوا يبررون العبودية والعنصرية والإبادة الجماعية، والذين يقدمهم أوباما كما لو كانوا آباء الحرية والمساواة)، وما بين الواقع الأميركي. يوظف أوباما هذه الثنائية لتبرير عناصر الهيمنة الأميركية داخلياً وخارجياً، فكلما كان الحديث عن النموذج الأميركي، يصرُّ أوباما على أن النموذج الأميركي قائم على أميركا المتخيلة لا أميركا الحقيقية، وكلما كان الحديث عن برنامج للإصلاح يجدد أوباما التزامه بأميركا الحقيقية لا أميركا المتخيلة المزعومة. هذا التدليس يحل الحلم الأميركي محل الواقع الأميركي متى كان ذلك مناسباً للمستفيدين من الإمبراطورية الأميركية، فتصبح هيمنة أميركا على أقلياتها وعلى بقية شعوب العالم مبررة تحت شعار الوعد المؤجل بالحرية والمساواة، بينما يترك المجال لعناصر الهيمنة والاستغلال وآلة الحرب الوحشية للعمل تحت غطاء هذا الوعد المؤجل.

أوباما والاستثنائية الأميركية

يقول أوباما في مقدمة كتابه، وهو يحكي عن مرحلة مثالية في فترة دراسته، إنه بالرغم من وعيه ببعض مساوئ الممارسات الأميركية الخارجية "فإن الفخر بكوني أميركياً، وشعوري بأن أميركا هي أعظم بلد على وجه الأرض، كانا [بالنسبة لي] أمراً مُسَلَّماً... فكنت أتحسس غضباً من الكتب التي تنكر مفهوم الاستثنائية الأميركية، وكنت أخوض نقاشات طويلة ومطولة  مع الأصدقاء الذين كانوا  يقولون بأن المهيمن الأميركي هو أصل الشرور حول العالم". لكنَّ "وغداً منتفخ الأوداج" قاطع أحلام أوباما الصبي عن أميركا التي في خياله وهو "يلقي أمامي بجريدة يعلن عنوانها الرئيسي عن الغزو الأميركي لغرينادا أو عن تقليص برامج الغداء في المدارس أو أخبار أخرى مخيبة للآمال".

وهكذا تصبح معاناة أبناء الشعوب الخاضعة للاستعمار الأميركي (ممثلين هنا بغرينادا التي غزتها أميركا عام 1983) وأبناء الفقراء والأقليات الذين تتركهم أميركا بلا دعم (ممثلين في تلاميذ المدارس العامة الذين تقلص الحكومة الأميركية مخصصاتهم الغذائية) أموراً ثانوية لتَحَسُّسِ الصبي أوباما وغضبه من مساءلة حلمه الأميركي.

لا يكتفي أوباما، المؤمن بعمق بالاستثنائية الأميركية، بمحاولة تجميل وتزيين أميركا في عيون ضحايا الإمبراطورية، ولكنه يجعل من أميركا والمواطن الأميركي مركز الكون ويجعل كل التجارب التي يمر بها الناس في كل أنحاء العالم أمراً ثانوياً لتجربة الأميركي ولما يشعر الأميركي به. هذه المركزية-الاستثنائية الأميركية ظهرت بوضوح في تعاطي أوباما (في رئاسته وفي كتابه) مع الأحداث في مصر في 2011.

