مع توالي اتفاقيات "التطبيع" بين الكيان الصهيوني ودول عربية وإسلامية، ترتفع أصوات التشكيك والإحباط وصولاً الى الانهزام في حين تنكشف خرائط المنطقة على واقعٍ جديد. لكنّ فهم موجة التطبيع القائمة لا يمكن أن يتم بعيداً عن دراسة علميّة لجوهر الصراع وأهداف كلّ طرفٍ من أطرافه.

فيما يلي إضاءة مختصرة على الأثر السياسي لموجة "التطبيع" القائم فيما يخصّ مصير المنطقة ومصير فلسطين.

بدايةً، لا بدّ من تعريف بعض البديهيات التي تساعد على فهم طبيعة الصراع في المنطقة، بهدف إجلاء "دهشة" البعض من موجة التطبيع القائمة.

قضية فلسطين

أوّلاً، إنّ قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين فقط. بمعنى آخر، يمثّل المشروع الصهيوني حرباً استعمارية تهدف الى السيطرة على المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي وصولاً الى الخليج العربي، وهي الممرّ الحتميّ للتجارة الدولية القادمة من الغرب الى الشرق والعكس. بالإضافة الى ذلك، تُشكّل الموارد الطبيعية والبشرية وحتى البيئية لمنطقتنا موقع إغراءٍ لأيّ امبراطورية هيمنة في العالم. من هنا، يشكّل المشروع الصهيوني رأس حربة المشروع الاستعماري الهادف للسيطرة على مفاصل المنطقة ولنهب ثرواتها عبر إخضاع شعوبها. ويشكّل شعب فلسطين دائرة الاستهداف "الأوّل" للمشروع الصهيوني، لكونه المجموعة البشرية التي ينبغي "التخلّص" منها بشكل نهائيّ لتثبيت الكتلة الاستعمارية الصهيونية على أرض فلسطين، وهي الكتلة التي تتولّى تغذية "مُحرّك" المشروع المُعادي. بالتالي، فإنّ "إسرائيل" مشروع استعماريٌّ يستهدف كلّ شعوب المنطقة، وما الدماء الممتدّة من بغداد الى صنعاء فطرابلس إلا خير دليلٍ على وحدة مصير الشعوب المستهدفة من قبل هذا المشروع.

تطبيع أم كشف أوراق؟

بناءً على ذلك، يتّضح بأنّ المشروع المُعادي لم يقتصر على "إسرائيل" فقط. فقبل "بلفور"، كان هناك "سايكس-بيكو"، لأنّ مخطط زراعة ورم استعماري في قلب منطقة خصبة يحتاج حتماً الى التمهيد عبر سياسة التفتيت والتقسيم. ولهذا، فإنّ تقسيم "الكيانات العربية" الذي فُرض على الشعب العربي هو أيضاً جزءٌ من المشروع الاستعماري، وإن كانت أدوار هذه الكيانات تتفاوت. فبعض الكيانات وُجد ليشكّل عقبة، والبعض الآخر لتحفيز التفتيت، وبعضها وُجد ليكون مصدر الدعم المالي واللوجستي لحماية المشروع الاستعماري ولمنع أي شكل من أشكال مقاومته. من هنا، تنتفي كلّ حجج "الاستغراب" عند سماع خبر الاتفاقيات بين "إسرائيل" والمملكة السعودية، على سبيل المثال. فحقيقة ما يجري هو عمليّة "رفع ستارة" عن المخطّط الاستعماري بكامل تفاصيله وأهدافه، بما يشمل كشف النقاب عن خطوط التواصل بين "مُحرّك" المشروع ("إسرائيل") وأدواته شرقاً وغرباً.

