في هذا النص؛ تنفرد الخندق بنشر مادة "إسرائيلية" تُقدم للمرة الأولى للعالم العربي. ونلفت عناية القارئين إلى أن هذه المادة حصيلة ترجمات خاصة، ومقابلات تقدمها الخندق للمرة الأولى للقارئ العربي. وعليه، فالنص بكامله (حتى في التعريف بالشهيد سليماني)، هو من مقابلات اسرائيلية جمعت نخبة من المختصين والخبراء الصهاينة من المستويين الأمني - العسكري، والسياسي، ومن مصادر خاصة في الداخل الصهيوني.

***

وُلدَ قاسم سليماني في قرية صغيرة، في منطقة جبليّة بالقرب من مدينة كرمان جنوب شرق إيران، لعائلة من الطبقة الفقيرة (طبقة العمّال)، أو الفلاّحين في حالتهم. مثّل سليماني جيلاً كاملاً من الإيرانيين من شباب الضواحي المنبوذين، الذين لم يولِهم الشاه أيّ أهميّة. لذلك فإنّ الثورة بالنسبة لهؤلاء الشباب كانت الخطوة الكبرى. وكانت القضية التي منحتهم الفرصة في حياتهم.

التحق سليماني بالحرس الثوري رغم أنّه لم يأتِ من أيّ خلفيّة عسكريّة، وكان لا يزال في العشرينات من عمره، وقد تمّ تعيينه قائد فرقة، وهو المنصب الأبرز له طيلة السنوات الأولى من الحرب الإيرانية – العراقية. بعد الحرب انضم سليماني لقوّة القدس، الّتي أُنشِئت عام 1990 تقريباً. ووظيفة قوّة القدس الأساس، أو مهمّتها الأساس، العمل لصالح الحرس الثوري في كل ما يتعلّق بمساعدة ودعم الجهات المتواجدة خارج إيران. يضيف راز تسيمت، عند سؤاله لما القدس بالقول: القدس، على إسمنا، والهدف من الإسم وَسم كل الأنشطة الإيرانية بهدف محدد: المجيء إلى هنا لـ"تحرير القدس". ويعود إسم سليماني، على مستوى دوائر القرار الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية إلى ما قبل 25 سنة، عندما ذُكِرَ اسمه للمرة الأولى في ما يتعلّق بعمليّة تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين يقول إيهودا باراك، رئيس الوزراء الأسبق. فقد كان واضحاً جداً بالنسبة للإسرائيليين، في تحليل النتائج، أنّ جزءاً من وسائل ]التفجير[ جُلِبَ بواسطة البريد الدبلوماسي الإيراني. لقد قاد سليماني خطاً متشدّداً جداً من البداية. وكان قاسياً على الإسرائيليين يقول باراك.

أكثر ما لفت انتباه الإسرائيليين في أداء سليماني:

تتعدد الآراء الإسرائيلية في وصف سمات الرجل، يقول العميد إيتاي بارون، المسؤول في شعبة "أمان" سابقاً: إنّ أكثر ما كان يلفتني في سليماني هو دوره الخاصّ وإجادته التزامن بين الرؤية السياسية، وأفكار المستوى السياسي، وتصورات الأشخاص المقاتلين في الميدان. فبفضله تمكنت "الميليشيات الشيعيّة"؛ أي حزب الله، "الحوثيّون"، الحشد الشعبي، وآخرون، من نسج علاقات تعاون مهمة جداً في ما بينهم. لقد قاد سليماني ما يمكن أن نسميه سياسة إعداد طوق يحاصر "إسرائيل" من الاتجاهات كافة. وميزته الأكثر لفتاً للانتباه أنه الرّجل الذي خطط لكل هذا. فعندما نقوم بوصل نقاط عمل سليماني نصل إلى قوّة تعمل باتّساع مكثّف في كافة أنحاء الشرق الأوسط. لقد كان هدفه إنتاج ثلاثة خطوط يعمل منها ضدّ "إسرائيل"، الخط الأول المباشر من لبنان وغزة. الخط الثاني على مستوى سوريا والعراق. أما الخط الثالث فعلى مستوى القرن الإفريقي والخليج. للعميد ميخائيل سغل، رئيس قسم إيران في شعبة أمان سابقاً رأي مختلف، ينطلق من موقعه في الاستخبارات العسكرية التي تعنى بالفرد/ العسكري على حد قوله، فيعتبر أن سليماني: كان دائماً ما يبدو "صديقك"، هو يشرب مع المقاتل من الكوب نفسه، يأكل معه، يرتدي الوشاح الكردي عندما يلزَم، ويرتدي وشاح الجيش السوري عندما يلزَم.

سليماني وحماس:

لم تكن شهادة الشيخ أحمد ياسين من مصلحة الإسرائيليين. فمن اللحظة الّتي قتلت إسرائيل فيها الشيخ ياسين، سحبت تل أبيب الحجر الأخير الذي يمنع إيران من نسج علاقة عميقة مع حماس. فياسين لم يرغب بالتدخّل الإيراني بتنظيمه بشكل كبير يقول رونين برغمان من يديعوت أحرونوت. وانطلاقاً من هذه اللحظة (أي لحظة شهادة الشيخ أحمد ياسين) حاول قاسم سليماني تكرار ما فعله في جنوب لبنان. أي خصخصة حماس ]جعلها خاصة بإيران]. لقد حاولت حماس، على مدى سنوات غير قليلة، تفادي العلاقة مع الإيرانيّين. لكن وفي نهاية محنتهم، وخلال الضائقة الاقتصاديّة والحصار، توجّهوا إلى الإيرانيّين، والإيرانيّون بدورهم هرعوا إليهم. وعندما نتحدث عن الإيرانيين ههنا، فإننا بالتأكيد نقصد قاسم سليماني. فالأخير جلب السلاح إلى غزة ودعم حماس بالمال وكثير من الأشياء الأخرى. وكلمّا مرّ الوقت بدأت حماس والجهاد الإسلامي على حد سواء بالاستفادة من مفهوم كيفية إنتاج القذائف الصاروخيّة. لقد تمّ نقل وسائل قتالية من إيران عبر اليمن والسودان إلى قطاع غزّة عبر الأنفاق الشهيرة. وهنا صار بالإمكان الحديث عن قوّة صاروخيّة تهدّد إسرائيل من الجنوب.