الإمبراطورية تنافق نفسها: أوباما ومصر وسياسات أميركا الانتهازية

في سياق سرده للأحداث في مصر يدّعي أوباما أن إدارته كانت أول من ضغط على الحكومات في العالم العربي من أجل بعض الإصلاحات الديمقراطية. هذه طبعاً أكذوبة وتضليل؛ فقد كانت إدارة سلفه بوش الابن هي التي صعدت من الضغط على الحكام العرب من أجل إجراء "إصلاحات" واتخذت من التحول الديمقراطي سلاحاً مصلتاً على أعناقهم، في أعقاب غزو العراق. وأذكر أننا في مصر تفاجأنا بأن قناة الحرة، صنيعة الاحتلال الأميركي في العراق، أصبحت فجأة أولى القنوات في تغطية الاحتجاجات في مصر وأصبحت تفرد لها مساحة واسعة، وأننا شعرنا بنوع من اختلال التوازن خاصة وقد كانت هذه الحركة الاحتجاجية نفسها تتظاهر قبل قليل في محيط السفارة الأميركية وفي شوارع القاهرة المختلفة ضد الغزو الأميركي للعراق، وتواجه التنكيل من سلطة مبارك بسبب ذلك. وقد رأيت، على سبيل المثال، هذا الاختلال في التوازن ولمسته عام 2005 بينما متظاهرة يسارية (من الذين كانوا يتظاهرون قبل ذلك ضد أميركا وضد غزو العراق) تصور اعتداء قوى الأمن المصرية على المتظاهرين وتقول للضباط مهددة، في انفعال صادق، "كونداليزا [ستفعل بكم] يا أولاد [الكذا]!" (ولا أحسب، للأمانة، أنها كانت تقول ذلك من باب الاستقواء بأميركا وإنما من باب معايرة النظام وقوى أمنه بحليفهم الذي انقلب عليهم، وإن كان هناك بالتأكيد شعور مضمر، مطمئن ومزعج في آن، بأن استخدام أميركا لشعرة الديمقراطية مع حلفائها يعني حماية محدودة ومؤقتة للمعارضة في مصر).

إلا أن أوباما ربما أضاف عنصراً كان غائباً أو متوارياً في تجنيد الإدارات الأميركية المتعاقبة لملف الحقوق والحريات؛ مداهنةً ليبراليةَ تريد أن تشعر بالرضى عن نفسها فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان في الدول الأخرى التي يحكمها حلفاء أميركا، من دون أن تسمح بأي تغيير جذري في تلك الدول قد يؤدي إلى انفلاتها من حلف أميركا إن انفلتت من قبضة أنظمتها الديكتاتورية العميلة.

وهكذا في وجه انتفاضة الشعب المصري في كانون الثاني/يناير 2011، ارتكز تعامل إدارة أوباما مع الأحداث في مصر على محورين: المحور الأول هو الحاجة إلى الضغط في إحداث نوع من التغيير يرضي الضمير الليبرالي لبعض الأعضاء في إدارة أوباما (ويُلَمِّع من وراء ذلك صورة أميركا حامية الحريات المزعومة حول العالم)، والثاني هو المحافظة على النظام بما يضمن المصالح الإمبريالية الأميركية في المنطقة وعلى رأسها طبعاً أمن "إسرائيل" بالإضافة إلى محاربة "الإرهاب" ومنع الحركات الإسلامية من الوصول إلى الحكم.

وفي هذا السياق فقد تلقى أوباما النصح من حلفائه المقربين: "بيبي" نتنياهو، ومحمد بن زايد، وعبد الله ملك السعودية آنذاك، بضرورة التمسك بمبارك من أجل الحفاظ على النظام الإقليمي. إلا أن أوباما كان يخشى في الوقت ذاته أن تتصاعد الاحتجاجات في مصر، وأن يؤدي العزوف عن إجراء تغيير في داخل النظام إلى إسقاطه وصعود سلطة أخرى - كان يخشى بالذات من الإخوان المسلمين - قد لا تلتزم بالسلام مع "إسرائيل" أو بترتيبات أميركا في المنطقة. ولهذا سعى جاهداً لكي يقنع حسني مبارك أن يبدأ عملية تغيير تنتهي بتسليمه السلطة لطرف آخر من أطراف نظامه (وفي هذا السياق جاء خطاب مبارك الشهير "لم أكن أنوي الترشح لفترة رئاسة جديدة" والذي لم يكن كافياً لدغدغة الضمير الليبرالي وتخديره ولا طمأنة أوباما أن الحركة في مصر لن تتصاعد وتصبح حركة ثورية حقيقية تطيح بالترتيبات الأميركية في المنطقة).

