تبدو المفارقة جلية في هذا العنوان حيث تخلو البلدان العربية من صناعة دفاعية حقيقية إذا ما استثنينا الأسلحة التـي تقوم المقاومة بتطويرها. إلا أن "إسرائيل" هي أكثر دول المنطقة تقدماً في هذا الصدد، فهي من أكبر الدول المصدرة للسلاح والتقنيات المرتبطة به في العالم. ومن هنا تكمن أحد المخاطر الكبرى لموجة التطبيع الحالية، أن تخترق "إسرائيل" قطاعات الدفاع العربي، بعدما تراكمت إشارات على وجود تعاون أمنـي وثيق بين تل أبيب وعدد لا بأس به من حكومات الدول العربية.

قد لا تقتصر مخاطر التطبيع على القضية الفلسطينية من حيث تمييع "إسرائيل" للقرار الرسمي العربي الذي لم يعد منذ ثلاثة قرون يمثل أية نقطة قوة للشعب الفلسطيني. كما أن هذا الشعب هو وحده الكفيل بحماية مقدراته، أو هكذا تشير خبرة النضال الفلسطيني. وكثيراً ما ارتكز رفض التطبيع في الدوائر العربية على مخاطر الاختراق الإسرائيلي للاقتصاديات العربية، وذلك بناءً على المقولة التـي عبّر عنها منذ أمد شمعون بيريز على ارتكاز الشرق الأوسط الجديد، وفقاً للرؤية الإسرائيلية، على التعاون بين المال الخليجي والقوى العاملة العربية والتكنولوجيا الإسرائيلية.

ما زالت تلك المخاطر قائمة، وتهدد باستمرار الهيمنة الاقتصادية الخليجية على المنطقة، ومن ثم استقلالية الدول العربية الكبرى وعلى رأسها العراق وسوريا ومصر والجزائر ودفعها نحو الهامش. يتضح هذا في اندفاع الإمارات إلى توقيع مذكرات للتعاون الاقتصادي مع الجانب الإسرائيلي، بالتزامن مع اتفاقيات التطبيع التـي جمعت أيضاً البحرين التـي تخشى من عقبات التحديث السعودي على اقتصادها السياحي. وفقاً لأوريل لين رئيس اتحاد غرف التجارة الإسرائيلية، فإن "إسرائيل" تسعى لاتفاقات تجارة حرة مع الدول المطبعة وعلى رأسها الإمارات، ووضع استثمارات في مجال الطاقة وإدارة الموانئ ولوجستيات النقل البحري والجوي.

وعلى الرغم من سعي النظام السوداني للتطبيع كثمن لإزالة اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وهو ما تحقق فعليّاً، إلا أن ضغط الإمارات على الخرطوم في هذا الصدد لم يكن ليخلو من البعد الاقتصادي. فالإمارات تسعى إلى الإفادة من الثروة الزراعية والحيوانية السودانية الهائلة، وهي مدخل "إسرائيل" أيضاً لاختراق السودان اقتصادياً، كما حاولت من قبل اختراق الزراعة المصرية.

ومع ذلك، تبقى الخطورة في أن هذا التعاون الاقتصادي قد يكون رافعة لتعاون عسكري بين "إسرائيل" وبقية الدول العربية المطبعة. يعنـي هذا في أن تركز صناعة الدفاع الإسرائيلية جهودها على تحقيق التحول من خدمة ضرورات التسلح لكبار المستوردين في آسيا، وهم الهند وأذربيجان وفييتنام، لخدمة السوق العربية التـي ستتحول إلى سوق "إسرائيل" الرئيسة. ومن ثم اعتماد الجيوش العربية التدريجي على مبيعات التكنولوجيا الإسرائيلية ومن ثم اختراق العقائد القتالية وتصميم العمليات، وصولاً إلى التدريبات المشتركة، وربما تنسيق عمليات عسكرية لاستهداف الخصم المشترك، إيران وحلفائها في المنطقة، أو ربما الجزائر أو البوليساريو في حال استمرار انحطاط السياسات العربية.