سليماني وحزب الله:

في وثائقي عرضته الخندق على صفحاتها في الذكرى الأربعين لشهادة الحاج قاسم سليماني (من إعداد القناة الـ11 الإسرائيلية) يقول أمنون سوفرين، رئيس شعبة الاستخبارات في الموساد سابقاً أنه، وعندما انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوبي لبنان، صار لحزب الله منطقة كبيرة للعمل. ومن جانب ثانٍ، تحقق للحزب الهدوء. فتحول بالتدريج من حالة "عصابة" تعمل بالكمائن والهجمات المباغتة و"المخرّبين الانتحاريّين"، إلى جيش منظّم. فجأة بات لهذا التنظيم قدرات لم يمتلكها يوماً، لقد أصبح نصف جيش. وكان سليماني خلف كلّ تمويل حزب الله وتدريبه، كما وكل بناء منظومة الصواريخ طويلة المدى خاصته.

أما حرب عام 2006، فلقد جاءت أبكر بكثير بممّا أراد سليماني. ففي تلك الفترة لم يكن لدى حزب الله بعد صواريخ يمكنها أن تصل إلى تل أبيب. كما لم يكن الحزب قد انتهى بعد من حفر الأنفاق. إلى حدّ ما، تفاجأ قاسم سليماني من رد الفعل الاسرائيلي. لكنه سرعان ما يأخذ القرار بتحويل التحدي إلى فرصة. يقول حاييم تومر، رئيس شعبة تيفل في الموساد سابقاً (وهو الرأي نفسه الذي يذكره عاموس يادلين رئيس مركز دراسات الأمن القومي) أن سليماني وعى منذ اللحظة الأولى أهمية هذه المعركة جيّداً، فعمل جاهداً كي يخرج منها بتعزيز قدرات حزب الله عشرات الأضعاف إن لم يكن أكثر. في الواقع، لقد استغل الرجل هذه الخطوة، إلى جانب عماد مغنيّة، لبناء قوّة مؤثّرة أكثر، موظَّفة أكثر. وإذا كان يحصي حتى ذلك الحين مئات الصواريخ فإنّه اليوم يحصي عشرات الآلاف منها. وإذا كان يحصي آنذاك قذائف صاروخيّة يبلغ مداها 200 – 250 كلم، فهو يحصي اليوم قذائف صاروخيّة أقوى، وأكبر، وأكثر دقة وفعالية.

العلاقة بين قاسم سليماني وعماد مغنيّة:

لم تكن العلاقة بين الرجلين علاقة قائد ومؤتمِر بحسب ميخائيل سغل، رئيس قسم إيران في أمان سابقاً. فلقد شكل الاثنان ثنائياً بعيد الرؤيا حقيقة. هما حاولا إعادة استحضار الشيعة من خلال الحرب مع "إسرائيل"، ثم طوّرا هذه المسألة لتصير معضلة الشرق الأوسط. لقد كانا (سليماني ومغنية) أخوَين، أخوين في الفكر وفي التطبيق، وأخوين في الشراكة الإيديولوجيّة في ما أرادت الثورة الإسلامية أن تفعله أيضاً. ثم كان لسليماني أن ملأ إلى حدّ ما الفراغ الناتج عن عدم وجود عماد مغنيّة. فساعد [السيد] نصرالله في بناء القوّة العسكريّة لحزب الله بعد قتلنا مغنية.

سليماني ما بعد "الربيع العربي":

هناك سليماني ما قبل الربيع العربي وهناك سليماني ما بعد الربيع العربي وهو ليس سليماني نفسه، في الواقع حتى إيران ما بعد الربيع العربي هي ليست إيران نفسها يقول رونن بيرغمان، محلل يديعوت أحرونوت. قبل الربيع العربي كان الهدف خلق رابط سرّي لا تعترف به إيران، لكنّها تعمل به، للسماح بوجود إيراني أينما أمكن مع عدم لفت الأنظار. هذا كلّه تغيّر بعد 2011. فبعد سنة 2011، اهتز العالم العربي، فقال سليماني و[السيد] الخامنئي "هذه فرصتنا". كان واضحاً جداً بالنسبة إليهم أنّه إذا سقط الأسد وانهار النظام السوري فقد يخسرون كل قدرة التأثير في الواقع، ليس في سوريا فحسب، وإنّما حتى في مسألة دعم حزب الله، لأنّ الدعم الإيراني لحزب الله يمرّ عبر سوريا في المحصلة، لذا لم يرغب سليماني ولا الخامنئي خسارة سوريا.

بعيد الدخول إلى سوريا، تقول راز تسيمت، الباحثة في معهد أبحاث الأمن القومي: سنة 2015، كان تقدير الوضع في إيران غير جيّد وكان لا يزال هناك احتمال بأن يسقط الأسد، عندها توجه سليماني إلى موسكو صيف 2015، وأقنع الرئيس بوتين بالدخول في المعركة. وقد تحقق بفضل هذا الدخول نوع من الدمج بين سلاح الجو الروسي من الأعلى وبين القوّات الإيرانيّة و"الشيعيّة" على الأرض، هو ما أدى إلى تغيير المعركة.