دعوة لعدم القلق؟

بالطبع لا. إنّ تشخيص الواقع بحقيقته المُجرّدة لا يقلّل من خطورة المشهد القائم وما يحمل من معاني. بدايةً، إنّ استعجال الصهاينة لتثبيت الواقع الجديد ينطلق من تقدير العدوّ بأنّ حالة "الرفض" لهذا الواقع محدودة ومشلولة في مختلف أنحاء العالم العربي. وهو ما يُشير الى نضج مشاريع التفتيت والاستنزاف التي خاضها الاستعمار في بلادنا منذ احتلال العراق عام 2003، والتي استعرت بعد عام 2011. بناءً على تجربتي التطبيع مع مصر والأردن، أدرك الصهاينة بأنّ "القبول الشعبي" ليس شرطاً لتثبيت المعادلة. إذ يكفي أن تستنزف المجتمع اقتصادياً وديمغرافياً واجتماعياً من خلال إذكاء الصراعات الثانوية وتبديل الأولويات لكي تفقد البلاد تماسكها الاجتماعي والمؤسساتي القادر على تشكيل حالة رفض لـ"إسرائيل". ومن الأمثلة التي تُضرب حول نماذج الرفض، نذكر الجزائر، حيث تحتفظ الدولة بموقفها المُعادي لـ"إسرائيل" مدعومةً بقرار شعبيٍّ ضاغط يدفع بالاتجاه نفسه. بالمقابل، يُمثّل السودان نموذجاً مضادّاً، حيث تمّ تعويم خطاب سياسي "محلّي" ساهم في طمس تضحيات الشعب السوداني وفي إهداء البلاد الى "إسرائيل" على طبقٍ من فضّة وضعف... وصمت. من يقرأ دراسات المراكز الصهيونية يرى بوضوح مخطّطات تجزيء المجزّأ وتفتيت أي فرصة للانتظام السياسي العقائدي داخل المجتمعات العربية، وهو أمرٌ أدركته "إسرائيل" بوضوح بعد تجارب الانتفاضتين وجنوب لبنان وغزّة. إذاً، نحن أمام حالة من قطف ثمار المشروع الصهيوني الساعي لتوسيع خارطة "إسرائيل" السياسية والاقتصادية لتصبح مركز التحكّم في المنطقة الممتدة من المحيط الى الخليج. لذلك، علينا أن نستبدل الاستغراب بالقلق، وأن نتخلّى عن "الدهشة" بالعمل.

كيف تروّج "إسرائيل" لنفسها؟

منذ البدايات، حرص الصهاينة على تقديم "إسرائيل" بصورة واحة التطوّر في صحراء التخلّف (أيّ تشابهٍ بين هذه الصورة وكلمات فضلو خوري عن الجامعة الأميركية هو محض صدفة). وفي تعاملها مع الكيانات العربية، حرصت دائماً على تأكيد تفوّقها المطلق عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، الى جانب إضعاف الطرف الآخر. في السابق، عملت "إسرائيل" على تقديم نفسها بصورة "البلطجي" الذي على من حوله التفاهم معه لاتقاء شرّه. وبعد هزائم جنوب لبنان وغزة، طوّرت "إسرائيل" من دعايتها للتطبيع. اليوم، تقدّم "إسرائيل" نفسها بصورة "المشروع الناجح" الذي لا بدّ من التواصل معه لتحقيق نجاح واستمرارية أي دولة في المنطقة (والعالم). ولتثبيت هذه الصورة، تعتمد "إسرائيل" على عوامل أساسية هي:

  1. التطوّر التكنولوجي والعلمي

  2. السيطرة على موانئ ومرافق الربط في المنطقة

  3. السيطرة على المجتمعات المُحيطة وتحويلها الى أيدي عاملة رخيصة وسوق استهلاكية جاهزة

وبهذه الصورة، تحاول "إسرائيل" تقديم نفسها كبوابة عبور حتميّة لخطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب، بالإضافة الى إخضاع كلّ الشعوب العربية والإسلامية الى معادلة "إمّا إسرائيل وإمّا الجوع". بالمقابل، لا يزال جزءٌ كبير من الخطاب المُعادي لـ"إسرائيل" قائماً على البُعد الأخلاقي-العاطفي دون البحث في مشروع علمي متكامل لمواجهة هذا الكيان وأهدافه.

بناءً على كلّ ما سبق، يتّضح لنا بأنّ موجة "التطبيع" القائمة هي نموذج موسّع للنمط الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين. إذ بتوسّعها السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي، تسعى "إسرائيل" لحصار ما تبقّى من قوى الرفض في المنطقة، بما في ذلك استكمال عمليّة القضاء على المجال الحيوي للنشاط المُقاوم. ويكفي لنا كعربٍ (وفلسطينيين تحديداً) أن نتأمّل في خارطة التطبيع المُحدّثة لنكتشف حجم الحصار المفروض على أيّ "محاولة" ماديّة لنشاط عربي يضرّ بمصالح "إسرائيل". وكأنّ العدوّ يدفعنا جميعاً الى خيارٍ من اثنين: إمّا الانخراط في مسيرة العبوديّة وإمّا التوجّه نحو "نضالات" افتراضية بلا أرضيّةٍ للعمل.

لكن أوّل شروط المواجهة هو عدم الاستسلام للخيارات التي يقدّمها العدوّ. فأمام كلّ خيارين، ثمّة خيارٌ ثالث، يحسبه العدوّ منتهياً، لكنّه قد يظهر على هيئة شابٍ مقدسيٍّ يحمل الكارلو ويهزم الهزيمة، واثقاً مؤمناً مُنتصراً لأمّته وبلاده. هي سياسة تحويل الأزمة الى فرصة، كما خطّها قادةٌ شهداء بدمائهم من قبل.

وبعد انجلاء غبار "الصدمة" والاستهجان، وبعد تفكيك المشهد بأهدافه ومعانيه وخطورته، لا بدّ من الخوض في السؤال البديهي: "ما العمل؟"