رأت "إسرائيل" في سليماني هدفاً منذ توليه قيادة لواء القدس. ثم بدأت تل أبيب منذ عام 2011 وصاعداً بجَمع معلومات تفصيلية عن الرجل بغية قتله. لكن في كلّ المرات كان يسقط هذا الخيار للسّبب ذاته. وهو أنّ الثمن الّذي سيجبيه الإيرانيّون من الدم الإسرائيلي واليهودي سيبدو هائلاً، وهو أمر ليس بمقدور تل أبيب ولا يجب "لإسرائيل"، ولا للشعب اليهودي، تحمله.

أما الجزء الأخير من حياة سليماني، فقد بدأ نهار 31 كانون الأوّل من العام الماضي. يقول رونن برغمان، عندما بدأ بجولة قام بها مئات المرّات. فليلتها، وصل سليماني إلى دمشق، وقام بعدة لقاءات، ثم خرج بقافلة إلى بيروت للقاء [السيد] حسن نصرالله في قلب الضاحية. لا يفوت برغمان التذكير أن [السيد] نصرالله حذر سليماني في لقائهما الأخير أنّ الأميركيّين يعتزمون تصفيته. لكن الأوان كان قد فات.

فمجموعة الأمن اللوجستية المعنية بتحركات قاسم سليماني كانت قد بدأت بتنسيق سفر سليماني إلى العراق بعد يوم من ذلك اللقاء، أي نهار الخميس، 2 كانون الثاني 2020. فاشترت المجموعة تذاكر سفر من عدّة شركات، بمن فيها شركة طيران "أجنحة الشام". كان لشركة طيران "أجنحة الشام" رحلتَين في اليوم، إحداها عند السابعة والنصف، وكان يُفترض بها أن تهبط عند الساعة العاشرة في مطار بغداد الدولي. لكن شيئاً ما جرى جدير بالاهتمام. إذ أعلنت "أجنحة الشام"، على موقعها على الانترنت أنّ الطائرة أقلعت، لكنّ العملاء أكدوا أن سليماني لم يصعد على متن رحلة الساعة السابعة، وأن الرحلة قد أُلغيت كلياً. ظل الأمر بين أخذ ورد حتى الساعة العاشرة مساءً. عندما أفاد عميل من مطار دمشق أنه شاهد قاسم سليماني يصعد الطائرة. هكذا، وبعد حوالي ساعتَين ونصف من التأخير أقلعت الطائرة. وتنفّس الجميع الصعداء عندما علموا أن أيّاً من عناصر حزب الله لم يكن موجوداً في الطائرة. كان معه إيرانيَّين وهذا كلّ شيء.

عند الساعة 12:36 ليلاً، هبطت طائرة سليماني بحسب التوقيت المحلّي لمدينة بغداد. بالقرب من الطائرة انتظرت سليماني سيارتان تابعتان لقوات الحشد الشعبي. لم يدرك المتعقّبون أنّ "المهندس"، قائد الجبهة، قد جاء بنفسه لاستقبال سليماني. نتظر المراقبون سليماني كي يصعد إحدى السيارتين. وأوكلت قيادة العمليّة إلى سلاح الجو الأميركي بالكامل. ومن اللحظة الأولى تكفلت خليّة من الطائرات الأميركية تتبع القافلة. عند الساعة 12:47، غادرت قافلة السيارات المنطقة المغلقة في المطار وخرجت من الطريق الرئيس. وعند تلك اللحظة أصاب الصاروخ الأوّل سيارة سليماني، وبعده صروايخ أخرى. كل مَن كان هناك قُتِل. كانت الأوامر حاسمة من البيت الأبيض، يجب عدم خروج أي من راكبي السيارات ناجياً. هم قصفوا الموكب مراراً وتكراراً للتأكّد من عدم خروج أيّ أحد على قيد الحياة من هذه القافلة، وقد نجح الأمر أخيراً بالنسبة للأميركيين والإسرائيليين.