في واقع الأمر، ليس هذا السيناريو الأسوأ مجرد تشاؤم بحثـي بل هناك العديد من الدواعي التـي تؤكد حدوثه ربما في المستقبل القريب. أول هذه الدواعي وجود ذريعة الخطر الإيراني. فعلى الرغم من وجود إشارات للتهدئة مع إيران، وعزم الإدارة الأميركية الجديدة إعادة التفاوض على الاتفاقية النووية التـي انسحبت منها إدارة ترامب، مهندسة التطبيع، إلا أن تل أبيب لن يهدأ لها بالاً دون استمرار الحشد الخليجي ضد إيران وحلفائها في المنطقة، خاصة بعد انتصار هذا المحور في الحرب السورية. وقد يكون لهذه السياسة الاستقطابية صدى في المغرب العربي، مع صلابة الموقف الجزائري الرافض للتطبيع.

يدعم هذا السيناريو أيضاً وجود نخب حاكمة في عجلة من أمرها بخصوص التحديث واللحاق بالركب الغربي، ليس فقط اقتصادياً بل عسكرياً أيضاً. على رأس هذه النخب حكام الإمارات الذين يطمحون بدون تحفظ لبناء قوة عسكرية مسلحة فائقة، تؤكد تحول بلادهم لإسبرطة عربية قادرة، ليس فقط على الضغط الاقتصادي كأداة لإدارة الأزمات الممتدة في المنطقة من اليمن إلى ليبيا، بل التدخل العسكري في هذه الصراعات لتحقيق ما تراه ملائماً لمصالحها.

بالنسبة لهؤلاء وغيرهم، "إسرائيل" مورد عسكري مثالي للسلاح. فضلاً عن تقدم التقنيات الدفاعية الإسرائيلية، سواء في الأمن التقليدي أو السيبرانية أو الاستخبارات، فتل أبيب ليس لديها مشروطية سياسية مع مبيعات السلاح. وعلى العكس من الحلفاء الغربيين من موردي السلاح للدول العربية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، لا تسعى "إسرائيل" من خلال وارداتها لتحقيق غايات عدا اختراق الدول الشريكة، ولا تثقل كاهلها بمصير السلاح أو ضحاياه، وهي غير معنية بالجدل الديمقراطي حول هذه القضية أو غيرها.

فضلاً عن هذه الدوافع، لا يخلو سجل التعاون السابق على التطبيع السافر بين "إسرائيل" والدول العربية من تنسيق أمنـي واستخباراتي، قد تعود جذوره لحادثة اغتيال المهدي بن بركة في سبعينيات القرن الماضـي. إلا أن هذا التعاون الأمنـي قد تكثف في السنوات الأخيرة، مع سعي دول الخليج وعلى رأسها الإمارات والسعودية وعمان والبحرين، لشراء أنظمة التجسس الإسرائيلية مثل نظام "بيسغوس" الذي تنتجه "إن. إس. أو" والمستخدم في مراقبة وتعقب المعارضين والنشطاء داخل وخارج البلاد. وحظيت الصفقات الأخيرة بين تلك الشركة والحكومات المذكورة برعاية ومباكرة حكومة تل أبيب.

كل هذه الأسباب وغيرها تغري "إسرائيل" بالسعي لاختراق قطاعات الدفاع في الدول العربية، التـي ترى أن التطبيع معها هو النافذة الوحيدة للحاق بالمركز الغربي. على أن هذه العملية لن تعيد إلا إنتاج علاقة المركز الغربي والمتمثل في "إسرائيل" بالدول التابعة. هو نفسه المنطق الاستعماري الذي تأسست عليه "إسرائيل" وسيستمر طالما أن هذه الدول وغيرها في العالم الغربي لا تملك ناصية قرارها، أو على الأقل لا تملك القدرة على بناء دفاعاتها بنفسها. ولن يسفر أي تعاون عسكري بين "إسرائيل" وأية دولة عربية عن تطور حقيقي في رصيد الأخيرة من القوة العسكرية، لأن "إسرائيل" لن تبيع لها إلا فضلات استغنت عنها أو نظم دفاعية تغرس الوجود الإسرائيلي في قلب تلك الدول.