في المعتاد تخضع مثل هذه الكتب في الولايات المتحدة إلى رقابة استخباراتية، إذ يتوجب تقديم مسودتها النهائية إلى وكالة الأمن القومي التي تقوم بعملية "مراجعة ما قبل النشر" لتتأكد أن الكتاب لا يحوى معلومات حساسة. لا ندري بالضبط ماذا جرى ما بين أوباما ووكالة الأمن القومي قبل نشر هذا الكتاب، وإن كنا نعرف من أوباما نفسه أن له سوابق في الرقابة الذاتية إرضاء لأجهزة الاستخبارات (في سياق حديثه عن التعذيب في غوانتانامو وما قررت إدارته أن تنشره أو تخبئه من معلومات وصور عن هذا التعذيب). وسواء كانت الرقابة التي مورست على هذا الكتاب رقابة ذاتيه من أوباما المخلص لأجهزة الإمبراطورية الأميركية، أو من قبل وكالة الأمن القومي، فإن تفاصيل الذي حدث في الأيام التسعة ما بين إعلان مبارك نيته عدم الترشح لفترة رئاسة جديدة وبين إعلان عمر سليمان تنحية مبارك وتسلم المجلس العسكري للسلطة تبقى غائبة عن الكتاب.

إلا أن أوباما، الذي اعترف في سياق آخر في كتابه بتداخل الجهاز الأمني الأميركي مع أجهزة القمع المحلية في الدول الموالية للولايات المتحدة، يعود ويكرر في سرده لما حدث في مصر بأن "البنتاغون وأجهزة الاستخبارات" الأميركية كان لها "تأثير أكبر على النتيجة النهائية في مصر من أي تصريح يصدر من البيت الأبيض"، ثم يقول في عجالة بأن هذه الأيام تضمنت مكالمات يومية، تصل إلى مرتين في اليوم، ما بين قادة الجيش والمخابرات في أميركا ومن وصفهم أوباما بـ"ضباط رفيعي المستوى" في الجيش والمخابرات في مصر، وأن قادة الجيش والمخابرات الأميركيين أخبروا الضباط المصريين أن "التعاون" ما بينهم وبين أميركا لا يعتمد على وجود مبارك أو عدم وجوده، وأنهم "ربما يريدون أن يفكروا جيداً في الإجراءات التي ستحفظ مصالحهم المؤسساتية على أفضل وجه".

لا غرابة في أن تسعى الإمبراطورية المهيمنة جاهدةً لفرض مصالحها ولا في أن تصبح مصائر المصريين وأحلامهم هامشاً على حسابات الإمبراطورية أو أداة تحاول الإمبراطورية التحكم بها لتحدت التغيير الذي يحلم به أوباما وتسمح به أجهزة صنع القرار في أميركا، وذلك على حساب التغيير الذي حلم به المصريون؛ هذه كلها أمور ندينها وننتقدها ولكننا لا نستغربها. ما يستغرب ويستهجن هنا هو إصرار أوباما على تمرير هذه الانتهازية السياسية كما لو كانت عملاً مثالياً ينشر الحرية وينحاز لأحلام المصريين. لا ينحصر التدخل الأميركي الذي يجمّله أوباما في كتابه، في استباق الثورة المصرية بعملية تغيير محدود تضمن استمرار المصالح الأميركية على حساب طموحات الشعب المصري وآماله، وإنما يتعدى التدخل الأميركي إلى عملية إملائية تفرض على المصريين أن يكون هذا التغيير الذي ترعاه أميركا هو التغيير الذي يحلمون به وأن تكون حدود حسابات المصلحة الأميركية هي سقف آمالهم. كأن أوباما يريد من الناس في كل أنحاء العالم أن يضبطوا أحلامهم ومشاعرهم على حسابات الإمبراطورية الأميركية وعلى تحسس بعض الأفراد في البيت الأبيض، وأن يهمشوا أنفسهم حتى في أحلامهم، ليصبح الأميركي هو الشخصية المركزية حتى في أحلام غير الأميركيين.